قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&
الأحاديث عن تدهور صحة الرئيس صدام حسين لم تعد جديدة، والمقارنة بين هيئته منذ اكثر من سنة، كما تبدو عبر شاشات التلفزة، بما كانت عليه قبل ذلك، تؤكد أرجحية هذه الأحاديث. وتسليمه صلاحيات واسعة لابنه الثاني قصي ومنحه عضوية القيادة القطرية في المؤتمر الأخير للحزب الحاكم، أي تهيئته كخليفة له. وصدور قرار حزبي أخيراً (يحرم علي الاعضاء الحديث أو التساؤل عن صحة الرئيس) كلها مؤشرات تصب في الاتجاه نفسه. الأمر الذي حدا بالبعض الي توقع ان يتكرر في العراق ما حدث في سورية بعد رحيل الرئيس حافظ الأسد وتولي نجله الدكتور بشار سدة الحكم. والسؤال هو: الي أي مدي يبدو هذا التوقع والآفاق المترتبة عليه واقعياً وممكناً، وما هي آفاقه المستقبلية بالمقارنة؟
وكمحاولة للإجابة يمكن القول أن أصحاب هذا التوقع لا يأخذون بعض الحقائق في الاعتبار، وهي حقائق تبدو واضحة عند المقارنة بين النظامين، ومنها: ان حافظ الأسد استطاع خلال الثلاثين سنة من حكمه، ان يبني، الي جانب المؤسسة الأمنية والعسكرية، مؤسسات دولة يعمل العديد منها في الظل، وعلي مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والديبلوماسية، بالإضافة الي وجوه ومؤسسات النظام المعروفة والتي لم يتغير معظمها منذ مجيئه الي السلطة في 1970، أي علي عكس حالة نظام بغداد تماماً. وهذه المؤسسات السورية ظلت منفتحة أو بشكل متفاوت علي البرجوازية الصناعية والتجارية، ما شكل للنظام سنداً اقتصادياً مكنّه من تلافي الكثير من مضاعفات الأزمات السياسية التي مرّ بها، خصوصاً نهاية السبعينات وبداية الثمانينات. وهذا ما يفسر، مثلاً قدرته علي ايقاف تدهور قيمة الليرة السورية إزاء العملات الصعبة، اذ توقفت عند الخمسين ليرة مقابل الدولار الاميركي منذ أواسط الثمانينات.
وفي هذا السياق دفعت سياسة الأسد الشرائح المستفيدة من السلطة سياسياً الي العمل في المجالات الاقتصادية والتجارية وتطوير امكاناتها باستمرار، ما رجح طموحاتها المدنية وخفف لديها تلك العادات الشائعة في الانظمة المشابهة، خصوصاً نظام بغداد، حيث الإدمان علي المنافع عبر المؤسسات السياسية والاعتماد الكلي علي الاجهزة الأمنية وبيروقراطية الدولة، أي تحويل ممارسة القمع والارهاب السياسي والفساد الإداري المنظم الي مهنة رئيسية يعتمد عليها دخل الاتباع ومستقبلهم. وعلي هذا الأساس يوجد قانون في العراق يقضي بطرد البعثي من وظيفته عند فصله من الحزب. واذا كان من المعروف تاريخياً بأن العراق بلد زراعي من الدرجة الأولي، إلا انه منذ تولي البعثيون السلطة أصبح مستورداً للمحاصيل الزراعية المختلفة بما في ذلك البصل علي حد تعبير صدام حسين نفسه في أحد خطاباته! وكان العراق، قبل حرب الكويت، يستورد ما قيمته بليون دولار شهرياً من المواد الغذائية. أما سورية وهي موضوعياً أقل امكانية زراعية من العراق، ورغم حال غلاء المعيشة المعروف، فإن نتاجها من الحبوب والفواكه يفيض في كثير من الاحيان عن حاجة السوق ليتم تصديره الي الخارج. وبموازاة ذلك استطاع النظام السوري تحقيق سياسة خارجية متوازنة نسبياً، سواء علي الصعيد الدولي أم علي الصعيد العربي، وعلاقاته مثمرة في الغالب مع الدول المحافظة والراديكالية علي حد سواء، وهي حالة معاكسة تماماً عند مقارنتها بالسياسة الخارجية لنظام بغداد. وكمثال، فمقابل جريمة احتلال الكويت التي جلبت الكوارث والويلات للعراق دولة وشعباً، فإن الموقف السوري المساند (للحل الدولي) الذي استغلته الولايات المتحدة أبشع استغلال ضد شعب العراق، لم يلاق قبولاً لدي الرأي العام السوري في حينه، فصدرت بيانات معارضة معروفة. ولكن بعدما وضعت الحرب أوزارها عاد هذا الموقف علي السوريين بنتائج ايجابية، اذ فُتحت أمامهم أسواق العمل والاستثمار في دول الخليج والسعودية، وتم بمساعدة هذه الدول انشاء وتطوير العديد من المؤسسات الاقتصادية والخدمية، وكل هذا اسمه سياسة وهي نقيض الرطانات الحربية الشائعة لدي نظام بغداد.
وعلي رغم الوقوف مع المعارضة الديموقراطية في سورية، فهذا لا يمنع من ذكر وقائع معروفة خصوصاً عند المقارنة. اذ يعرف السوريون اكثر من سواهم بأن حافظ الأسد دفع أولاده الي الجامعات ليتعلموا وينالوا شهادات فعلية وليست دكتوراه فخرية وهم علي اتصال مع العالم المتحضر ما طور من أفقهم الثقافي والسياسي، ولم تُعرف عنهم تلك البطولات التي دوّنها أولاد صدام حسين علي جثث العراقيين وانتهاك حرماتهم وممتلكاتهم.
وعلي رغم اعتراض الرأي العام العربي علي وجود أنظمة توصف عموماً بالاستبداد، وعلي حكم الوراثة في الجمهوريات، غير ان معطيات معينة بالإضافة الي السمعة الاجتماعية الطيبة التي يتمتع بها الدكتور بشار الأسد قبل توليه الرئاسة، وما أبداه من مرونة واستعداد لتقبل مشاريع الاصلاح وامكان حل الأزمات، شجع أوساطاً سورية عدة علي إبداء استعداد مقابل للمراهنة علي تجربة استثنائية مرهونة آفاقها بالمستقبل، وتعتمد بدرجة موازية علي كفاءة وتوجهات طاقم مؤسسة الرئاسة. ومن الضروري القول أن هذه التجربة الاستثنائية، لا يمكن في اي حال ان تصبح قاعدة عربية، ولا يمكن توقع تكرارها في العراق بشكل خاص، لماذا؟ نعتقد بأن السبب يكمن في اختلاف طريقة تعامل النظامين مع اتباعهما ومع المختلفين والمعارضين، وحتي لو بدا الاختلاف في الدرجة وليس في الجوهر، لكنها درجة اختلاف كبيرة ينبغي اخذها في الاعتبار، اذ سيترتب علي ضوئها الفرق النوعي في طبيعة الخيارات المتاحة أمام كل من الرئيس السوري الحالي والخليفة المحتمل للرئيس العراقي.
ففي الحال السورية ترك حافظ الأسد لخليفته خيارين، الأول يعتمد علي المؤسسات المدنية والاقتصادية وما تعنيه من امتداد اجتماعي للنظام، وهو خيار واقعي قابل للتطوير، اذ يجد صدي ملحوظاً لدي قطاعات غير قليلة من المجتمع خصوصاً جيل الرئيس بشار نفسه، ومن جانب تلك الفئات المحسوبة علي السلطة والقريبة منها والطامحة لتطوير مستواها الاقتصادي، خصوصاً بعدما أصبحت الشعارات القومية أكثر واقعية. وذلك إبعاداً للخيار الثاني الذي يعني الاستمرار في وضع المؤسسة الأمنية والعـسكرية أمام الدولة لتقودها، او لتورطــها مع المجــتمع أكثر فأكثر، بدل ابقائها في الخلفية لحماية الدولة والمجتمع كما يحصل في البلدان المتحضرة. وواضح حتي الآن أن الخيار الأول هو المرجح بحكم إمكان تحققه وفائدته للدولة والمجتمع معاً.
أما المتاح أمام الخليفة المفترض لصدام حسين فخيار واحد هو الاستمرار في النهج نفسه. واذا افترضنا وجود خيارات اخري فإن المتابع لا يجد أرضية واقعية لتحقيقها، لماذا؟ لأن امكان حدوث انفراج سياسي مع جماعات وتوجهات مختلفة أو معارضة، يصطدم بعقبات عدة واقعية. اذ ان انفراجاً كهذا لا يمكن ان يحدث ببعد سياسي أحادي الجانب، بل يفترض وجود طبقات أو فئات ذات صفة اقتصادية فاعلة، تعبر عن توجهات سياسية تجد مصلحة لها في التحالف مع النظام ومؤازرته، في حين ان الضرر والخسارة وعدم الاطمئنان تلازم كل الفئات الفاعلة اقتصادياً. وفي ظل التفكك الاجـتماعي القائم من جراء ســياسـات النظام وحروبه، والذي اضطر المزيد حتي من أتباعه والمستفيدين منه سابقاً الي مغادرة العراق، يصعب من الصعوبة الحديث عن امكان تحقيق مثل هذا الاحتمال. ومعروف ان السلطة حسمت توجهها منذ بداية الثمانينات، لتدخل وتدخل معها المجتمع ككل في نفق الديكتاتورية المطلقة، فكان القمع غير المعهود والحروب التي لا مبرر لها نتائج لذلك. ولم يحصل في التاريخ ان خرج نظام من نفق الديكتاتورية هذا ليؤسس من جديد علاقات طبيعية مع المجتمع وقواه السياسية المختلفة.
وضمن هذا السـياق، ستبرز أمامنا أزمة الحزب الحاكم الداخلية، اذ تمت تصفية غالبية قادته وكوادره، وما تبقي هو ديكور حزبي تشرف عليه وتوجهه الأجهزة الأمنية، التي هي بدورها تحت الاشراف المباشر لرئيس النظام نفسه الذي يتمتع بصلاحيات مطلقة علي مختلف الصعد. فهو دمج السلطات الثلاث بين يديه. وسيكون علي خليفته استلام كل هذه المهمات أو بالأحري المشقات لأنها هي السلطة ذاتها. فالتخلي عن هذه الصلاحيات يعني تخلياً عن مبررات الاستمرار في الحكم، وهو يعني استمرار توريط العائلة الحاكمة مع ادارات الدولة نفسها ومع المجتمع ككل. واذا أضفنا المتاعب الجادة التي تعانيها دول الجوار من استمرار هذا النظام بالإضافة الي الموقف الدولي المعروف، فإن فرص خليفة صدام، أي مثيله، تبدو صعبة جداً، ناهيك عما يعنيه رحيل صدام من بلبلة متوقعة داخل عائلة تعاني من أكثر من انشقاق، ومؤسسات حزبية تختزن في داخلها اكثر من مفاجأة وقلق من مصير غير مضمون في مواجهة مجتمع مجروح المشاعر محطم جراء وجود سلطة الكوارث والويلات هذه!
وعلي رغم ذلك، نتوقع من يطرح السؤال الآتي: كل هذه الأزمات والمشاكل، موجودة منذ ثلاثين سنة لكنها لم تؤثر في استمرار صدام حسين في الحكم، فما الذي يمنع من استمرار خليفته بالطريقها نفسها؟ والجواب يكمن في ان الاستحقاقات التي تواجه النظام السوري تختلف نوعياً عن تلك التي تواجه نظام بغداد، وهي استحقاقات داخلية وخارجية لا يمكن تصور عودة الدولة والبلاد الي طبيعتها، أي ما قبل حرب الكويت، من دون ايجاد حل عملي وشامل لها، سواء أكان صدام حسين موجوداً أم خليفته. وهي، أولاً: قضية رفع الحصار والعقوبات الاقتصادية وهي متعلقة بتنفيذ القرارات الدولية المعروفة، والتي لم يبد النظام أي مقدرة علي تنفيذها أو استيعابها خلال السنوات العشر الماضية، في حين ان امكان استمرار نظام حكم مع وجود مشاكل كهذه، كما هي الحال الكوبية، لم يعد ممكناً في ظل معادلات ما بعد الحرب الباردة. ثانياً: عجز النظام عن اعادة الوحدة الوطنية الي طبيعتها قبل احتلال الكويت، وذلك لرفض الاكراد وقواهم السياسية، بتأييد دولي مؤثر، العودة الي نظام عرّضهم مراراً لإبادة جماعية بعد مصادرة حقوقهم المدنية والسياسية التي كانت أهون مما هي عليه الآن مع طروحات كالفيديرالية أو حق تقرير المصير... الخ. ثالثاً: قضية الأربعة ملايين عراقي في الخارج والقطيعة المريرة مع الاحزاب والجماعات العراقية المختلفة بما في ذلك المناطق التي يُعتقد بأن النظام ينتمي اليها. رابعاً: الأزمة الاقتصادية والتعويضات العراقية الباهظة والطويلة الأمد التي لا يمكن تصور إلغائها من قبل المجتمع الدولي مع استمرار النظام ذاته، وهي ستظل تُثقل كاهل خزينة الدولة، مديمة تردي الحال الاقتصادية وتدهور مستوي المعيشة وقيمة الدينار لثلاثين سنة مقبلة علي الأقل.
وقد أكد النظام عجزه عن مواجهة كل هذه المستحقات المترابطة، ولو كان قادراً لفعل، واذا كان صدام نفسه يتخبط وسط هذه الدوامات، فكيف يمكن تصور حال خليفته الذي لم تعرف عنه أية كفاءة سياسية وتراوح خبرته بين الاجهزة الأمنية ودهاليز التعذيب وقوات الحرس والحماية! والعراق أو غيره اذا تحول الي ثكنة ومعتقلات لعقدين أو ثلاثة فلا يمكن تصور استمرار هذه الحال من دون نهاية، آخذين في الاعتبار تأثيراتها السلبية علي أمن ومصالح دول الجوار ناهيك عن مصالح الدول الكبري!
من خلال كل ما تقدم، يمكن القول: إذا كان بشار الأسد ضمن طبيعة التجربة السورية، جاء ومعه مشروع حل مفترض ومحتمل للأزمة الداخلية، وهو أمر سيحدد مستقبله ومستقبل بلاده، فإن خليفة صدام المفترض، والذي هو طرف مباشر في الأزمة والمأساة وقلق دول الجوار، سيأتي ليديم كل ذلك كشرط لإدامة نظامه، وهو أمر لا يمكن تصور نجاحه.(الحياة اللندنية)