قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&
&
&
&
ليس للأفغان أصدقاء. إنهم، بمعنى ما، مثل الأكراد. خانتهم، هم أيضاً، الجبال. أما الكهوف فصداقتها مكلفة، وهي من النوع الذي يدفع المرء إلى تفضيل... الأعداء.
ومع ذلك، تزن الدموع الهاطلة على المصير البائس للشعب الأفغاني ما تزنه أطنان القنابل أو أطنان المواد الغذائية المرمية فوقه. وصدف أن اللون الأصفر وحَّد، شكلاً، بين المادتين، فحصل أن ساعياً إلى الحصول على رزمة، حصل على قنبلة.
شهد العالم جرائم ضد الإنسانية. ولكنه، كما في الحالة الأفغانية، شهد جرائم ترتكبها الإنسانية، أي ترتكبها التيارات الفكرية والسياسية المشكِّلة للمشهد الإنساني المعاصر. لا أحد بريء في أفغانستان. لا العائدون منها يزرعون الرعب في بلادهم، ولا العائدون إليها لإنقاذها ممّا هي عليه.
افتُتحت المأساة، قبل عشرين سنة ونيف، بانقلاب <<شيوعي>>. مجموعة من المغامرين التحديثيين تريد أن تحفز التاريخ. ومثل العادة، في هذه الحالات، تصبح النوايا الحسنة مهمازاً يدمي الجسم وينهكه، لأنه يريد أن يفرض عليه ما يفوق طاقته. ويتدخل الاتحاد السوفياتي لرغبة من قيادته الهرمة في اختتام عقد التوسع في السبعينيات بالمزيد منه، وسقوطاً في فخ الاستدراج الأميركي، كما أوضح تفاصيله زبغنيو بريجنسكي. وبدل أن نكون أمام مشكلة هائلة هي تكرار للبول بوتية في ظروف أشد صعوبة، نصبح أمام معضلة مضاعفة باندراج هذه المحاولة في سياق الحرب الباردة المتجددة في الثمانينيات. ويصفق شيوعيون ويساريون لهذا التدخل من دون أن يراعي بعضهم وضعه الحساس في العالمين العربي والإسلامي. ويجد جورج مارشيه نظرية تبرير الغزو، فيقول إنه إنقاذ للمرأة الأفغانية، أي تماماً، الكلام الذي يقوله اليوم جورج بوش (وزوجته) خالطاً بين التحرر وحلق اللحى!
الشيوعيون مسؤولون إذاً. ولم نسمع أن كثيرين بينهم أقدموا على النقد الذاتي الضروري. وربما كان، في اعتقادهم، أن السقوط المدوي للمعسكر الاشتراكي، هو أفضل اعتذار.
تلقف أميركيو رونالد ريغان السَّقْطة السوفياتية في معرض بحثهم عما يعوّض الإهانة الإيرانية. جعلوا من دعمهم ل<<مقاتلي الحرية>> الأفغان عنواناً بارزاً للثورة النيو ليبرالية المحافظة التي يقودونها على صعيد عالمي. وكان يطيب لهم أن يقدموا الدعم الأكبر للتيار الأكثر إيغالاً في الظلامية؛ قلب الدين حكمتيار مثلاً. ولم يتردد ريغان، شخصياً،
في مقارنة قادة المجاهدين (كان لهذه الكلمة وقعها الطيب في أميركا) بالآباء الرواد مؤسسي الجمهورية. وتكفلت أجهزة المخابرات الباكستانية الذهاب إلى الزوايا المعتمة التي يعجز الأميركي، نتيجة خضوعه لمراقبة في بلاده، عن الوصول إليها. كان أسامة بن لادن برغياً في آلة إنتاج التخلف هذه. وهنا، أيضاً، وجدنا عرباً يهبّون لنجدة أخوانهم الأفغان، وفي ذهنهم أنهم يصفّون الحساب مع الحليف (وليس النموذج) الأبرز لحركة القومية العربية في فترة ربيعها الناصري. ويكفي أن يعود المرء إلى صحف ومجلات غربية في الثمانينيات، ليجد كيف أن الليبرالية امتطت حصاناً أفغانياً يكاد يكون هو نفسه الذي استخدمته هوليوود في واحد من أفلام <<رامبو>> الشهيرة، حيث يهبّ البطل الأميركي ليعوّض مع أشقائه المسلمين، عن الهزيمة التي ألحقها به شيوعيو فيتنام وأفريقيا ووطنيو أميركا اللاتينية اليساريون.
الليبراليون مسؤولون إذاً، عن المأساة. وفي وسعهم ألا يُقْدموا على نقد ذاتي ما دام رصاصهم في كابول أسقط جداراً في برلين.
ثم كان ما كان عند منعطف التسعينيات. ثم كان أن دخل المجاهدون عاصمة بلادهم. وعاش الأفغان هول الاحتراب بين أمراء الحرب الذين يرفع كل منهم راية الإسلام الجامع من أجل حماية فخذ في بطن في قبيلة في أتنية.
وفي حين كان <<مقاتلو الحرية>> يعبثون في كل شيء، وفي حين كان راعيهم الأميركي يغادر منصرفاً إلى تلمس <<النظام العالمي الجديد>>، كانت المخابرات الباكستانية ترعى، في مختبراتها مدارسها، ميليشيات الصِّبْية الذين سينقذون بلادهم.
دخلت <<طالبان>> كابول لتحريرها من عصابات الأخوة المقتتلين. وفرضت نظامها المرعب باسم الأمن. قايض الأفغان حرياتهم بحياتهم، وارتضوا، بديلاً عن التحديث <<الشيوعي>> القسري، وعن الحروب الأهلية المتناثرة، بالتخلف الأصولي الطوعي، وبحرب أهلية واحدة طرفاها ميليشيا طالبان وتحالف الشمال.
وصفق إسلاميون في العالم لهذه الإمارة الناشئة. وارتفعت وتيرة التصفيق عندما جرى تطعيم هذه الوجهة بخطاب ابن لادني يجعل الغرب عدواً من حيث هو آخر، لا من حيث هو سياسات ملموسة تحكمها اعتبارات <<علمانية>> باردة جداً.
وانضم أميركيون إلى الرقصة. فما شاهدوه هو كناية عن استقرار أو شبه استقرار يجعل أنابيب النفط آمنة إذا اختارت غير طريق إيران أو روسيا. وكانت المخابرات الباكستانية سعيدة بهذا العمق الذي استحدثته لنفسها في مواجهة هند آخذة في أن تكون أكثر هندوسية يوماً بعد يوم.
ولقد بات معروفاً، اليوم، أن هذا المزيج انفجر قبل 11 أيلول. ولعب <<الأفغان العرب>> دوراً في تفجيره بتغليب وجهة <<جهادية>> لم يُستشر أحد في أمرها، وها هي تنقلب على أصحابها والذين استضافوهم.
ويتشكل المشهد المأساوي الحالي من عناصر متناقضة، تجمع في حدها الأول الجنون العُظامي ل<<القاعدة>>، وفي حدها الثاني تحالفاً دولياً تتحكّم فيه رغبة الكبرياء الأميركية في الثأر و... الوقاية.
الملتقون في هذا التحالف سبق لهم أن التقوا فوق الأرض الأفغانية من أجل أن يتحاربوا. وكذلك سبق لأصدقائهم المحليين أن تحاربوا. وانضم بروتوس الباكستاني إلى طاعني طالبان في طقس وثني يقضي بتقديم ذبيحة إلى الآلهة لكسب رضاها. والغاضبون من هذه الحرب، سبق لمعظمهم، أن أيّد سابقتها. والراضون عن الغزو الوديع الجديد، سبق لهم أن استماتوا دفاعاً عن السيادة، ورفضوا أن تطأ قدما أجنبي الأرض الطاهرة. ويشترك الجميع في تحضير أجواء المأساة المقبلة.
الأفغاني العادي بائس ويائس. لا أصدقاء له. آذاه الشيوعيون والليبراليون والإسلاميون وقوميو الدول المجاورة. وبلغت الاستهانة به حداً دفع بمبشرين مسيحيين إلى تجربة حظهم في كابول الطالبانية، من غير أن يفكروا، للحظة، في المسافة التي تفصل الأفغان عن... الإسلام! (السفير اللبنانية)
&