قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تحقيق احمد عياش :عندما تخرج المجلتان الاميركيتان الاوسع شهرة في عدديهما الاخيرين بغلاف واحد، مع اختلاف بسيط في العناوين، ويتناول "اصطياد بن لادن"، يسود الاعتقاد بأن مصير زعيم تنظيم "القاعدة"، ومعه الالاف من الذين اصطلح على تسميتهم "الافغان العرب"، قد صار في اشد الحرج. قصة هؤلاء الالاف الذين فتشوا قبل 3 عقود، عن قضية في الصقيع الافغاني على بعد شاسع من ديارهم تستحق ان تروى اليوم. فهم ذهبوا الى المستنقع البعيد، وعلى رؤوسهم اكاليل الغار من بلدانهم، حيث ارتفعت صيحات الجهاد ضد "الاحتلال السوفياتي" من كل المنابر. وها هم ينتظرون المصير الاسود اذا خرجوا احياء من قندز وقندهار آخر جحور امارة طالبان. فالكل ينتـظرونهم بـ"اكاليل" القيود من كل نوع، يساقون فيها الى سجون اوطانهم التي امتازت بـ"الرحمة" الذائعة الصيت في تقارير منظمة العفو الدولية وحقوق الانسان. الايام تسرع في الحرب الافغانية، كذلك ايام الافغان العرب. وهناك موقف مختلف على ألسنة من يؤمنون بحقوق الانسان على قاعدة "المتهم بريء حتى يثبت العكس" من اجل تدارك مأساة تكشفت معالمها.
شهادة حيّة
الكاتب الروائي والمخرج التسجيلي المصري عصام دراز، الذي قادته موجبات مهنته الى افغانستان في اول اعوام انتقال المتطوعين العرب الى هناك للقتال ضد السوفيات في الثمانينات، يروي في حديث اجرته معه "النهار" في بيروت القصة باختصار ويستهلها كالآتي:
"كانت نشأة الافغان العرب يوم صدرت فتاوى رسمية من المؤسسات الدينية العربية في ضرورة مساعدة الشعب الافغاني. وفي الوقت عينه ساعدت الدول العربية افغانستان بالمال، فيما كان السلاح يأتي من مصر بتمويل سعودي. فالسعودية فتحت باب التبرع، والفتاوى تطورت وكانت تشمل الدعم بالمال والسلاح والنفس وان الجهاد فرض عين، يعني ان على كل مسلم واجب المشاركة في الجهاد".
عن المصدر الاول للفتاوى يقول دراز: "اول من تزعم هذه الفتوى الدكتور عبدالله عزام الفلسطيني الجنسية رحمه الله.وهو اهم شخصية في هذا المجال. وقد قتل (في بيشاور بباكستان) في تشرين الثاني .1989 وكان العلماء قد ايدوا فتوى عزام، وكانت المرجعيات الدينية في مصر، ولا سيما شيخ الازهر، يصدرون كل عام في ذكرى الغزو السوفياتي لافغانستان دعوة الى التبرع بكل ما يملكون لمساعدة هذا البلد. اي ان المرجعية الدينية كانت توفر تغطية كاملة.
وكان الواقع السياسي للدولة مؤيدا ايضا لهذا الاتجاه، سواء في مصر او في الدول العربية، باستثناء اليمن الجنوبي وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية، في المقابل كانت احزاب شيوعية عالمية، سواء في اوروبا الغربية او في يوغوسلافيا السابقة ايام تيتو وبلغاريا وقفت بقوة ضد الغزو السوفياتي لافغانستان. كما عارضت الصين هذا الغزو. وقدمت الى الشعب الافغاني المساعدة المطلوبة".
ويتابع: "الشباب العربي في تلك المرحلة لم يكتف بالاموال، بل قرر المشاركة& في القتال، حتى ظهر بقوة عبدالله عزام. وهو، كما قلنا، شخصية قوية جدا، واستاذ الشريعة في الجامعة الاسلامية في اسلام آباد، وقد انطلق من الاخوان المسلمين الى تنظيمات جهادية وفلسطينية، ودرس في فلسطين، ثم الاردن، فمصر، اذن، رؤيته وتكوينه عبرا عن شخصية جديدة. ومع الفتوى التي اطلقها بدأ يظهر عالميا ثم منع من دخول مصر بعد الحساسيات التي ظهرت مع افغانستان& اذ ان بعض الاحزاب الافغانية يطلق عليها الاصولية وعددها اربع من اصل سبعة، وهي: تنظيم قلب الدين حكمتيار، الرواء، الحزب الاسلامي والجمعية الاسلامية. هذه الجهات رفضت قطعا مبادرة السادات للسلام، وقاطعت مصر سياسيا، الى درجة ان السادات قبل ان يغتال دعا قادة الجهاد الافغاني الباقين الى زيارة القاهرة وهم" سبط الله مجددي، ومحمد نبي محمدي والجيلاني. وبسبب حساسية موقف باقي الاحزاب الافغانية اتخذ عبدالله عزام موقفا مؤيدا لها، مما ادى الى منعه من دخول مصر.ولكني اعتقد انه هو من اتخذ موقفا بعدم الذهاب الى مصر، لأن السادات عندما يوجه الدعوة فسيوجهها الى كل الاحزاب، وخصوصا ان الغزو السوفياتي كان لا يزال حديثا.
لقد استهوى عبدالله عزام افئدة الشباب ووجههم الى الجهاد في افغانستان. في هذه المرحلة بدأ اسامة بن لادن يتعرف على الجهاد الافغاني، فتوطدت صلته بعزام، الذي طرح عليه فكرة جمع الشباب الراغبين في الجهاد في مكان واحد، وان تتولى جهة واحدة الاشراف عليهم عندما يحضرون من مصر او السعودية بما يؤمن لهم المأوى. وهذا ادى الى نشوء مكتب الخدمات الذي اشرف عليه عزام، بالاضافة الى دوره التوجيهي الكبير في العالم كله، سواء في الساحة الافغانية او خارجها.
بداية مرحلة جمع الشباب ضمت العشرات، وكنت شاهدا شخصيا عليها وعام 1989 عاينت بنفسي تطور العدد الى الاف المتطوعين، وسمعت بن لادن شخصيا يقول ان العدد اصبح 7 الاف متطوع.
في ذلك الوقت كان الجهاد الافغاني جهاداً حقيقياً، ثم انسحب الروس فحصل فراغ كبير. واستمر الحكم الشيوعي بعد الانسحاب عامين، فانطلق عناصر الجهاد الى محاربة هذا الحكم، وفي الوقت عينه نشبت الحرب في ما بينهم. كان هدفهم الحرب هناك لطرد الروس واقامة الدولة الاسلامية التي سيعيشون فيها. اي ان من ذهب الى افغانستان كان يريد العيش فيها وعدم العودة الى بلاده. هذا الامر لا يعلمه احد. وهذا التوجه يشمل بالتحديد المتطوعين المصريين والسودانيين واليمنيين، الذين كانوا يواجهون مشكلات امنية في بلدانهم. ولكن عندما نشب الصراع داخل المجاهدين تبدد حلم الدولة، وبدأت مرحلة فراغ ظهر خلالها الوجه الجديد للافغان العرب الذي قيل انه تحول الى الارهاب. وهناك عناصر دخلت على الخط".
"النهار": من هي هذه العناصر؟
دراز: "كانت هناك خطة سرية دولية لضرب الافغان العرب بعد انتهاء الغزو السوفياتي. وهكذا وجد هؤلاء ان كل ابواب العالم قد اغلقت في وجوههم. وعندما يعود احدهم الى بلده يودع السجن. وبدأت مطاردتهم، اول مطاردة كانت مقتل عبدالله عزام، اي الرمز، وقتذاك لم يكن بن لادن معروفاً، وقد أُتهم الافغان العرب بالارهاب قبل ان يقوموا بأي عملية ارهابية. اي ان الادانة والعقاب مورسا ضدهم لمجرد الشك. كان ذلك عام 1989 حين لم تكن هناك اي اعمال مخلة بالامن. وكذلك عام ،1990 ولم يظهر التلميح الى دور الافغان العرب الا في حادث مقتل رئيس مجلس الشعب رفعت محجوب في تشرين الاول .1990 اي بعدما بدأت الاجراءات الامنية ضد الافغان العرب بمدة طويلة. وتفسير ذلك هو ان هناك رؤية عالية معينة تجاه هؤلاء الشباب منذ البداية بتصفيتهم جسدياً او ايداعهم السجون والصاق تهمة الارهاب بهم بالقوة. وسط ذلك، وبسبب اقفال الابواب في وجوههم واعتقالهم حيثما كانوا، حتى في باكستان التي بدأت مطاردتهم بعدما كانت ترحب بهم لمساعدتها، فتحت ابواب السودان امام الافغان العرب، اي انه البلد الوحيد الذي استقبلهم، فأقام لهم المعسكرات وقام بتدريبهم على اعلى مستوى، وصدّرهم الى العالم في المرحلة الجديدة التي اطلق خلالها تعبير الاعمال الارهابية. اذن، هناك مراحل واسباب ادت بالافغان العرب الى هذه الحال. فهم لم يولدوا ارهابيين، لكن العالم كله تنكر لهم".
والى اي بلدان ينتمي الافغان العرب يقول دراز ان اكثريتهم اتوا من السعودية ومصر واليمن. واوضح ان اعمال القمع ادت الى هجرة جديدة للشباب العرب وبكثافة من بلدانهم الى افغانستان: "لقد كان القمع الداخلي شديداً".
تحذير مبكر
وعن الحوار الذي جرى بينه وبين بن لادن في شأن الافغان العرب يوضح دراز الآتي: "لقد حذرته عام 1987 من ان العالم لن يرضى ابداً بأن يحارب المصري الى جانب السعودي واليمني والجزائري والفلسطيني والسوري، فنظر اليّ عندئذ بذهول. ولم يعلّق. واردفت قائلاً: ان العالم لن يرضى، وسيضربك، بما فيه الدول العربية الاسلامية اولاً. ثم نصحته لاحقاً بعدم التوجه الى السودان".
"النهار": ماذا كانت افكار بن لادن في ذلك الحين، هل هي اياها التي سمعناها لاحقاً عبر قناة "الجزيزة" ابان الحرب الدائرة الآن في افغانستان؟
دراز: "في تلك المرحلة كان حديثه يدور حول الروس فقط. الطفرة الحالية اتت بعد الانتقال الى السودان، فهو كان رجلاً مسلماً عادياً، مثله مثل الـ7 آلاف متطوع، ولا يتميز عنهم الا بالامكانات المادية التي راح يتبرع بها.
ان قصة الطفرة الحالية لبن لادن كبيرة. فمرحلة السودان فتحت له آفاقاً واسعة جداً، واتوا اليه بزعماء العالم الاسلامي قاطبة في المؤتمرات التي كان يرعاها حسن الترابي. فكان يلتقي الزعماء الاسلاميين من المغرب الى الفليبين وبدأ يتطور. واكرر ان المرحلة السودانية تميزت بالمعسكرات الاحترافية".
وما هو مصير هؤلاء الافغان العرب، يجيب دراز: "كل السجون في انتظارهم. فكل دولة عربية لها شاب في افغانستان ستتسلمه بموجب اتفاق، في حين ان المطلوب هو اطلاق سراح كل من لا تثبت ادانته، والا فهذا ظلم، فهو لم يرتكب شيئاً ضد اي دولة. فعلى اي شيء سيحاسب؟
وهو الآن في حال الدفاع عن النفس. انه لم يخرج ليقوم بأي تفجير في اي دولة، بل بقي في افغانستان منذ اعوام. فما حصل في نيويورك هو بعيد عنهم، واتوقع اذا ما عادوا الى سجون بلادهم، الا يعيشوا طويلاً فيها".
لاهور وبيشاور
دراز، وفي حديث طويل الى صحيفة "الوفد" المصرية في 26 تشرين الاول الماضي قال ان اول معرفته ببن لادن كانت في الثمانينات في افغانستان وكان وقتذاك يحتل موقع القائد لما يسمى "مأسدة الانصار" العرب. ووصوله الى افغانستان جاء بعدما زار باكستان للمرة الاولى لشراء مجموعة من الخيول العربية الاصيلة من مدينة لاهور حيث سمع بالحرب الدائرة بين القوات الافغانية والقوات السوفياتية، فقرر التبرع بمبلغ ضخم من المال. وتطورت التبرعات الى رعاية المجاهدين العرب في بيشاور (المدينة الباكستانية الحدودية مع افغانستان) حيث قرر بن لادن في عام 85 الاقامة في شكل دائم هناك (...): "اعتقد ان نقطة التحول الاولى في شخصية بن لادن جاءت بعد لقائه عزام". ويروي دراز انه قابل بن لادن في جدة عام ،1990 حيث دعاه الاخير الى حضور خطبة الجمعة في جامع بن لادن. ويضيف: "كانت تلك المرحلة بداية تحول بن لادن الى الكراهية المطلقة ضد اميركا. فقد اعلنت اسرائيل وقتذاك استقدام مليون مهاجر يهودي من روسيا، وقدمت اميركا دعماً بـ10 مليارات دولار لهجرة هؤلاء اليهود (...) وطلب بن لادن في ذلك الوقت من العرب مقاطعة البضائع الاميركية، كشكل من التعبير عن رفضهم، وتبني فكرة انسانية اخرى هي دعوة كل مواطن عربي له اصدقاء في الولايات المتحدة الى ان يرسل له خطاباً يشرح فيه القضية العربية. وضرب مثلاً بغاندي في المقاومة السلمية التي جعلته يسهم في القضاء على الاستعمار البريطاني لبلاده".
ويوضح دراز ان اسباب اتهام بن لادن باحداث ايلول الاميركية تعود الى انه "سبق ان اتهم للمرة الاولى في محاولة نسف مركز التجارة العالمي في نيويورك عام .1993 وكان المتورط الاول في هذه المحاولة مجموعة من العرب، معظمهم من السودان، وهو المكان الذي عاش فيه بن لادن اعواماً عدة. واعتقد ان هذا ادى الى اتهامه بأحداث الثلثاء الاسود".
انتهاك مذهل
آفاق مصير "الافغان العرب" ارتادها الكاتب والحقوقي البارز الدكتور شبلي ملاط في حوار اجرته معه "النهار" وتطرق الى دور منظمات حقوق الانسان في هذه الحقبة الافغانية الجديدة:
"النهار": لماذا خفت صوت منظمة العفو الدولية في احداث 11 ايلول وما تلاها، مقابل طغيان الصوت الآخر الداعي الى الحرب والمعلن عدالتها؟ وقد يؤدي الامر الى شكوك في ان منظمات حقوق الانسان خلقت لزمن اراده الغرب جزءاً من صورته الحضارية، انما يتراجع دورها عندما تنتفي حاجة الغرب اليها؟
ملاط: "لا شك في ان التصور صحيح ودقيق، وهو عنوان المرحلة الحالية. تاريخياً في القرن العشرين، من المعروف، للاسف، ان الحروب قلّصت الحريات، بما فيها الحريات بالعنوان الاساسي، ومن ضمنها العدالة وحقوق الانسان التي تكرسها كل الفلسفات والديانات الراقية في شكل شبه محتم في تاريخ القرن العشرين. هذه الحقوق والحريات تتقلص في شكل حاد، وهذا يمثل العجز الاكبر عن تحديد نظام عالمي جديد.
المشكلة اننا لا نزال على المنطق اياه الذي رافق الحروب طوال القرن العشرين، وفي شكل خاص الحديث الذي ينبع من الولايات المتحدة عن الشأن الخارجي. مثلاً الحديث المذهل عن انتهاك حقوق الانسان في المطالبة بالاقتصاص من شخص كأسامة بن لادن "حياً او ميتاً" يتعارض مع كل فلسفة حضارية تعلمتها الانسانية مدى حضارة تعود الى 6 آلاف عام.
هذا من الناحية الخارجية الذي نسمعه في هذه الحرب، والذي اعتقد انه سيبقى وصمة بشعة في سجل المسؤولين في الولايات المتحدة.
القضية الثانية هي داخلية، وتتعلق بتقليص الحريات التي نرى قالبها القانوني يتوطد يوماً بعد يوم في الولايات المتحدة وفي اوروبا، اي في الدول التي تفاخر باحترامها حقوق الانسان، بمعنى ان مبدأ الحرية ومبدأ المساواة بين الفرد والفرد اصبح مقلصاً في شكل خطير جداً، وبنوع اخص ظهر اخيراً في استحداث المحاكم العسكرية في الولايات المتحدة لمعاملة الوافد اليها او الشخص الموجود فيها ممن ليسوا مواطنين اميركيين في شكل مختلف جذرياً عما تعتنقه المحاكم وتعنيه دولة القانون في الولايات المتحدة بالنسبة الى المواطنين.
هذه القضية، من الناحية الحضارية الداخلية في الولايات المتحدة، مقلقة جداً، وقد تكون اقسى في بعض نواحيها بالنسبة الى حقوق الانسان مما حدث خلال الحرب العالمية الثانية، ووضع اكثر من 100 الف مواطن اميركي من اصل ياباني في المعتقلات.
الذي تراه اليوم هو تقليص للحريات وتقليص للمواد الاساسية التي ثبت عليها تراث يدعي احترام حقوق الانسان.
المنظمات ليست صامتة. لقد رأينا، في شكل مستمر، تحذيراً على هذا النسق صدر مثلاً عن منظمة العفو الدولية في الاسابيع الماضية، انما اهتمام الناس والصحافة واصحاب النفوذ بمثل هذا الخطاب غير موجود. ولذلك يصبح ملحاً في رأيي، كما تحذر الامينة العامة لمنظمة العفو الدولية في آخر تقرير لها، التحذير من ان يحل الثأر محل العدالة".
"النهار": لو اردت لكتابك "الديموقراطية في اميركا" ان يصدر في طبعة جديدة فهل تضيف اليه شيئاً؟
ملاط: "طبعاً من المستحيل ان يأتي الكتاب على النمط عينه بعد ما حدث في ايلول.
انما هناك فصل اظنه ملائماً للمرحلة الحالية في افغانستان والمرحلة المرتقبة هناك في الاشهر المقبلة، هو الفصل المتعلق بصدارة القاضي في الشأن الخارجي. ماذا تعني صدارة القاضي في الشأن الخارجي؟ تعني ان من اهم المهمات الملحة في افغانستان هو توفير حماية للمهزوم الذي قد يكون مخطئاً، وقد يكون بعضه مجرماً، ومجرماً كبيراً، انما هذا لا يسمح ابداً بالاقتصاص منه من دون محاكمة عادلة، معاييرها معروفة وثابتة.
النقص الاساسي في افغانستان اليوم، افغانستان المحررة، هو القاضي. وهذا ما اظنه. وان شاء الله سأحاول تثبيته مع الاخضر الابراهيمي. هذا هو طرحي حول النقص الاساسي والمرجعية في افغانستان يجب ان تكون ملاذاً قانونياً".
"النهار": تشير الى ان الوسط الذي تسبح فيه منظمات حقوق الانسان هو الاعلام، هل يصح التعبير ان هناك "تواطؤاً على المستوى الكبير ما بين السلطة والاعلام الذي انكشف في الامتحان الحالي؟
ملاط: "اظن ان هذا الامتحان اساسي. انما في رأيي ان الاهتمام يجب ان يتركز على الاصوات التي تتمتع ببعض النفوذ في الولايات المتحدة من خارج الولايات المتحدة. اظن هذا باباً واسعاً ومقنعاً يمكن للدول العربية اليوم ان تخوضه، ومن واجبها ان تفعل لاسباب عملية جداً. اليوم، اظن ان المجموعة الانسانية التي تتعرض لخطر ابادة وشيكة هي ما يسمى الافغان العرب اي هؤلاء الاشخاص، الذين لاسباب ايديولوجية يشارك القليل فيها، وجدوا انفسهم مجنّدين في حملة عالية ادت، في ما ادت اليه، الى هزيمة. هذه المجموعة، ونرى ذلك بالصورة، تتعرض للانتقام كلما تقدمت فصائل المعارضة التي تصل الى الحكم او الى السلطة في كابول وغيرهما من المدن. اي ان الاشخاص الذين يتعرضون لقتل وتشنيع مباشرين في شكل شبه عفوي وغريزي هم الذين يتحدرون من اصل عربي.
واظن ان هذا الامر اساسي اذا كنا متمسكين بفلسفتنا العالمية لحقوق الانسان. فأياً كان الشخص، واياً كانت درجة اجرامه، لا يجوز ان نقتص منه من دون مسار قضائي عادي يسمح له بالدفاع عن نفسه وتقديم الحجج. فإذا صدرت العقوبة في ما بعد عن هذا المسار فلا مشكلة. انما هذا الخطر الذي يتهدد ربما عشرات الالوف من الناس الموجودين اليوم في افغانستان اظنه واجباً على العالم الذي نتحدث عنه، واظنه هكذا في شكل خاص لاسباب متعلقة باتصالنا بهؤلاء الناس كوننا من مجتمعاتهم، لانهم عرب، فنكون في المقدمة دفاعاً عن حقوقهم الاساسية. اظن ان هذا دور حضاري مهم للمسؤولين العرب. وفي الحقيقة اعتقد انه بعد نوع من التردي لهذا الدور قد يلاقي صدى".
ابادة جماعية
"النهار": الافغان العرب خريجو بيئة لم تشتهر يوماً الا بالقمع. وهم في محنتتهم هذه اورثوا ايضاً محنة الآخرين في بلادهم، وكأن اجازة اعطيت الآن للقمع في منطقتنا. اي اننا نحصد نتائج ما يحدث في افغانستان.
وهناك خشية من ان يمتد الامر الى لبنان تحت ذرائع!
ملاط: "هناك تراتبية للاولويات في رأيي، هي وجود القاضي في افغانستان، اي المرجع القضائي الذي يحمي اشخاصاً مهددين بالخطر الداهم، اي بالابادة الجماعية.
اما بعد فإن الخطر الثاني في معركة الحريات الضرورية هي المجتمعات العربية، وفي العالم الثالث، التي تفيد حكوماتها لتثبيت القمع او توسيعه بحجة الامن او التوافق الوطني، وكل هذه حجج مزيفة، لان مزيداً من الاصوات دفاعاً عن الحريات هو الذي يضمن المجتمع في استقراره، وليس القمع.
ونرى ان ذلك سهل للمراقب ان يراه في حال اسرائيل. ان محاولة ارييل شارون الافادة من اللغط العالمي لتقليص رقع الحريات ليزيد من القمع في شكل رياضي في المناطق المحتلة من الضفة وغزة، اشارة اضافية لنسق متصل نراه في اسرائيل وفي الدول العربية عبر استغلال وضع عالمي متأرجح ودقيق في الحرب للمضي في قمع الحريات في هذه المجتمعات".
"النهار": ضمن هذه الاجواء هل ستتأثر قضية محاكمة شارون في بلجيكا بهذه الاجواء؟
ملاط: "من الصعب التكهن، اذ يستحيل تصور وقع احداث 11 ايلول وتبعاتها على القضية. فالمعطيات غير كافية، انما هناك جانب سلبي وآخر ايجابي. الجانب السلبي هو تقليص هذه القضية، ووضعها في مرتبة ثانية بالنسبة الى ما يحدث في افغانستان. ثم ان حجم ما يحصل في افغانستان وتواتر الاحداث السريع يعطيان نوعاً خاصاً من الاهتمام يجعل قضية، كالدعوى التي رفعناها بنمطها الخاص البطيء، لا تتصدر. هذا على السطح، اما في العمق فاحساسي هو ان هذا يحتاج الى عمل اكثر فعالية على مستوى المنظمات العربية والافراد لأن هذه قضيتهم على المستوى العالمي، والحقيقة هي ان ما حصل في 11 ايلول متجانس تماماً من الناحية القانونية مع الذي حصل في صبرا وشاتيلا، فالاثنان يشتركان في الضخامة، وفي ابادة مدنيين، وفي الوحشية المعتمدة، ولذلك اصبحت الدعوى في رأيي اهم بكثير بالنسبة الى ازدواج المعايير ما بين الغرب والشرق مما كان عليه قبل ايلول. هل تمكن الافادة منها؟ طبعاً هناك مواضع مختلفة. هناك موضع الشأن العام او الوضع في الولايات المتحدة.
علينا ان نقنع القاضي في بلجيكا آخر هذا الشهر بأن الرسالة الحضارية التي تتحقق في ذلك لا يمكنها ان تكون مقتصرة على مجرمين في العالم الثالث، ولن يكون القانون انسانيا اذا سمح القضاء لأرييل شارون بأن يفلت من قبضته".
&
طبول وعقول
ويمتد حوارنا الى منسق برنامج تعليم حقوق الانسان ومؤسس المكتب الاقليمي في منظمة العفو الدولية كمال العبيدي الذي غادر بيروت قبل ايام الى القاهرة مستأنفا عمله كصحافي بعد توقف خلال قيامه بمسؤولياته في المنظمة.
ويوضح العبيدي لـ"النهار" موقف منظمة العفو الدولية بعد احداث ايلول وخلال حرب افغانستان بقوله:
"لم يحدث ان وقفت منظمة العفو الدولية موقف المتفرج من أي انتهاكات لحقوق الانسان، في اي بقعة من العالم. في الاحداث التي شهدتها الولايات المتحدة الاميركية& كان للمنظمة العديد من التحركات العاجلة في شأن الاعتقالات والتحقيق وتبني المنظمة عددا من المعتقلين كسجناء رأي، ويمكن الرجوع الى هذه الوثائق، كما يمكن كذلك طرح الامر على الباحثين المتابعين هذا الشأن".
ويشير العبيدي الى ان الاعلام هو وسيلة المنظمة الاساسية: "هناك علاقة اساسية بين منظمة العفو الدولية وبين الصحافيين والاعلاميين. فهي تأسست اثر صدور مقال صحافي. ومن دون تسليط الاضواء من الاعلام لا يمكن للرأي العام ان يتحرك ليمارس الضغط على اصحاب القرار في الحكومات. والاعلام، بطبيعة الحال، مؤسسات تختار تسليطها الضوء او المرور مرور الكرام ببعض البيانات. وهذا الدرس حصل في الآونة الاخيرة، فالاصوات التي نادت بشن الحرب على ما سمي الارهاب حاولت تغطية بقية الاصوات، مثل منظمة العفو الدولية، التي نادت بالعدالة في تقديم المتهمين بالهجوم على مركز التجارة العالمي وعلى البنتاغون الى المحاكمة. كما طالبت بالسير في طريق البحث عن الجناة وتقديمهم الى المحاكمة، وحذرت من مغبة السير في نهج الانتقام.
من حسن الحظ ان منظمة العفو الدولية لا تكتفي باعلام الرأي العام.
وهل ان المنظمات التي انبثقت من الغرب شرعية في هذه المرحلة، أجاب: "علمنا التاريخ انه ابان الحروب عندما تقرع الاجراس تطغى الطبول والاصوات المنادية بالحرب على الاصوات المنادية بالتعقل والحكمة واحترام حقوق الانسان. في تاريخ الانسانية ان الجهات التي تقرر شن الحروب تحاول اسكات، او التقليل من فرص التعبير امام من يخالفون او يعارضون شن الحروب في وسائل الاعلام في بعض الاوقات، وخصوصا عندما يراد تسليط كل الاضواء، او جلها على التصريحات والقرارات الحكومية. لكن المنظمة تحاول ان تعلم كل اعضائها، الذين يزيد عددهم عن المليون في مختلف انحاء العالم، وتطلب منهم التحرك في اتجاه العديد من المؤسسات الحكومية، والسفارات ووسائل الاعلام، لايصال صوت المنظمة الذي ينادي بالعدالة وليس بالانتقام. وهذا النداء الذي وجهته منظمة العفو الدولية غداة احداث ايلول رددته بالامس السيدة ماري روبنسون مفوضة حقوق الانسان في الامم المتحدة.
ومن حسن الحظ كذلك ان عددا من الاعلاميين والصحافيين والمؤسسات الاعلامية نشر هذا النداء، وكذلك نشرت مقتطفات من تقارير اصدرتها المنظمة في الآونة الاخيرة، سواء عن احداث ايلول او الهجومات الجوية والقصف العشوائي على افغانستان. وانت تعرف ما حدث وما يحدث هناك، فالمدنيون هم الذين يدفعون فاتورة القصف والقنابل التي وقعت وطالت حتى مستودعات الصليب الاحمر الدولي في كابول التي ضمت المؤن والادوية لتقديمها الى شعب فقير يعيش على حافة الجوع. وكذلك الذين يدفعون فاتورة تكلفة الادوية، والذين يحاولون الفرار واللجوء الى البلدان المجاورة هربا من هذا القصف الجهنمي. صوت المنظمة وبياناتها، لحسن الحظ، وجدت طريقها الى بعض وسائل الاعلام. لكن الحكومات في هذه المرحلة تحاول ان تحجب كل الاصوات التي تنادي بالتعقل واحترام حقوق الانسان. وكما تعرف فانه بعد الذي حدث في 11 ايلول من اعتداء على ابرياء في مركز التجارة العالمي من مختلف الجنسيات والديانات قد استغل العديد من الحكومات هذه الكارثة لتضييق الخناق وتقييد الحريات الاساسية، وهذا ما تتخوف منه منظمة العفو الدولية، اي ان تستعمل هذه المأساة كذريعة لتقييد المواطنين في كل مكان وحرمانهم من الحقوق الاساسية. هذه الاعتداءات لا يمكن ان تقاوم بمزيد من الاعتداءات على الحريات الاساسية، بل بالتزام حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني، والعزوف عن انتهاك الحريات".(النهار اللبنانية)
&