قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&
&
&
... ولكن لماذا يكره العرب والمسلمون أميركا؟ تردد هذا السؤال كثيراً في الولايات المتحدة وغيرها. ووصل صداه إلى أوروبا حيث يتهم كل صاحب ملاحظة على السياسة الأميركية بأنه <<بدائي>>. لم يكن مبعث السؤال خطاب ابن لادن وإنما <<الحياد الإيجابي>> الذي استقبلته به قطاعات شعبية واسعة. <<يكرهوننا لأننا أفضل منهم>> قال بعض الأميركيين. واعتبروا أن نمط حياتهم، وحرياتهم، وازدهارهم، وقوتهم سبب العداء لهم، وهو عداء متعصب يطالهم من حيث هم ما هم عليه. والاستنتاج من ذلك أن الكاره مريض والمريض يعالج بالصدمة. وإذا لم تنفع الصدمة يكون ضرورياً كسر أي إرادة للتعبير العملي عن هذا العداء.
أقدم بعض آخر على توزيع للمسؤوليات مختلف. قال إن السياسة الأميركية مسؤولة نسبياً عما تثيره من مشاعر ولا بد، بالتالي، من تعديلات تجميلية عليها. لكنه أضاف أن التعديلات الفعلية يجب أن تصيب مجالات أخرى في العالمين العربي والإسلامي. والثقافة هي أبرز هذه المجالات لأن المدارس، والمناهج، والإعلام، والكتب، ورسوم الكاريكاتور، والوعي الديني السائد، لا تفعل سوى بث الشعور السلبي. ولما تنبه هذا البعض إلى أن أوضاع الحريات بائسة لجأ إلى نظرية
المؤامرة. بتنا أمام أنظمة عربية توجه كراهية مواطنيها نحو <<خارج>> ما حتى لا تصيبها علماً أن هذا <<الخارج>> لم يرتكب إساءة إلى الشعوب إطلاقاً. والجواب المقترح انطلاقاً من ذلك يدعو إلى الضغط على الأنظمة لتمارس رقابة وإلى إرفاق ذلك بحملة إعلامية تذهب إلى القلوب (والعقول) وتكسبها. وتميّز رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير بالدفاع عن هذه الوجهة فحاول أن يمارس سحراً خاصاً عن طريق تسليط ابتسامته على كل من تزيّن له نفسه معارضته.
خلاصة الأجوبة التي قدمتها <<المؤسسة>> الغربية، بتنويعاتها، هي أن العرب والمسلمين يكرهون أميركا لقصور في وعيهم. اعرفونا تحبونا.
يتجاهل هذا التقدير، عمداً، أن العرب لم يكونوا يوماً أكثر <<أميركية>> في السياسة والاقتصاد والأمن ممّا هم عليه الآن. فالقوى الحاسمة في نفوذها، في المنطقة، سواء في السلطة أو الجيش أو الاقتصاد، ميالة بشكل كاسح إلى أوثق العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة. أكثر من ذلك تكاد تكون واشنطن، مع ما تعنيه من نفوذ عبر مؤسساتها والمؤسسات الدولية، الطرف المنفرد الأقوى في الحياة الداخلية لمعظم الأقطار العربية.
ولأن هذا هو الواقع، ولأنه واقع تبعي بامتياز، ثمة ردود فعل سلبية. وهي ردود غير منظمة ولا عقلانية في أحيان كثيرة. تعبّر عن نفسها في تشنجات تخبو سريعاً ولا تتحول إلى <<قوة مادية>>. لا شيء في المنطقة يوازي <<كراهية>> أميركا النظرية إلا شدة الالتحاق العملي بها ومساعدتها في تأمين مصالحها.
ما من سبب لكراهية أميركا. ما من سبب مقنع. هذا إذا كان المقصود ب<<أميركا>> الريادة في الثقافة، والعلم، والتكنولوجيا، وإذا كان المقصود نظام الحريات (المهدد؟)، وفصل السلطات، وطيبة الشعب، وإذا كان المقصود حركة الحقوق المدنية، والتفتح الأكاديمي، والحيوية المذهلة. لا بل يمكن الجزم بأنه لا بد من استلهام هذه العناصر كلها من أجل تقديم رؤية نقدية لأميركا بما هي... سياسة، وسياسة خارجية تحديداً، وسياسة خارجية حيال العرب على وجه الخصوص (بالإذن من الأميركيتين الوسطى واللاتينية!).
لم تكن الكراهية في أصل العلاقات العربية مع الولايات المتحدة. ومن لا يصدق فليراجع تجارب الثورات المصرية والجزائرية والفلسطينية وغيرها من حركات وجدت نفسها في مواجهة مع المستعمر الأوروبي. إن الخلافات ظاهرة تاريخية نشأت وترعرعت وكبرت. وكانت، في هذه المراحل كلها، نتيجة خيارات أميركية.
إن أي تعريف رسمي أميركي للمصالح الأميركية في المنطقة يقود إلى استنتاج بسيط: إن التعارض كبير مع أي تعريف للحد الأدنى من المصالح العربية القطرية والقومية. هذه هي المشكلة التي لا تحلها حملة تبشيرية، ولا يرد عليها التأشير على مرض عربي شائع اسمه العداء الفطري لأميركا.
يكفي أن يعي العربي مصلحته حتى يجد أن أميركا تكرهه. ولذا فإن عليها هي أن تكف عن هذه الدهشة التي تصطنع البراءة حين لا يكون كل سياسي عربي مثل أحمد الجلبي، وكل مثقف مثل فؤاد عجمي، وكل رجل أعمال مثل... (السفير اللبنانية)
&