قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

"ان عبارة "بلقنة" لم تعد تفي بالغرض حيال ما يجري في يوغوسلافيا السابقة. بل يجب اعتماد عبارة "اللبننة". فقبل سنوات قليلة نشأت في بيروت بين الافرقاء المتحاربين، وعلى نطاق واسع، سوق للسلاح والذخيرة وحتى المحروقات... وقد فتح "امراء الحرب"، الذين كانوا يتصارعون على لبنان، مصالح لحسابهم غير آبهين بالتعليمات التي تردهم من فوق".
اندريه فونتين
رئيس تحرير سابق لـ"لو موند"
في كتابه "...ومن بعدهم الطوفان"
رغم اهمية الاحداث المحلية، كانت انظار اللبنانيين وقلوبهم وعقولهم مشدودة هذا الاسبوع الى مكانين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات هما فلسطين وافغانستان.
بل هم رأوا انفسهم في المكانين حيث كان يتقرر مصير شعبين على هدير الدبابات وصفير الصواريخ، وانهيار المباني وزعيق سيارات الاسعاف. وهي مشاهد وإن تكن بعيدة عنهم زمنياً، الا انها لا تزال تسكن ذاكرتهم، وخصوصاً ان التضحيات التي بذلها اللبنانيون، لم توصلهم بعد الى شاطئ الامان. بل هم كانوا اول من امس يحسدون الافغان على احتضان الامم المتحدة لهم واصرارها على ان يتمثلوا جميعاً، كل الفئات السياسية والجماعات الاتنية، في الحكومة الاولى... والاّ لا حكومة ولا انقاذ، متساءلين، وهم يتابعون نشاط الاخضر الابرهيمي راعي طائفهم عام 1989 وواضع لبنان في الحاضنة السورية: لماذا حكومة الاتحاد الوطني مطلوبة لافغانستان، وغير مطلوبة للبنان؟
بل لماذا حكومة الاتحاد الوطني ممكنة في افغانستان وشبه مستحيلة في لبنان، رغم مرور اكثر من عشرين عاماً على انتهاء "حروب الآخرين" على اراضينا؟
ولقد ادرك الافغان، بمختلف فئاتهم وطوائفهم واتنياتهم، ان "حرب العشرين" سنة العبثية التي كانت هي الاخرى "حرب آخرين" على الارض الافغانية، قد هدمت بلادهم، ودهورت اقتصادهم، ومزقت نسيجهم الاجتماعي، وان لا مجال للخلاص من نظام الميليشيات، سوى اعتماد النظام الديموقراطي الذي ستصوغ الأمم المتحدة في ضوء مبادئه دستوراً للبلاد ونظام حكم يؤمن الحريات للرجال، وللنساء كذلك، الى جانب المساواة والعدالة، ووضع نظام انتخابي يؤمن تمثيلاً حقيقياً لكل الفئات التي يتألف منها الشعب الافغاني، مما يضمن مشاركة واسعة في صنع القرار، كما في التعمير.
وبدا واضحاً - ازاء المشهد اللبناني في سلبياته وايجابياته - ان الابرهيمي يحاول، ومعه الأمم المتحدة، "لبننة" الحل الافغاني وتحقيق ما عجز عنه في لبنان، من طريق دعوة الاطراف الذين حولوا الارض الافغانية ساحة لصراعاتهم وجعلوا الشعب الافغاني وقوداً لحرب مدمرة - دعوتهم الى التعاون من اجل ارجاع المهجرين الى ديارهم، واعادة بناء المؤسسات، وتعمير المدن المهدمة بواسطة العناصر التي خربتها. ولم تستثن الأمم المتحدة، في هذا المجال، أياً من المتصارعين سابقاً على السيطرة على افغانستان، وممارسة وصاية عليها، من روسيا الى ايران وباكستان والولايات المتحدة بأجهزتها المتعددة.
ويبدو ان "لبننة" افغانستان، برعاية الامم المتحدة وبصيغة مصححة، قد شقّت طريقها الى العقل السياسي، وحتى الاصولي منه الذي بات مقتنعاً بضرورة قيام توافق سياسي في البلاد يؤدي الى خروجها من النفق المظلم الذي دفعت اليه.
فحتى أشد الرافضين لعودة الملكية في شخص الملك ظاهر شاه، زعيم تحالف الشمال الرئيس الافغاني المعزول برهان الدين رباني، اعلن انه سيسلم بمشيئة الشعب: "فإذا انتخب الملك السابق ظاهر شاه فإني سأحترم ارادة الشعب".
وقال اكثر، انه يدعم الديموقراطية - وهو صاحب نظرية مجالس الشورى ومجالس القبائل - ويؤيد نظاماً انتخابياً في افغانستان يسمح بـ"منح النساء الافغانيات الحق في الترشح والتصويت". وان الانتخابات يجب ان "تنظم على اساس توزيع السكان في البلاد" على ان "ينتخب الحكام من الشعب"، داعياً الى اقامة "علاقة صداقة" مع باكستان تشبه علاقة اللبنانيين مع سوريا.
الا ان افغانستان الخارجة من الحرب، بدروس في الديموقراطية والمساواة والعدالة والحرية، تخشى ان تقع فريسة احتلال جديد شبيه بالاحتلال السوفياتي الذي ادت مقاومته الى تدمير البلاد وتقطيع اوصالها وتحويلها ملجأ للارهابيين الفوضويّين، واكبر منتج للمخدرات في العالم. لذلك ترفض معظم تنظيماتها وجود اي قوات اجنبية على اراضيها، وان تكن قبعات زرقاء تابعة للامم المتحدة وموقتة ايضاً مثل القوة الدولية في الجنوب. وقال احد المسؤولين الايرانيين - ورباني كان لاجئاً في ايران - ان القوة الدولية ستكون قوة احتلال، وان على الافغان ان يثبتوا خلال الفترة الانتقالية انهم "راشدون" ومؤهلون لحكم بلدهم، وليسوا في حاجة الى جيوش اجنبية لفرض الامن فوق اراضيهم. واذا لم يفعلوا ذلك فقدوا استقلالهم وسيادتهم، كما فقدوا القدرة على القرار.
ونصح للفئات الافغانية التي كانت متصارعة، بما فيها انصار الملكية، التوافق في ما بينها لئلا تستفردها قوة داخلية، بدعم خارجي، او تبسط قوة اجنبية سلطتها عليها بدافع توفير الاستقرار وبسط سلطة الدولة على ترابها الوطني الى ان تقتنع القوى الخارجية بان افغانستان لن تعود مرة اخرى مأوى للارهابيين ومصدرة للعنف الى العالم.
ولان الامم المتحدة هي الراعية لافغانستان والكفيلة لعودتها الى "بيت الطاعة"، فقد اعدت لها مؤتمراً دولياً لدول مانحة - تماماً كما وُعِد لبنان وخُيّب وعلى يد الاخضر الابرهيمي نفسه - من اجل اقامة صندوق لاعادة تعمير البلاد.
انه لمشهد محزن حقاً، ليس للافغان بل للبنانيين الذين بعد مرور 20 عاماً على حل الميليشيات واعادة السلام والهدوء الى ربوعهم المضطربة لا يزالون يعانون التمزق، بعدما عجزوا عن اقامة الوفاق الذي نص عليه الطائف، كما منعوا من تحقيق المصالحة بين الفئات المتحاربة، ووقعوا في الفخ الذي يحاول الافغان اليوم تجنبه، أي القبول بقوة أمنية خارجية - وان تكن صديقة& لباكستان وقازاقستان وسواها - تساعدهم موقتاً في اعادة بناء قواتهم الذاتية ومعاونة القوة التي انشئت على بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على ترابها الوطني. فاذا بهذه القوة تتدخل في شتى وجوه الحياة في البلاد، وتملي القرارات على السلطة الشرعية، وتفعل المستحيل لمنع المصالحة، ولشل طاقة اللبنانيين على اظهار قدرتهم على حكم بلادهم بأنفسهم، من طريق قوانين انتخابات مفخخة وضعت على قياس مجالس تخضع لارادة الخارج.
وبدل المجلس الذي يمثل الشعب، وتنبثق منه حكومات تحكم باسم الشعب وتطارد الفساد والمفسدين، وتخضع للمحاسبة، قام عندنا حكم بحكومتين، واحدة في بعبدا، وأخرى في قريطم. وضاعت المسؤولية بفعل الاجهزة والاشباح، الامر الذي جعل النائب باسم السبع يتساءل في مجلس النواب يوم الثلثاء الماضي: "من يحكم لبنان فعلاً؟ وهل نعيش في ظل نظام ديموقراطي برلماني، وفي ظل دولة دستورية انبثق دستورها من اتفاق الطائف، ام نحن أمام نظام رئاسي - امني مختلط؟".
صحيح ان النائب السبع لم يأت بجديد في هذا المجال، اذ سبق له ان كشفه في جلسة سابقة وهو يسمي الاشخاص الذين تخضع هواتفهم للتنصت، بمن فيهم رئيس مجلس النواب والوزراء، ولم يتحرك احد لوقف التنصت، بمن فيهم وزير العدل!
الا ان صوت السبع ضروري للزئير في وجه الحكم المستتر الذي يخوض منذ اكثر من سنة حرباً قاتلة ضد رئيس الوزراء، تتمثل في ابعاده عن دائرة القرار، وارهابه حتى لا يقترب من دائرة الافعال.
والغريب ان اشرس الحروب السرية واخطرها كانت في زواريب المال والاقتصاد، وسلاحها يستهدف عرقلة المشاريع والخطط الانقاذية للحريري بحجة انها غير مجدية ولن تنتج ثماراً انقاذية. وبلغت ذروة الحرب قبل صدور تقرير صندوق النقد الدولي الأول، ثم الثاني، وكان رهان الاشباح فيها على ضربة قاضية على رأس الحريري وفريقه من طريق فرض خفض قيمة العملة. وقد هوّنها الله فزيد سعر صفيحة البنزين وأعد قانون الضريبة على القيمة المضافة واستعجل مشروع الخصخصة مما جعل صندوق النقد يعتبر خفض قيمة الليرة واحداً من خيارات عدة، بعدما كان الخيار الوحيد.
وفيما الحرب السرية تزداد شراسة، كان الوضع الاقتصادي والمالي ينزلق انحداراً بسرعة "مدوخة" نحو الهاوية رغم التحذيرات المتكررة من المصرف المركزي من ان الوضع يقترب من الحافة، وان الباخرة الكثيرة الثقوب تشارف الغرق بكل ركابها، ولا مجال أمام احد للنجاة، وإن بأطواف.
وسبق لوزير المال فؤاد السنيورة، ولسلفه الدكتور جورج قرم، ولحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ان كرروا ان لا انقاذ دون وفاق سياسي، ولا حلول بمعزل عن المشاركة السياسية لكل الاطراف، بمن فيهم المعارضون الذين ابعدهم السوريون عن المشاركة في الحكم والذين لم تنفع البدائل منهم الذين اشركوا في الحكومة الحالية فكانوا شهود زور، كما قالوا، لا يشاركون في القرار وغالباً ما تمر القرارات فوق رؤوسهم، كما ابلغ الى "النهار" الوزيران بيار حلو وفؤاد السعد.
ومع اقتراب ساعة الحقيقة، جمع الرئيس اميل لحود "الحكومتين" في بعبدا الاحد الماضي، حكومته هو التي تضم نائب رئيس الوزراء والمدير العام للأمن العام، وحكومة الحريري التي تضمه ووزيري المال والاقتصاد. وأضيف الى هاتين الحكومتين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي استدعي "ليشهد بالحق" في وصول الدين الى 29 مليار دولار، أي ما يتجاوز نسبة 170 في المئة من الناتج، وهو مبلغ لا تقل خدمته عن 3 أو 4 مليارات دولار، وهبوط احتياط المركزي من 6 مليارات الى أقل من مليارين بسبب التدخل لدعم الليرة وخصوصاً منذ احداث 7 آب الماضي، وبلوغ العجز التجاري في الاشهر العشرة الأولى من السنة 5.1 مليارات دولار، ووصول محفظة سندات الخزينة لدى المركزي الى حدود 7 آلاف مليار ليرة.
ان استمرار هذا المنحى يعني فرض خفض قيمة النقد لان الليرة التي تضعف باستمرار ستصل الى حد اعتبارها غير قابلة للتحويل لأي عملة أجنبية، والاضطرار الى التصرف بالذهب "عملة الملاذ" الوحيدة وهذا هو "الحل الموجع" الذي لوّح به وزير المال وهو يبرر زيادة سعر البنزين.
من هنا الحماسة لاقرار الضريبة على القيمة المضافة واستعجال "باريس - 2"، ودفع مشاريع الخصخصة الى الأمام، خوفاً من "الحل الموجع"، بينما الحل المريح هو في الاتعاظ من تجربة افغانستان والنظر في تصويب تطبيق الطائف لتأمين خروج القوات السورية وتحقيق الوفاق الوطني حول الاقتصاد والسياسة الديبلوماسية، واستعادة القرار المعبّر عن السيادة والاستقرار، و..."أفغنة" لبنان.(النهار اللبنانية)
&