قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


اقتنعت أخيرا بأن عليٌ أن أجد الشيخ زعبلاوي.
وكنت قد سمعت باسمه لأول مرة في أغنية
الدنيا ما لها يازعبلاوي شقلبوا حالها وخلوها ماوي.
وكانت أغنية ذائعة علي عهد طفولتي فخطر لي يوما أن أسأل أبي عنه كعادة الاطفال في السؤال عن كل شيء، سألته: من هو زعبلاوي يا أبي؟
فرمقني بنظرة مترددة كأنما شك في استعدادي لفهم الجواب، لكنه قال:
فلتحل بك بركته، أنه ولي صادق من أولياء الله، وشيال الهموم والمتاعب، ولولاه لمت غما..
وفي السنوات التي تلت ذلك سمعته مرات وهو يثني أطيب الثناء علي الولي الطيب وكراماته.
وجرت الأيام فصادفتني أدواء كثيرة، وكنت أجد لكل داء دواءه بلا عناء وبنفقات في حدود الامكان، حتي أصابني الداء الذي لادواء له عند أحد، وسدت في وجهي السبل وطوقني اليأس، فخطر ببالي ما سمعته علي عهد طفولتي، وتساءلت لم لا أبحث عن الشيخ زعبلاوي؟!.. وذكرت أن أبي قال انه عرفه في بيت الشيخ قمر بخان جعفر، وهو شيخ من رجال الدين المشتغلين بالمحاماة الشرعية، فقصدت بيته، وأردت التأكد من انه مازال يقيم فيه فسألت بياع فول أسفل البيت، فنظر الرجل إليٌ باستغراب وقال:
الشيخ قمر! ترك الحي من عهد بعيد، ويقال انه يقيم اليوم بجاردن سيتي، وان مكتبه بميدان الأزهار..
واستدللت علي عنوان مكتبه بدفتر التليفون، وذهبت اليه من توي في عمارة الغرفة التجارية. واستأذنت، ثم دخلت الحجرة علي اثر خروج سيدة حسناء منها اسكرتني برائحة زكية كالسحر المخدر. استقبلني باسما، وأشار إلي بالجلوس فجلست علي مقعد جلدي فاخر، واحست قدماي رغم غلظ النعل بغزارة السجادة ونفاستها وكان الرجل يرتدي البدلة العصرية ويدخن السيجار، ويجلس جلسة المعتد بنفسه وماله، وينظر إلي بترحاب حار لم أشك معه في أنه يظنني زبونا، فركبني الحرج والضيق لتطفلي علي وقته الثمين، قال يستحثني علي الكلام
أهلا وسهلا!
فقلت لأضع حدا لموقفي الحرج.
أنا ابن صديقك القديم الشيخ علي التطاوي!
فمرت بنظرته رنوة فتور، لاالفتور كله لانه لم يفقد الامل كله وقال:
الله يرحمه، كان رجلا طيبا.
فتشجعت علي البقاء بقوة الألم الذي ساقني إلي المجيء وقلت:
كان حدثني عن ولي طيب يدعي زعبلاوي قابله عند فضيلتكم، اني ياسيدي أريده إن كان لايزال علي قيد الحياة.
استقر الفتور في العينين. ولم أكن لأدهش لو طردني أنا وذكري أبي معا، وقال بلهجة من صمم علي انهاء الحديث.
كان ذلك في الزمان الاول، وما اكاد اذكره اليوم.. فقمت لأطمئنه الي اعتزامي الذهاب وأنا أسأله:
أكان وليا حقا؟
كنا نراه معجزة.
فسألته وأنا أتحرك لازيد من طمأنينته:
وأين يمكن أن أجده اليوم؟
مدي علمي أنه كان يقيم بربع البرجاوي بالأزهر.. وأكب علي أوراق علي مكتبه بحركة قاطعة بأنه لن يفتح فاه مرة أخري فحنيت رأسي شكرا واعتذرت عن ازعاجه مرات، وغادرت مكتبه وأنا لا أسمع للدنيا صوتا من وش الخجل في رأسي.
وذهبت إلي ربع البرجاوي الذي يقوم في حي مأهول لحد الاكتظاظ فوجدته قد تآكل من القدم حتي لم يبق منه الا واجهة اثرية وحوش استعمل رغم الحراسة الاسمية مزبلة. وكان له مدخل مسقوف اتخذه رجل محلا لبيع الكتب القديمة من دينية وصوفية، وكان قميئا ضئيلا كأنه مقدمة رجل، فلما سألته عن زعبلاوي نظر إليٌ بعينين ملتهبتين ضيقتين وقال باستغراب.
زعبلاوي: ياسلام!، والله زمان، كان يقيم في هذا الربع حقا عندما كان صالحا للاقامة، وكان يجلس عندي كثيرا فيحدثني عن الايام الخالية، واتبرك بنفحاته ولكن أين زعبلاوي اليوم؟!
وهز كتفيه في أسي، وسرعان ما تركني لزبون قادم ورحت أسأل أصحاب الدكاكين المنتشرة في الحي، فاتضح لي ان عددا وافرا منهم لم يسمع عنه، وآخرين تحسروا علي ايامه الحلوة وان جهلوا مكانه والبعض سخر منه بلا حيطة ونعتوه بالدجل ونصحوني ان اعرض نفسي علي دكتور كأنني لم أفعلٍ ولم أجد بدا من العودة إلي بيتي يائسا.
ومضت الايام مثل عكارة الجو، واشتد بي الالم، فأيقنت بأنني لن أصبر علي هذه الحال طويلا، وعدت اتساءل عن زعبلاوي وأتعلق بالآمال التي بعثها اسمه القديم في نفسي. عند ذلك خطرت لي فكرة وهي أن أقصد شيخ حارة الحي، والحق أني عجبت كيف لم أفكر في هذا من أول الامر، وكان مكتبه عبارة عن دكان صغير غير أن به مكتبا وتليفونا، وكان يجلس الي مكتبه مرتديا جاكتة فوق جلباب مقلم، ولم يقطع دخولي حديثه مع رجل يجلس إلي جانبه، فوقفت انتظر حتي انصرف الرجل ثم نظر إلي ببرود، فقلت افض مغاليقه بالقواعد المتبعة فسرعان ما جرت البشاشة في وجهه، ودعاني إلي الجلوس وهو يسألني عن مطلبي،
فقلت:
اني في حاجة الي الشيخ زعبلاوي..
فرمقني بدهشة كما رمقني السابقون من قبل وابتسم عن اسنان مذهبة وهو يقول:
علي أي حال فهو حي لم يمت، ولكن لا مسكن له وهذا هو الخازوق، ربما صادفته وأنت خارج من هنا علي غير ميعاد، وربما قضيت الايام والشهور بحثا عنه دون جدوي.
حتي أنت لاتستطيع أن تجده!
حتي أنا! انه رجل يحير العقول ولكن أحمد ربنا علي أنه مازال حيا..
ونظر إلي مليا ثم تمتم:
الظاهر ان حالتك شديدة..
جدا..
كان الله في عونك.. لكن لم لا نستعين بالعقل؟
وبسط ورقة علي المكتب ومضي يخطط عليها بسرعة ومهارة غير متوقعتين حتي رسم للحي خريطة شاملة احياءه وحواريه وازقته وميادينه. نظر اليها بإعجاب ثم قال:
هذه مساكن، وهنا حي العطارين، وحي النحاسين، خان الخليلي، القسم والمطافيء الرسم خير مرشد وخد بالك من المقاهي وحلقات الذكر والمساجد والزوايا والباب الاخضر فقد يندس بين الشحاذين فلا يميز منهم أنا في الواقع لم أره من سنوات وشغلتني عنه شواغل الدنيا، وقد أعادني سؤالك عنه إلي أجمل عهود الشباب..
وجعلت انظر في الخريطة بحيرة. ودق جرس التليفون فرفع السماعة وهو يقول لي بأريحية:
خذها، ونحن في خدمتك..
غادرته وأنا أطوي الخريطة، ورحت أقطع الحي، من ميدان إلي شارع الي عطفة، وأنا أسأل من آنس فيه الماما بالمكان، حتي قال لي كواء بلدي:
اذهب الي حسنين الخطاط بأم الغلام فانه كان صديقه..
وذهبت إلي أم الغلام وجدت عم حسنين يعمل في دكان ضيق عميق الطول مليء باللوحات وحقاق الالوان، وتنبعث من اركانه رائحة غريبة هي خليط من رائحة الغراء والعطر وكان عم حسنين متربعا فوق فروة أمام لوحة مسنودة الي الجدار قد نقش في وسطها باللون الفضي اسم الله.. وكان مكبا علي زخرفة الحروف بعناية تستحق الاحترام فوقفت وراءه متحرجا من ازعاجه أو قطع فيض الالهام عن يده المنسجمة في ملكوته، وطال انتظاري واذا به يتساءل في لطف بلدي:
نعم..
أدركت انه كان علي علم بوجودي فعرفته بنفسي وقلت:
قيل لي إن الشيخ زعبلاوي صديقك وأنا أبحث عنه.. كفت يده عن العمل وتفحصني متعجبا ثم قال بنبرة تنهدية:
زعبلاوي! ياسبحان الله!
فتساءلت بلهفة:
هو صديقك، أليس كذلك؟
كان يا ما كان، الرجل اللغز! يقبل عليك حتي يظنوه قريبك، ويختفي فكأنه ما كان، لكن لا لوم علي الاولياء.
أنطفأ الامل كما ينطفيء المصباح بغتة لانقطاع التيار، وقال الرجل:
لازمني عهدا حتي خلت انني أرسمه فيما ارسم ولكن أين هو اليوم؟
لعله مازال حيا..
هو حي بلا ريب، وكان له ذوق لايعلي عليه، وبفضله صنعت أجمل لوحاتي.
فقلت بصوت يكاد يطمسه رماد الامل:
يعلم الله انني في مسيس الحاجة اليه وأنت أدري بالمتاعب التي يقصد من أجلها!
نعم.. نعم. شفاك الله، والحق انه رجل كما يقال عنه واكثر.
ثم وهو يبتسم مشرقا:
وفي وجهه جمال لايمكن ان ينسي، ولكن أين هو؟!
واقتلعت قدمي وأنا أصافحه ثم ذهبت. ومضيت أشرق في الحي وأغرب سائلا عنه من أنس فيه طول عمر أو خبرة حتي أخبرني بياع ترمس بانه قابله في بيت الشيخ جاد الملحن المعروف منذ زمن وجيز.. وذهبت إلي بيت الموسيقار التمبكشية ووجدته في حجرة بلد، انيقة، تتردد في جنباتها انفاس التاريخ، وكان يجلس علي كنبة وعوده الشهير منطرح الي جانبه منطويا علي أجمل انغام عصرنا، علي حين ورد من الداخل صوت هاون ولغط صغار، وحالما سلمت وقدمت نفسي اشعرني بحلاوة استقباله وانطلاقه علي سجيته بأنني في بيتي. ولم يسألني عما جاء بي سواء بالكلام أو الاشارة ولم أشعر بأنه يداري السؤال أو يضمره حتي عجبت للطفه وانسانيته، وقلت مستبشرا خيرا:
ياشيخ جاد، أنا من عشاق فنك، طالما طربت له في افواه المطربات والمطربين.
فقال باسما:
تشكر..
فقلت في حياء.
لامؤاخذة علي ازعاجك، قيل لي إن زعبلاوي صديقك وأنا في أشد الحاجة اليه..
فقطب في اهتمام وقال:
زعبلاوي! أنت في حاجة اليه؟ الله معك، تري أين أنت يا زعبلاوي؟
فتساءلت في لهفة:
ألا يزورك؟
زارني منذ مدة، قد يحضر الآن، وقد لا أراه حتي الموت!
فتنهدت بصوت مسموع وتساءلت:
لم كان كذلك؟
فتناول العود وهو يضحك وقال:
هكذا الأولياء والا ما كانوا أولياء!
ويتعذب عذابي من يريدهم؟
هذا العذاب من ضمن العلاج!
وأمسك بالريشة وراح يعابث الاوتار فينطقها نغمات عذبة فتابعته شارد اللب ثم قلت وكأنني أخاطب نفسي:
اذن ضاعت زيارتي سدي!
فابتسم وهو يلصق خده بجنب العود، وقال:
الله يسامحك، أيقال هذا عن زيارة عرفتني بك وعرفتك بي!
فخجلت أيما خجل وقلت معتذرا:
لاتؤاخذني، اخرجني شعور الخيبة عن حدود الادب.
لاتستسلم للخيبة، هذا الرجل العجيب يتعب كل من يريده، كان أمره سهلا في الزمان القديم عندما كان يقيم في مكان معروف، اليوم الدنيا تغيرت وبعد ان كان يتمتع بمكانة لايحظي بها الحكام بات البوليس يطارده بتهمة الدجل، فلم يعد الوصول اليه بالشيء اليسير، ولكن أصبر وثق بأنك ستصل..
ورفع رأسه عن العود، وانتظم العزف حتي صار مقدمة موسيقية واضحة، واذا به يغني:
أدر ذكر من أهوي ولو بملامي
فان أحاديث الحبيب مدامي
وعلي جمال اللحن والغناء تابعته بقلب غافل مكدود، ولما فرغ من الاداء قال:
لحنت هذه القصيدة في ليلة واحدة، واذكر انها كانت ليلة عيد الفطر، وكان هو ضيفي طوالها وهو الذي اختار لي القصيدة، وكان يجلس حينا بمجلسك هذا، وحينا يلاعب أولادي وكأنه احدهم، وكلما غلبني الفتور او استعصي علي الالهام لكمني مداعبا في صدري وضاحكني فيجيش قلبي بالنغم وأواصل العمل حتي اكتمل لي أجمل لحن صنعته، فتساءلت في دهش:
أله في الطرب؟
هو الطرب نفسه، وصوته عند الكلام جميل جدا، ما ان تسمعه حتي ترغب في الغناء، وتهيج اريحية الخلق في صدرك..
وكيف يشفي من المتاعب التي يعجز عنها البشر؟
هذا سره، ولعلك تظفر به عند اللقاء..
لكن متي يجيء اللقا؟! ولذنا بالصمت فعادت ضوضاء الصغار تملأ الحجرة. ومضي الشيخ في الغناء مرة أخري وجعل يردد 'ولي ذكرها' في الوان من طبقات النغم ومحاسنه حتي رقصت الجدران من سكرة الطرب. وأعربت عن اعجابي بكل جوارحي فشكرني بابتسامته العذبة، ثم قمت مستأذنا فأوصلني الي الباب الخارجي، وعندما صافحته قال لي:
سمعت انه يتردد هذه الايام علي الحاج ونس الدمنهوري، الا تعرفه؟
فهززت رأسي بالنفي، وانتفاضة أمل جديد تدب في قلبي فقال:
هو من الوارثين، ويزور القاهرة من حين لآخر فينزل في فندق ما، ولكنه يسهر كل ليلة في حانة النجمة بشارع الألفي..
وانتظرت الليل ثم ذهبت إلي حانة النجمة.. سألت نادلا عن الحاج ونس فأشار الي ركن شبه منعزل لموقعه وراء عامود مربع ضخم تقوم بأضلعه المرايا في كل جانب، وهناك رأيت رجلا يجلس الي مائدة وحيدا، وأمامه فوق المائدة زجاجة فارغة الي ثلثها، وأخري فارغة تماما، وعدا ذلك لايوجد شيء من مزة أو طعام فأيقنت انني حيال سكير خطير وكان يرتدي جلبابا فضفاضا حريريا وعمامة مقلوظة ويمد ساقيه حتي أصل العامود ناظرا الي المرآة في ارتياح وانسجام وقد توردت صفحة وجهه المستدير الوسيم رغم دنوه من الشيخوخة بحمرة الخمر. اقتربت منه في خفة حتي توقفت علي مبعدة ذراعين من مجلسه ولكنه لم يلتفت نحوي ولم يبد عليه انه شعر بوجودي، فقلت برقة مترددة:
مساء الخير ياسيد ونس، فالتفت نحوي بشدة كأنما أيقظه صوتي من سبات، وحدجني بنظرة انكار فقدمت اليه شخصي معتذرا عن ازعاجه وهممت بتوضيح السبب الذي جاء بي اليه لكنه قاطعني قائلا بلهجة شبه آمرة وان لم تخل من لطف عجيب:
تفضل بالجلوس أولا واسكر ثانيا!
ففتحت فمي لاعتذر لكنه وضع أصبعيه في اذنيه وقال:
ولا كلمة حتي تفعل ما قلت..
ادركت انني حيال سكران ذي نزوات فقلت اسايره حتي منتصف الطريق فجلست وابتسمت وقلت:
أرجو أن تسمح لي بسؤال واحد..
لم يرفع أصبعيه من اذنيه، وأشار إلي الزجاجة وقال:
في مجلس كمجلسي هذا لا أسمح بأن يتصل بيني وبين أحد كلام ان لم يكن سكران مثلي، والا خلا المجلس من اللياقة وتعذر فيه التفاهم.
افهمته بالاشارة أنني لا أشرب فقال بقلة اكتراث:
هذا شأنك وهذا شرطي.
وملأ لي كوبه، فتناولته في رضوخ وشربته، وما أن استقر في جوفي حتي اشتعل فصبرت عليه حتي الفت عنفه وقلت:
انه لشديد، وأظن أن لي أن أسألك عن.. لكنه أعاد أصبعيه إلي أذنيه وقال..
لن أصغي لك حتي تسكر..
وملأ الثاني فنظرت اليه مترددا، ثم تغلبت علي احتجاجي الباطني وشربته دفعة واحدة ما ان استقر في موضعه حتي فقدت إرادتي وعلي أثر الثالث ضاعت ذاكرتي، وعقب الرابع اختفي المستقبل ودار بي كل شيء ونسيت ما جئت من أجله لا أقبل علي الرجل مصغيا ولكني رأيته محض مساحات لونية لامعني لها وهكذا كل شيء بدأ ومر وقت لم أدره حتي مال رأسي إلي مسند الكرسي وغبت في نوم عميق، وفي اثناء نومي حلمت حلما جميلا لم أحلم بمثله من قبل حلمت بأنني في حديقة لاحدود لها تنتشر في جنباتها الاشجار بوفرة سخية فلاتري السماء الا كالكواكب خلال اغصانها المتعانقة ويكتنفها جو كالغروب أو كالغيم.. وكنت في غاية من الارتياح والطرب والهنا.. وجوقة من التغريد والهديل والزقزقة تعزف في اذني، وثمة توافق عجيب بيني وبين نفسي، وبيننا وبين الدنيا فكل شيء حيث ينبغي أن يكون بلا تنافر أو اساءة أو شذوذ، وليس في الدنيا كلها داع واحد للكلام او الحركة، ونشوة طرب يضج بها الكون ولم يدم ذلك الا فترة قصيرة فتحت بعدها عيني اخذ الوعي يلطمني كقبضة شرطي، ورأيت ونس الدمنهوري ينظر إلي باشفاق ولم يكن بقي في الحانه الا بضعة اشخاص كالنيام وقال الرجل:
نمت نوما عميقا لاشك انك جائع نوم..
فأسندت رأسي الثقيل الي راحتي ولكنني رددتها في دهشة ونظرت فيها فرأيتها تلمع بقطرات ماء، وقلت محتجا:
رأسي مبتل!
فقال بهدوء.
نعم، حاول صاحبي أن ينبهك..
أرآني أحد علي هذا الحال؟!
لاتغتم، انه رجل طيب، ألم تسمع عن الشيخ زعبلاوي؟
فانتفضت قائما وانا اهتف:
زعبلاوي!
فقال بدهشة:
نعم، مالك؟!
أين هو؟
لا أدري أين هو الآن، كان هنا ثم ذهب..
همست بالجري ولكن إعيائي كان فوق ما قدرت فما لبثت ان تهاويت فوق الكرسي وصحت بيأس:
ما جئتك الا لأقاه، ساعدني علي اللحاق به أو أرسل احدا في طلبه..
فدعا الرجل بائع جمبري وأمره بالبحث عن الشيخ واحضاره. ثم التفت إلي قائلا:
لم أكن أدري أنك مصاب، آسف جدا.
فقلت بغيظ:
لم تدعني أتكلم.
ياخسارة! كان يجلس علي هذا الكرسي إلي جانبك، وكان يتغزل طيلة الوقت بعقد من الياسمين حول عنقه اهداه اليه أحد المحبين، ثم عطف عليك فراح يبلل رأسك بالماء لعلك تفيق.
فسألته وعيناي لاتفارقان الباب الذي ذهب منه بائع الجنبري:
هل يقابلك هنا كل ليلة؟
كان معي الليل، وليلة أمس، ولم اكن رأيته منذ شهر!
فقلت وأنا أتنهد:
لعله يأتي غدا..
لعله..
أنا علي استعداد لاعطيه ما يريد من نقود..
فاق ونس باشفاق
العجيب انه لاتغريه المغريات ولكنه سيشفيك اذا قابلته..
بلا مقابل؟
بمجرد أن يشعر بأنك تحبه..
وعاد بائع الجمبري بالخيبة، وكنت قد استعدت بعض نشاطي فغادرت الحانة وأنا اترنح. وعند كل منعطف ناديت.
"يازعبلاوي" لعل وعسي ولكن لم يفدني النداء ولفت الي غلمان السبيل فتطلعوا نحوي بأعين هازئة حتي لذت بأول عربة صادفتني..
وساهرت ونس الدمنهوري الليلة التالية حتي الفجر ولكن الشيخ لم يحضر. وأخبرني ونس بأنه سيسافر الي البلد وبأنه لن يعود الي القاهرة حتي يبيع القطن. وقلت علي ان انتظر وان أروض نفسي علي الصبر، وحسبي اني تأكدت من وجود زعبلاوي، بل ومن عطفه علي مما يبشر باستعداده لمداواتي اذا تم اللقاء.. ولكنني كنت أضيق أحيانا بطول الانتظار فيساورني اليأس وأحاول اقناع نفسي بصرف النظر نهائيا عن التفكير فيه. كم من متعبين في هذه الحياة لايعرفونه او يعتبرونه خرافة من الخرافات فلم أعذب النفس به علي هذا النحو؟
ولكن ما ان تلح علٌي الالام حتي أعود الي التفكير فيه وانا اتساءل متي أفوز باللقاء ولم يثنني عن موقفي انقطاع اخبار ونس عني وما قيل عن سفره الي الخارج للاقامة، فالحق أنني اقتنعت تماما بأن علي أن أجد زعبلاوي نعم، عليٌ ان أجد زعبلاوي .