قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بعد موضوع الارهاب، عادت اللاسامية والعرب الي الواجهة. يعيدها صهاينة متحمسون وصل بهم الأمر الي اتهام السوريالي أندريه بروتون باللاسامية لأنه أحب الشرق . يعيدها أصحاب فتاوي مسلمون لا يكفون عن تبرير قتل اليهود. يعيدها إعلاميون عرب يتولون توجيه الرأي العام في بلدانهم.
هكذا، ومرة أخري، ينحرف التركيز عن معاناة الشعب الفلسطيني الي العداء العربي لليهود !
هذا لا يعني عدم وجود لاسامية عربية. الفرح بروجيه غارودي وأمثاله. الكتابات. الخطابات. التصريحات. التلفزيونات. تقول انها موجودة وقوية، بل خطيرة ينبغي مكافحتها. مع هذا يبقي مطلوباً أن نعرف طبيعتها وحدودها: فهي ليست كلاسامية المسيحية الأوروبية. الأسباب كثيرة:
- موضوع اللاسامية العربية ليس الخرافات والأساطير (صلب المسيح وفطيرة الدم وتسميم الآبار)، بل النزاع الفعلي علي أرض فلسطين.
- التراث المحمدي، علي عكس التراث المسيحي، لا يتعامل بمرارة واحتقان مع اليهود. فمحمد انتصر علي القبائل اليهودية الثلاث في شبه الجزيرة: قريضة وقينقاع والنضير، ولم يقتله اليهود (بحسب الرواية المسيحية عن المسيح). لذلك نجح الاسلام المستنير في تجاوز الإشكال اليهودي - الاسلامي. فحين سئل محمد عبده قال ان اللعنة جائزة علي الذين قاتلوا الرسول لكن هؤلاء زالوا، وانتهي الأمر.
- اللاسامية في أوروبا كانت عقيدة شعبية تصعد من تحت الي فوق. عندنا، كثيراً ما تهبط من الحكام، المأزومين أو المتخلفين أو الاثنين معاً، الي تحت.
- وهي عندنا كثيراً ما تلتبس مع المشاعر والولاءات العصبية لعالم مفتّت (سنة، شيعة، مسيحيون، أكراد، بربر الخ.).
أما اذا كان المقصود التذكير بالنازية، كأعلي محطات اللاسامية وأكثرها وحشية، فالفوارق أكثر من أن تُحصي: العرب اللاساميون افتقروا الي الحداثة الأداتية التي امتلكتها النازية. افتقروا الي التنظيم النازي. افتقروا الي التماسك الايديولوجي العرقي للاسامية الأوروبية. صحيح أنهم يتشاركون أحياناً مع الرعاع الغربي في ترداد البذاءات العنصرية (التي ترجمها الأصوليون والقوميون السوريون بركاكة عن أدبيات اللاسامية الأوروبية)، لكنهم لا يتشاركون في انتاج نظريات عرقية وصياغتها. الشبه ربما كان أقوي بين صغار النازيين وصغار الأصوليين لجهة صدورهم عن الاحتقان والرثاثة الاجتماعية. أما في الشقّ الإيديولوجي، وفي المراتب القيادية، وفي الاحتمالات السياسية، فالشبه معدوم.
بكلمة: لاساميتنا عديمة الثقافة كلية البلاهة، حتي حين ينطق بها أصحاب أسماء سياسية وصحافية لامعة. هنا يفعل فعله ضعف الحساسية حيال العنصرية في تجربتنا التاريخية وضعف الادراك بها تالياً (حتي في ديربان، ارتكبنا خطأ الصاق تهمة العنصرية بالباحث عن ملجأ. خلطنا بين سياسات واجراءات عنصرية اسرائيلية وبين عنصرية الصهيونية). كذلك يفعل فعله الجهل بالمعني الحرفي: نقص التعليم. عدم التمييز بين السوية الحديثة للكتابة الصحافية والسياسية وسوية الخواطر التأملية (ننظر من الشباك. نصاب بالضجر. نريد أن نكتب. نتضامن مع الشعب الفلسطيني. نلعن اليهود... ثم نغطّ في نوم عميق). حين يكون المعني بالأمر صحافياً في بلد أُممت صحافته، ينضاف الي الجهل عدم التعوّد علي الحرية، والطريقة التي تبدو سهلة في إرضاء الحاكم.
فوق هذا، هناك الجهل الآخر الناتج عن الهجرة والتهجير اللذين أصابا اليهود العرب: اللاسامية باتت، في ما عدا فلسطين، نتاج عدم الاحتكاك المطلق بهم. وهي تزداد خبثاً حين تترافق مع التنكّر لمساعدة الفلسطينيين، والاكتفاء بشتم اليهود بديلاً عن تقديم تلك المساعدة، انسانيةً كانت أم سياسية.
نقطة أخيرة ينبغي أن ينتبه اليها الاسرائيليون: اللاسامية الأخطر هي التي تنتجها إطالة الاحتلال، وتجذّر القسوة والقسوة المضادة في علاقات الشعبين. هذه اللاسامية التي تنمو بين الفلسطينيين يمكن ان تزعم لنفسها المعرفة باليهودي، علي عكس حال اللاسامي المصري أو اللبناني أو السعودي. وكونها معرفةً مأوّلةً خطأً لا يلغي خطورتها وضرورة العمل علي تفاديها... اليوم قبل الغد.(الحياة اللندنية)