قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تحقيق : ضحى خالد
المظاهر الجميلة في الاحتفال بعيد الفطر المبارك في مصر لم تقتصر علي ما يحدث في وقتنا الحاضر ولكنها ظهرت وتطورت فوق أرض المحروسة طوال‏14‏ قرنا من الزمان وبلغت ذروتها في عهد الأخشيديين والفاطميين والمماليك والأيوبيين الذين حاولوا إضفاء مزيد من البهجة والسرور والفرح علي العيد لزيادة إحساس الناس به حتي أنهم أنشأوا دورا خاصة بالعيد وارتبط عملها بفترة العيد مثل دار الفطرة لصناعة كعك العيد لتوزيعه علي الفقراء والمستخدمين والجند‏,‏ وكانت توضع بالكعك أثناء صناعته بعض الدنانير من الذهب والفضة لتوزيعه علي الأطفال كعيدية لهم‏,‏ كما أنشئت دور لصناعة ملابس العيد تسمي دور الطرز وكانت توضع الملابس القادمة منها في خزانة كبيرة تسمي خزانة الكسوة تفتح للتوزيع ليلة العيد علي مقرئي القرآن والمؤذنين ومنشدي الطرق الصوفية والأطفال والفقراء‏,‏ بالإضافة إلي قاعات لطعام العيد تمتلئ بكميات ضخمة من السماط وهو عبارة عن أنواع مختلفة من الكعك والحلوي والمأكولات توضع داخل القاعة علي موائد وأوان من الفضة ومفارش من الحرير وتقدم للضيوف والمهنئين بالعيد كما كانت تغطي منابر المساجد بطراحة طويلة من الحرير الدبيقي‏.‏
سرور وفرح
ويقول محمد صلاح الدين عبدالسلام مدير عام الآثار الإسلامية بوسط الدلتا إن القاسم المشترك لمظاهر العيد في مصر منذ بداية الفتح الإسلامي حتي الآن الذي وحده المؤرخون هو ارتداء الملابس الجديدة وصناعة الكعك والعيدية التي تهدي للأطفال ويؤكدون أنها من أفضل أيام السنة التي يعيشها المجتمع المصري حيث تمتلئ البيوت وتعمر بالزائرين للتهنئة مما يدخل البهجة والسرور والفرح علي النفوس ويزيد من الانسجام العائلي والاجتماعي‏,‏ ويحدث بسببها الارتباط والزواج بين عدد كبير من الشباب والفتيات بسبب زيارات أيام العيد‏.‏
احتفالات قاعة الذهب
وأضاف أنه عندما أتي الفاطميون إلي مصر كان عيد الفطر عندهم هو الموسم الكبير وأطلقوا عليه عيد الحلل أي الملابس الجديدة ومازلنا نتوارث هذه العادة حتي يومنا‏,‏ وكان الخلفاء والأمراء يوزعون قصيص العيد وهي عبارة عن ثياب قيمة من نسيج دور الطرز علي جميع المواطنين خاصة الفقراء والمحتاجين وفي أيام العيد بجلس المقرئون والمؤذنون عند المكان المعد لجلوس الخليفة وبعد قراءة القرآن والأدعية الصوفية يقوم بنشر العيدية عليهم من دراهم ودنانير ويمد لهم السماط في قاعة الذهب والعرش ليأكل منه جميع الزائرين والقادمين من الأقاليم وكان للصلاة في العيد وضع خاص عندهم حيث يقام مصلي ضخم خارج باب النصر محاطة بسور وعلي بابها قلعة وتتصدرها قبة كبيرة بها محراب ومنبر ويوضع علي ذروة المنير طراحة من الحرير الدبيقي صنعت في دبيق وهي بلدة تتبع دمياط ويفرش درج المنبر أيضا بالحرير الدبيقي‏.‏
دنانير ذهبية
ويقول محمد صلاح الدين مدير الآثار الإسلامية بوسط الدلتا إن أهم ما حرص الفاطميون علي تأكيده واستمراره خلال العيد هو استمرار العيدية التي كانت توضع في صورة دنانير داخل الكعك وتقدم الكعكة المحشوة بالدنانير للطفل أو الزائر وتكون بمثابة العيدية وتطور الوضع الآن وأصبح يوضع داخل الكعكة أنواع من المربات والطريف أن الوزير الأخشيدي أبي بكر محمد بن علي المادرائي كان يحشو الكعك بالدنانير الذهبية ومن أشهر دور الكعك في الدولة الأيوبية كعك حافظة حيث كانت دور الكعك تلقب باسم صانعها واكتسبت السيدة حافظة شهرة واسعة لإتقانها صناعة كعك العيد‏.‏
وأضاف أن التاريخ المصري القديم يذكر أنه من أجمل مظاهر التكافل الاجتماعي في مصر خلال فترة العيد هو توزيع الكعك علي الأسر بعضها البعض وتفاخرهم بصناعته‏,‏ وأيضا توزيعه علي الفقراء حتي لا يحرموا منه‏,‏ ومن الطرائف أن وقفية الأميرة تتره الحجازية تنص علي توزيع الكعك الناعم والخشن علي موظفين مدرستها التي أنشأتها سنة‏748‏ هجرية‏.‏
كعكة قايتباي
وقال إن أهم مظاهر العيد في الدولة المملوكية هو إقامة الأمراء والأعيان حفلات الاستقبال في ميدان القلعة لتناول وتوزيع الكعك ومن أشهر من صنعت لهم كعكات ضخمة في العيد السلطان المؤيد والسلطان قايتباي ليأكلوا منها مع الحاضرين كدليل علي مشاركتهم للمواطنين فرحتهم بالعيد‏,‏ وانتشر توزيع العيدية داخل الكعك علي نطاق واسع في العصرين المملوكي والعثماني حيث كان يوزع في التكايا والقصور والخانات والمدارس والمساجد والأسبلة مغطي بالمفارش والمناديل الحريرية والصور ويذكر الرحالة ابن بطوطة أنه عندما زار الشيخ محمد عبدالله الرشدي بخلوته بمطوبس بكفر الشيخ أعطاه الشيخ بعض الكعك أثناء مغادرته له ويحتفظ متحف الفن الإسلامي بالقاهرة ببعض القوالب التي كان يصنع بها الكعك حيث كان يكتب عليها بعض الحروف والأسماء والكلمات فيظهر الكعكة وعليه عبارات كل هنيا‏,‏ كل واشكر الله‏,‏ بالشكر تدوم النعم‏.‏
تهاني الإنترنت
وأضاف أنه منذ بداية القرن الثاني عشر الهجري في مصر بدأت تقدم أصنافا جديدة في العيد بجوار الكعك والحلوي مثل التمر والفول السوداني والترمس والحلبة المنبتة وإعلانه وظهرت بطاقات التهاني وأصبح الآن يتميز بجوار هذا كله بالسهر والفسح والرحلات ورحيل الأسر لزيارة أصولها العائلية بالقري والصعيد وهو ما يضفي نوعا من صلة الرحم التي نفتقدها طوال العام ومع ثورة الاتصالات والمواصلات زادت عناصر الترفيه ومشاهدة أفضل الأفلام والمسرحيات وإرسال تلغرافات ورسائل التهاني الإلكترونية عبر الإنترنت وزيارة الأسر بالكامل للمناطق السياحية والأثرية والحدائق العامة وهو ما يدل علي أن المصريين من أفضل الشعوب وأكثرهم حساسية في التعبير عن فرحهم وسرورهم‏ .