قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

هل ينفرط عقد التأييد العربي للرئيس ياسر عرفات؟
عندي ثلاث ملاحظات في هذا الصدد أولها أنني قرأت مقالاً عن المواجهة الفلسطينية مع "المستحيل" الأميركي، كتبه الأستاذ بلال الحسن في "الشرق الأوسط" (12/10) قال فيه ان القيادة الفلسطينية لن تستطيع أن تصمد أمام ذلك المستحيل إلا إذا تلقت دعماً من جهتين، الموقف العربي، ثم وحدة الصف الفلسطيني. بعد ذلك بيومين (في 12/14) كتب رئيس تحرير "الأهرام" الاستاذ ابراهيم نافع مقالاً قال فيه ان "الوحدة الوطنية الفلسطينية سلاح فعال في مواجهة مخطط شارون"، وحصر الدور العربي في السعي لتعزيز تلك الوحدة المنشودة، والدعم المالي، ومساندة السلطة الفلسطينية في سعيها لوقف العمليات الفدائية والاستشهادية (سماها الانتحارية) داخل اسرائيل، ثم العمل على انتزاع الموافقة الدولية لارسال قوة حماية دولية للأراضي الفلسطينية.
أغلب الظن أن تتابع نشر المقالين محض مصادفة، ولكن لأن كلا من الكاتبين يعبر عن حالة سياسية، فإن التباين في أهمية الدور العربي وفي الموقف من المقاومة يلفت النظر في خطاب كل منهما، ولعلي أذهب إلى أن ذلك التباين ما كان له أن يبرز إلا إذا وضعنا في الاعتبار ملابسات التوقيت، والاشارات التي ظهرت في الساحة السياسية، موحية بأن ثمة متغيراً ما في الأجواء العربية، وهذا ينقلنا إلى الملاحظة الثانية.
فقد بثت وكالة "أنباء الشرق الأوسط" اخباراً من غزة في 12/7، نقلت فيها عن صحيفة "جيروزاليم بوست" الاسرائيلية قولها ان هناك تغييراً في الموقف العربي المؤيد لياسر عرفات. وأشارت إلى زيارة وزير الخارجية المصري أحمد ماهر إلى تل أبيب ولقائه برئيس الوزراء ارييل شارون، قائلة ان لها معنى يتناقض مع قيام مصر بسحب سفيرها من اسرائيل قبل عام مضى. ثم أضافت أن النمط الذي كان سائداً في الماضي كان يقضي بأنه كلما ازدادت هجمات المقاومة على اسرائيل، وارتفعت حدة الصراع، التف العرب حول الرئيس الفلسطيني، وأدانوا ردود الأفعال الاسرائيلية.
وأشارت الصحيفة إلى أن ذلك النمط قد تغير في الآونة الأخيرة. واستندت في ذلك إلى ما نشرته صحيفة "واشنطون بوست" في 12/6، وذكرت فيه أن بعض كبار المسؤولين العرب تجنبوا توجيه انتقاد مباشر للتصرفات الاسرائيلية التي كانت في الماضي تدفع لعقد قمة عربية طارئة، وبذل جهود أخرى للتضامن مع عرفات.
أرجعت "جيروزاليم بوست" ذلك التغيير إلى موقف بعض الأطراف العربية، أولها أن الرئيس الأمريكي جورج بوش أعلن من فوق منصة الأمم المتحدة رفضه رفضاً كاملاً تأييد أية دولة "للارهاب" ضد أي أحد في أي مكان وهو ما يمثل تحولاً جذرياً عن ترحيبه ببيان شديد صادر عن قمة عربية قبل ذلك بأسابيع قليلة، وثانياً أن حركة طالبان انهارت مثل بيت من الورق وهو ما أكد أن الولايات المتحدة تعني ما تقول، وثالثاً ان بوش قد تخلى عن مساواة "الارهاب" الفلسطيني بحق اسرائيل في الدفاع عن النفس(!) ورابعاً تصميم اسرائيل على اجبار عرفات على قمع "الارهاب" أو التنحي عن السلطة.
وأضافت الصحيفة قائلة انه يبدو أن عرفات لم يفهم الرسالة إلا أن الدول العربية استوعبتها وقالت انه في مواجهة التصميم الأمريكي والاسرائيلي فانه من الأفضل لعرفات أن يوقف الارهاب الآن، والدرس هنا واضح ومباشر فاذا ترددت اسرائيل في الدفاع عن نفسها وترددت الولايات المتحدة في الدفاع عن اسرائيل فان الشارع العربي يشم رائحة الدم، وتدعو الدول العربية إلى مزيد من الضغوط على اسرائيل، ولكن اذا أظهرت الولايات المتحدة واسرائيل اصراراً فإن العالم العربي يكتنفه الصمت.
وقالت الصحيفة ان التأييد الأمريكي لاسرائيل البعيد كل البعد عن ضعف التحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة يشير إلى أن الوقت قد حان لالقاء "كتاب الألعاب القديم" وممارسة ضغوط حقيقية على عرفات.
وأضافت قائلة أن عرفات ما يزال يستخدم كتاب الألعاب القديم بالسعي لكسب ود الولايات المتحدة بدون أن يحرق الجسور مع "حماس" و"الجهاد الاسلامي" فقد ألقى القبض على أكثر من مائة شخص أمس إلا أن ثمانية فقط منهم هم من الثلاثة وثلاثين "ارهابياً" الذين حددت اسرائيل أسماءهم.
وقالت الصحيفة أنه لا يكفي أن يقوم عرفات بوضع حماس في خزانة وأن يكون مستعداً لاخراجها عندما يشعر بالرغبة في ذلك فهذا يسمى منذ 11 سبتمبر "ايواء ارهابيين" وإذا ما كانت الحرب على الارهاب تعني أي شيء فانه ينبغي العقاب على هذه الجريمة بتنحيته من السلطة.
وأضافت الصحيفة قائلة انه اذا كان التحول الأمريكي الحالي غير كاف فانه يتعين على الولايات المتحدة أن تظهر تأييداً أكبر لاسرائيل وتصميماً أكبر على عزل عرفات، واعتبرت أن قرار الكونجرس الأمريكي الذي يدعو إلى قطع العلاقات بصورة كاملة مع السلطة الفلسطينية ما لم يتم تدمير البنية التحتية للارهاب يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. وينبغي أن يبلغ بوش عرفات أنه يعتزم المضي قدماً نحو تحقيق ذلك اذا لم تظهر أية نتائج سريعة.
الملاحظة الثالثة تتمثل في ما جرى بشأن الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب، لبحث تطورات الموقف في الأرض المحتلة. فازاء التصعيد الخطير الذي قامت به الحكومة الاسرائيلية، واستجابة لنداء الرئيس ياسر عرفات، تقرر عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب بالقاهرة. ثم طرحت بعد ذلك فكرة عقد مؤتمر لوزراء خارجية الدول الاسلامية في الدوحة، حيث ترأس دولة قطر دورة المنظمة هذه المرة. وفي وقت لاحق استقر الرأي على عقد الاجتماعين بالدوحة حيث يفترض أن يلتقي الوزراء هناك للمشاركة في الاجتماع الذي يعقد على المستوى الاسلامي.
ولسبب أو آخر أعلن أن اجتماع وزراء الخارجية العرب بالدوحة لن يوصف بأنه "طارئ"، واتفق على اعتباره اجتماعاً "تشاورياً"، وبالفعل جهزت احدى قاعات فندق شيراتون لهذا الغرض، وعلقت في صدر القاعدة لافتة كتب عليها الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العرب، غير أن ذلك الاجتماع بدوره لم يتم، ولم يحضر إلى الدوحة أصلاً سوى تسعة فقط من وزراء الخارجية، بينهم وزيرا خارجية فلسطين وجزر القمر. وكل ما حدث كان لقاءات أجراها عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية، في جناحه بالفندق.
إذا وضعنا تلك الشواهد جنباً إلى جنب، فربما كانت بدورها محض مصادفة ولا رابط بينها، غير أنها في الوقت ذاته قد تكون تعبيراً عن ذلك التغير الذي أشارت إليه "واشنطون بوست"، و"جيروزاليم بوست".
اذا صح ذلك الاحتمال، فالأرجح أنه ناشئ عن ضغوط أمريكية قوية واكبت التغير الملحوظ في الأداء الأمريكي، الذي بدا واضحاً فيه خمسة أمور، أولها أن واشنطون اعتبرت أن قمع الفلسطينيين في الأرض المحتلة بمثابة جزء من الحرب ضد "الارهاب"، وثانيها انها ادعت أن الممارسات الاسرائيلية ليست سوى مجرد "دفاع عن النفس"، وابتدعت بذلك مبدأ غير مسبوق في العلاقات الدولية الشرعية "حق المحتل في الدفاع عن نفسه ضد المقاومة" . الأمر الثالث انها أطلقت يد شارون لكي يفعل ما يشاء بالفلسطينيين، الأمر الرابع أنها لم تعترض على حصار الرئيس عرفات واهانته (الرئيس بوش كان قد رفض مصافحته أثناء وجوده في نيويورك أثناء حفل العشاء الذي أقامه كوفي عنان). الأمر الخامس انها اعتبرت "حماس" و"الجهاد الاسلامي" منظمتين ارهابيتين وقررت مصادرة أموالهما، بل وذهبت إلى حد مصادرة أموال بعض المنظمات الخيرية التي تقدم مساعدات لأبناء وعوائل الشهداء، وكأن المطلوب أمريكياً هو تشريد تلك العوائل وتجويعها!
لم يقف الأمر عند ذلك الحد، وانما مارست واشنطون ضغوطاً قوية على الدول الأوروبية دفعت بها إلى صف الانحياز المكشوف لاسرائيل، اذ لأول مرة، أعلن الاتحاد الأوروبي أن حماس والجهاد منظمتان ارهابيتان، وطالب الرئيس عرفات بتفكيك بنيتهما التحتية، وذلك ضمن دعوته المفاجئة إلى تفكيك ما سماه ب"شبكات الارهاب ووقف الانتفاضة المسلحة".
ورغم أنه لم يعلن عن أن الاتحاد الأوروبي غير موقفه المتوازن نسبياً والأقل اندفاعاً في تأييد اسرائيل من الموقف الأمريكي، بناء على طلب أو ضغط من واشنطون، إلا أن كل التحليلات التي تناولت الموضوع اتفقت على مركزية دور واشنطون في إحداث ذلك التغيير.
والأمر كذلك، فلا غرابة في أن تمارس واشنطون ضغوطاً قوية مماثلة على العواصم العربية في الاتجاه ذاته. ذلك انها اذا كانت قد حرصت على تغيير الموقف الأوروبي وتعبئته ضد حق الفلسطينيين في المقاومة، فمن المفهوم أن يستمر السعي على الجبهة العربية الأقرب إلى الساحة الفلسطينية، التي تعد جزءاً منها. ولذلك فليس من قبيل المفاجآت أن تكثف واشنطون جهودها على تلك الجبهة في سعيها اللاهث لدعم الموقف الاسرائيلي.
إذا سلمنا بصحة تلك التحليلات فانها تعود بنا إلى تصور قائم للمستقبل، يفرض فيه شارون سلامه "الروماني" على الفلسطينيين والعرب، الذي لن يكون إلا فصلاً جديداً من المسلسل الدموي الذي تشهده المنطقة، ببساطة لأن نجاح المشروع الشاروني يفترض أنه من السهل اذعان الطرف الفلسطيني وكسر ارادته، وهو ما لم يحدث خلال المائة سنة الأخيرة، رغم كل ما تخللها من هزائم وانتكاسات.
أما ما الذي يمكن أن يحدث على الساحة العربية اذا حدثت الاستجابة لما يريده الأمريكان، فاجابة السؤال بأن الاحتمالات كثيرة، تدور كلها في دائرة عدم الاستقرار، لأن الذين يزرعون الخصوم لن يحصدوا سوى المر.(الشرق الأوسط اللندنية)