قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


لست ضد الفلسطينيين.. إنما أنا غاضب على ياسر عرفات لأنه ضيع أفضل فرصة أتيحت له
&
لندن - أبرهة زرسناي: توماس فريدمان هو من الكتاب الصحافيين المعروفين في الولايات المتحدة، وتنبع شهرته من عموده اليومي الذي يكتبه في صحيفة نيويورك تايمز . وغالبا ما تثير كتابات فريدمان الجدل، ذلك انها تتعلق بالعالم العربي والشرق الاوسط، ومسائل الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وله اهتمامات صحافية وبحثية في اثار العولمة وتداعياتها، وقد اصدر في هذا الاتجاه ليكسس وشجرة الزيتون ، ومن بيروت للقدس.
ففريدمان مراقب ومحلل لشؤون الشرق الاوسط، وعمل مراسلا لصحيفته في بيروت مدة خمسة اعوام، كما عمل مراسلا صحافيا لاسرائيل. واشتهر فريدمان في فترة رئاسة الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون بكتابته رسائل باسم الرئيس الامريكي موجهة لقادة العالم العربي.
وقد اثارت رسالته التي وجهها للرئيس المصري حسني مبارك جدلا كبيرا. وفي الغالب تعكس الرسائل وجهة النظر الامريكية، وفي احيان اخري تعتبر مؤشرا عن تحركات الادارة الامريكية تجاه القضايا الشرق اوسطية.
فريدمان في الاوساط الصحافية والعربية وحتي المطلعين علي ارائه من القراء العرب، يصنف او هكذا الانطباع عنه انه من جملة لوبي صحافي امريكي، يدافع عن المصالح الاسرائيلية في امريكا، وينتقد العالم العربي والاسلامي. ويتهمه البعض بالتركيز علي سلبيات السياسة العربية.
وفي اللقاء الذي اجرته القدس العربي معه عبر الهاتف، دافع فريدمان عن نفسه، وقدم تفسيرات ثقافية لارائه، ولكنه تمسك برأيه ان المثقفين العرب هم اداة في يد السلطات الذين تشتريهم، كما قال ان الهجمات علي امريكا تطرح اسئلة كثيرة ذات طابع ثقافي حول من نحن ومن هم، اي اسئلة ترتبط بالحداثة وغيابها في العالم العربي. ويقول فريدمان ان ما يشغله اليوم هو حرب الافكار التي تعتبر نتاجا للهجمات علي امريكا في ايلول (سبتمبر) الماضي اكثر من انشغاله بالتكهن او الحديث عن ضرب هذا النظام او ذاك. ويري فريدمان ان القاء اللوم علي امريكا في ما يحدث في العالم العربي ليس صحيحا، لان امريكا وان تعاملت مع انظمة شمولية الا انها لم تقم بانشائها كما يقول.

أشكرك لموافقتك علي إجراء هذه المقابلة يا توم، وبمناسبة حلول موسم الأعياد
عندكم علي الساحل الآخر من الأطلسي فكل عام وأنتم بخير.
توماس فريدمان: أشكرك... ورمضان كريم لقرائك.
دعنا نبدأ بالحادث المروع ليوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، لقد حاولنا جميعاً أن نستوعب الذي جري. ما مدي تأثير هذه الحادثة عليك، وماذا مثلت بالنسبة لك ولقرائك؟
توماس فريدمان: حسناً، بالنسبة لي وكوني أتابع شؤون الشرق الأوسط منذ سنوات عديدة، أفترض أن رد فعلي الرئيسي كان أن أحدث نفسي بأن القضية كانت باستمرار ولسنوات طويلة تتعلق بكم: كانت دوماً حول العرب أو الإسرائيليين، حول الفلسطينيين أو الإسرائيليين، حول الإيرانيين أو السعوديين، أما الآن فالقضية تتعلق بنا نحن. الشعور هنا هو أن ثمة أناساً هناك في الخارج يريدون تدمير أسلوبنا في الحياة، وتدمير مجتمعنا المنفتح، مجتمعنا المتمظهر في الحداثة، هذا بالضبط ما أشعر أنه مهدد وهو بالذات ما يشعر كثير من الأمريكيين بأنه مهدد. ولهذا السبب فإنني أوافق الرئيس بوش إلي حد ما في أنكم إما معنا أو ضدنا ، بمعني أننا نعتقد بأننا نقاتل دفاعاً عن النفس وللمحافظة علي المجتمع الذي نريد، وأننا سوف نتذكر بأدق التفاصيل من وقف معنا ومن وقف ضدنا تماماً كما نتذكر من وقف معنا ومن وقف ضدنا في الحرب العالمية الأولي وفي الحرب العالمية الثانية.
ماذا تقولون في أن هجوم الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) قد جلب تغييرات خطيرة أدخلت علي نمط الحياة الأمريكية وعلي مجريات أحداث كل يوم من أيام الأمريكان: ومن ذلك الواقع الجديد المتمثل بالشعور بأنك عرضة للمجهول والمتمثل أيضاً بانتشار نقاط التفتيش، إلخ؟
توماس فريدمان: ما من شك في أن الهجوم قد أدخل بعض الرمل في مسننات عجلة الحياة الأمريكية، وذهب نتيجة لذلك ببعض ما كان يميز الحياة الأمريكية من سهولة وانسياب. لا شك في هذا علي الإطلاق. لقد تنقلت في مختلف أرجاء الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وجبت البلدات الكبيرة والصغيرة. في العادة لا يستغرقك ذلك مزيداً من الوقت، ربما خمس عشرة دقيقة علي الأكثر، هذا شريطة ألا تنطبق عليك مواصفات شخص إرهابي، فحينها تستغرق مثل هذه الجولات الكثير من الوقت الإضافي.
ومع ذلك فإن السرعة لها رمزية خاصة إذ تمثل جوهر التقدم والتطور بالنسبة للعقلية الأمريكية، إنها الحياة في الخط السريع، أليس هذا هو كل ما تمثله وتعنيه أمريكا؟
توماس فريدمان: بالتأكيد، ما فتئت أقول أننا في عصر العولمة ننتقل من عالم يقارن فيه الكبير بالصغير إلي عالم تجري فيه المقارنة بين السريع والبطيء. إن من أهم مميزات أمريكا في عصر العولمة الجديد هو أننا مجتمع سريع جداً وشديد السهولة والانسياب، لاشك في ذلك علي الإطلاق. إلا أننا فقدنا بسبب هجوم الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) بعض ما نتمتع به من سهولة وانسياب، ولكنني لن أبالغ في آثار ذلك، قناعتي أن الحياة لن تصبح بطيئة بالمستوي الذي يؤثر سلباً علي الاقتصاد وعلي النمو الاقتصادي. كل ما هنالك أن يومنا سيزداد بمعدل ربع ساعة لا أكثر.
الشيء الذي حير الكثيرين هو طريقة تعامل أمريكا مع الأحداث المروعة للحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، إذ أن السؤال الذي تبادر إلي أذهان كثير من الأمريكيين هو: كيف يمكن أن يحدث ذلك لنا بدلاً من لماذا حدث. هذا لا يعني أن نقلل من أهمية السؤال المتعلق بـ كيف ، ولكن ما كان ينبغي أن يكون ذلك هو السؤال الوحيد أو الأهم في هذا المجال. ومع ذلك، فلو أردنا متابعة سؤال كيف إلي أقصي مدي، أما كان ينبغي أن يكون مآله أن ينبه الأمريكيين إلي خذلان أجهزتهم الاستخباراتية لهم بشكل مريع؟ مما أعرفه عنك أنك شخصياً كنت متردداً في البداية أن توجه أي نقد لهذه الأجهزة، إلا أنك مؤخراً أخذت تدافع عنها حتي قلت: خفوا عن السي آي إيه . ماذا تقول؟
توماس فريدمان: قلت ذلك لعلمي بأن ذلك لم يكن فشلاً استخباراتياً، وإنما كان فشلاً في إمكانية التخيل. إذ كان من الممكن أن تجتمع لديك كل المكونات الصغيرة للغز ومع ذلك كنت ستعجز عن تركيبه منها وذلك ببساطة لأن 99.99% من الأمريكيين ما كان بإمكانهم تخيل أن بإمكان تسعة عشر شخصاً أن يوزعوا أنفسهم علي أربع طائرات ليخطفوا هذه الطائرات ثم يعمدوا جميعاً إلي الانتحار مستخدمين الطائرات في مشروع يستهدف قتل وجرح خمسة آلاف أمريكي. فالاستخبارات تقوم علي أمرين: المعلومات الخام والتخيل، أي تخيل كيف يمكن أن تجتمع المعلومات الخام معاً. وهذا هو سبب امتناعي عن توجيه للوم للمخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) أو المباحث الفدرالية (إف بي آي) أو مجلس الأمن القومي أو وكالة الأمن القومي لأن ذلك كان فشلاً في القدرة علي التصور، وهو أمر متجذر في أمريكا ويمثل أفضل ما فيها لأننا ببساطة لا نفكر بهذا الشكل.
ومع ذلك، ألم يكن واضحاً بما فيه الكفاية، وخاصة منذ تراجع عراق صدام ويوغسلافيا ميلوسيفتش، أن ما يسمي بالدول المنبوذة لم يكن محتملاً أن تشتبك مع الولايات المتحدة في حرب يغلب أن تدور رحاها بالشروط الأمريكية. بمعني آخر، ما كانت مثل هذه الدول لتطمح في أن تكسب المعركة، ولذلك فإن من يفكر في نزال الولايات المتحدة كان سيلجأ إلي استخدام وسائل غير تقليدية مثل شن هجوم إرهابي وليس باستخدام الصواريخ العابرة للقارات أو من خلال حرب النجوم التي كان البيت الأبيض يعد العدة للتصدي لها. أي أنه كان يتوجب علي الولايات المتحدة الاحتياط لمثل هذا الاحتمال؟
توماس فريدمان: ما من شك في أن الخوف من هجوم خبيث تقوم به قوات إرهابية باستخدام أسلوب غير تقليدي كان مهيمناً، إلا أن هذا الهجوم، كما رددت مراراً وتكراراً، لم يكن ليخطر ببال أحد من الناس.
دعنا نتطرق إلي سؤال لماذا . يبدو أن الرئيس بوش قد اشار الي قضية الغيرة من ديمقراطيتنا الغربية . لو كان ذلك حقاً هو دافع المهاجمين لكان أحري بهم أن يستهدفوا النرويج أو السويد اللتين تعتبران أكثر ديمقراطية وليبرالية من الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا تهيمن علي المثقفين الأوروبيين شكوك بأن الأمريكيين يتجنبون الإجابة علي هذا السؤال لأن من شأن ذلك أن يفرض عليهم مواجهة الإرهابي في ذاتهم المتمثل في سياستهم الخارجية، في دعمهم للأنظمة الديكتاتورية.. إلخ. أما كان يتوجب علي الأمريكيين الإجابة علي هذا النوع من التساؤلات؟ ولا يقصد من ذلك من قريب أو بعيد إضفاء أدني درجة من الشرعية أو التبرير علي الهجوم الشائن.
توماس فريدمان: أعتقد بأن الهجوم كان يتعلق بأمور ثلاثة. إنه يتعلق بمن نحن، وبما نفعل، وبمن هم؟ يتعلق بمن نحن من حيث ما نمثله من رؤية للعالم، رؤية للحداثة التي تقوم بدورها علي العلمانية والتسامح والحرية الأكاديمية والدينية والشخصية والاجتماعية. هذه مرفوضة بالنسبة لمن يحملون عقيدة شمولية، سواء كانت علمانية أم دينية وسواء كانت مسيحية أو يهودية أو أسلامية. فهؤلاء الشموليون يجدون في الولايات المتحدة وفي تصديرها لثقافتها ورؤيتها للحياة مصدر تهديد كبير، ومن هنا كان الأمر يتعلق بمن نحن. كما يتعلق من جهة أخري بما نفعل، ولاشك بأن ذلك يتضمن قضية دعمنا لإسرائيل ودعمنا لتصدير الديمقراطية وتصدير مبادئنا وكذلك تصدير أطعمتنا السريعة الغث منها والسمين، وتصدير أفلام هوليوود الغث منها والسمين، ومن هنا كان الأمر يتعلق بما نفعل. ولكن لا ينبغي أن نخدع أنفسنا للحظة واحدة، فالامر يتعلق أيضاً بمن هم (المهاجمون)، يتعلق برجال ونساء في ريعان الشباب ينشأون في أقطار عربية مسلمة في ظل أنظمة سياسية فشلت في احتضان الحداثة وفشلت في إنتاج نظام ديمقراطي واحد باستثناء تركيا، كما يتعلق بمجتمع وبشر بلغ بهم الغضب مبلغاً تجاه نظام قمعي متخلف عن العالم والذي في ظني يولد الكثير من الغضب الذي يتفجر في وجه هذا العالم.
ولكن توم، مكمن الخطر هنا وهو أن الانتحاريين نجحوا إلي حد ما في خطف الهموم المشروعة ليس فقط لأولئك الممتلئين بالغضب المتفجر في وجه العالم بل ولأولئك الذين يقطنون العالمين العربي والإسلامي أيضاً، وخاصة فيما يتعلق بورطة الفلسطينيين. ولعل من سوء الحظ أن يتم تسويق هجوم الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) علي أنه إنما نفذ من باب الولاء لقضية شعب تحت الحصار لا من باب الولاء لرجل ميت يمشي علي الأرض يدعي أسامة، الأمر الذي يزيد من إمكانية عمل مشابه لهجوم الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) علي أيدي أفراد ينتمون إلي الجيل القادم. ألا يتوجب علينا أن نولي مشكلة الفلسطينيين اهتماماً بوصفهم شعباً تحت الاحتلال حتي يتسني وبسرعة رؤية مثل هذه الهجمات علي حقيقتها كأعمال إجرامية لا أكثر؟
توماس فريدمان: حسبما أعلم لم يترك المهاجمون رسالة. ربما اعتقدوا بعدم حاجتهم بتاتاً إلي ترك رسالة. لعلهم لم يكونوا مهتمين بفلسطين أصلاً، ولعل فعلهم كان هو مضمون رسالتهم، ولعلهم أرادوا أن يقولوا لنا: أي جزء من هذه الرسالة يستعصي عليكم فهمه؟ فنحن نطمح لأن ندمر مجتمعكم وحضارتكم وكل ما تعتزون به . لذا فالخطر كل الخطر يكمن في أن تقول أو يقول أي شخص آخر إن هذا الهجوم كان في الحقيقة بسبب فلسطين.
توم، إنما أحاول أن أنقل إليك صورة عن الجدل الدائر حالياً داخل العالم العربي وفي أوروبا.
توماس فريدمان: لا أعتقد أننا نعلم ذلك علي الإطلاق. كانت لديهم فرصة كافية ليخبرونا عما كان يجول في خاطرهم فيما لو كان ذلك أمراً غير الرغبة في تدميرنا. لم يخبرونا، ولربما كان لذلك سبب. يوجد في أوروبا ـ ناهيك عن ذلك الجزء من العالم الذي تنتمون أنتم أليه ـ كل الأنواع من البشر الذين تتوفر لديهم الرغبة في الاختطاف لخدمة قضايا خاصة بهم. نعم هؤلاء الناس يلوموننا بسبب مجتمعاتهم القمعية، وأنا في الحقيقة يؤسفني أن تكون مجتمعاتهم كذلك، ولكننا لسنا مسؤولين عن كونها مجتمعات قمعية. أظن أن من سوء الحظ أن ندعم أنظمة قمعية، وهذا الأمر يزعجني جداً، ولا أستغرب أن يكونوا غاضبين علينا، ولكننا لم نخلق هذه الأنظمة ولسنا نحن الذين ننتجها ولسنا في الحقيقة من يحافظ علي وجودها. هذا أمر علي الناس في العالمين العربي والإسلامي أن يبحثوا عن سببه وأن ينظروا في المرآة. تعتبر الجامعة العربية المنظمة الإقليمية الوحيدة في العالم التي تعقد اجتماعاً سنوياً يحضره زعماْ لم ينتخب أي منهم بطريقة ديمقراطية وعبر انتخابات حرة ونزيهة. لا يمكنك قول الشيء نفسه عن أي منطقة أخري من العالم بما في ذلك تلك التي تمثل دولاً في أفريقيا ما تحت الصحراء. هذا هو المرض، هذه هي المشكلة. نحن لم نخلق المشكلة بل أنتم خلقتموها.
توم، إنني أحاول جاهداً أن أبرئ نفسي، فالموضوع لا يتعلق بي شخصياً.
توماس فريدمان (ضاحكاً): ولكنه يتعلق بقرائك ويتعلق بمجتمعك الذين أتعاطف معهم أيما تعاطف كما تدل علي ذلك كتاباتي لو تسني لك الاطلاع عليها. لا أرغب في تأييد هذه الأنظمة، وأود أن أقف إلي جانب الشعب، وأريد أن أكون في جانب التعددية وفي جانب الديمقراطية. هذا هو موقفي وهذا ما تدور حوله كل كتاباتي التي لم أجن منها سوي خصومة من يسمون بالمثقفين العرب الذين اشترتهم تلك الأنظمة والذين يتلقون منها رواتبهم.
توم، يبدو لي أنك تحمل الأمر أكثر مما يحتمل. لست أزعم بأن هؤلاء أو أولئك لم يتم شراؤهم أو أنهم يتقاضون رواتب من قبل هذا النظام أو ذاك، ولكنهم يشكلون قطاعاً من المثقفين العرب وليس جميع المثقفين العرب.
توماس فريدمان: تقصد أنه لا ينبغي لي أن أنتقدهم بقسوة؟
ربما كان من الأفضل ألا تفعل لأنه بينما يعارضك البعض فهناك من بينهم من يكيل لك المديح.
توماس فريدمان: أقدر ذلك وأحترمه.
أجد في كلامك ما يشير إلي سوء فهم لموقف المثقفين، فمعظمهم أساءهم هجوم الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) والأغلبية العظمي منهم لا تتفق مع الشعور بأن أمريكا جلبته لنفسها . في اليوم التالي للهجوم مررت بصديقة فلسطينية كاتبة فعبرت لي عن اشمئزازها من أولئك الذين قاموا بالهجوم باسم قضيتها بينما جاء فعلهم ليشكل ضربة مدمرة لها. مشكلة هذه المرأة ليست مع الشعب الأمريكي بل مع بعض السياسيين بات روبنسون وأمثاله ومع المثقفين والكتاب والمحرضين من أمثال جوان بيترز ودانيال بايبس وتشارلز كراوثمر وتوم فريدمان ..ألخ الذين يؤثرون في أجهزة صناعة القرار والذين يطيلون معاناة شعبها. ولذلك تعتمد هذه المرأة في استراتيجيتها علي تجاوز النخبة والتوسل مباشرة إلي المجتمع المدني الأمريكي وكسب تأييد عامة الأمريكيين. إلا أن هذه الاستراتيجية باتت بلا جدوي بفضل بن لادن. تلك هي المحطة التي يقف عندها الجدل حالياً.
توماس فريدمان: هذا عظيم، أوافقها علي ذلك. ولكني لا أتفق معها في إدراج اسمي ضمن تلك القائمة. فأنا أصر علي أنني لست ضد الفلسطينيين ولا أنتمي إلي معسكر أولئك الذين لا يؤمنون بالدولة الفلسطينية. إنما أنا غاضب علي ياسر عرفات وعلي الفلسطينيين لأنهم باعتقادي ضيعوا أفضل فرصة أتيحت لهم لتحقيق تلك الدولة. غضبي ليس ضد الدولة بل ضد تفويت الفرصة التي أتيحت أمامهم لإنجازها.
مسألة أن ياسر عرفات لم يغتنم الفرصة أو أنه فقد فرصة ذهبية أتيحت له مسألة مبالغ فيها، والحديث عن عرض سخي قدم للفلسطينيين مبالغ جداً فيه أيضاً. ولا أدل علي ذلك من أن الفلسطينيين الذين خرجوا لاستقباله في المطار إثر عودته من محادثات كامب ديفيد لم يريدوا له أن يوقع الاتفاقية.
توماس فريدمان: وهل كان ذلك حكيماً؟ لهذا السبب لا يملكون دولة. إن حركتهم هي الحركة الوطنية الوحيدة التي لا تملك دولة. إذا ما كان الفلسطينيون يثنون علي ياسر عرفات لأنه تخلي عن الرئيس الأمريكي في الوقت الذي كان في أمس الحاجة إليه فإنهم مخطئون. رأيي في القضية في منتهي البساطة، أود أن يعبر عنه بوضوح شديد لأنني أريد لك أن تستوعبه، وقد تحريت في كتابته الوضوح ما استطعت إلي ذلك سبيلا. لم أقل أبداً بأنه كان علي ياسر عرفات أن يقبل ما عرضه عليه كلينتون وباراك في كامب ديفيد ولا حتي ما عرضه عليه كلينتون بعد كامب ديفيد أي ما بين 94% و 96% من الضفة الغربية. رأيي بسيط جداً: إذا لم تكن صيغة الرد المناسبة نعم، نعم سيدي الرئيس، أين تريدني أن أوقع، في أي جانب من الورقة، أي خدمة، أنا في خدمتك سيدي الرئيس كلينتون ، فإن الرد المناسب كان ينبغي أن يكون: سيدي الرئيس، هذا هو أول عرض جاد يقدم إلينا أول أساس للتفاوض حصلنا عليه من الشعب الإسرائيلي، ولذا فأنا أحترم هذا العرض وإن لم يكن كافياً. والعرض غير كاف للأسباب التالية، ولهذا أود أن أجلس معك ومع باراك لتحسين العرض بحيث نحصل علي 100% . هكذا كان ينبغي أن يكون عليه الرد المناسب وليس الانتفاضة، إنها رد غير مناسب، بل إنها ضرب من الجنون، إنها رد سخيف وضار بعملية السلام وبالشعب الفلســــطيني. ونشـــــكر الله أن قلة من الفلسطينيين الآن، من أمثال سري نسيبه، باتوا يملكون الشجاعــــة ليصفــــوها بما تستحق من كونها عملاً جنونياً محضاً خالياً من أي أهداف استراتيجية.
يري الموقف الفلسطيني بأن كلينتون كان يؤثر الجانب الإسرائيلي ويميل إلي موقفه علي حساب التطلعات الوطنية للفلسطينيين.
توماس فريدمان: هذا كلام فارغ، بل زبالة. القضية لا تتعلق بكون موقف كلينتون يفضل أو لا يفضل هذا علي ذاك، وإنما يتعلق بما كان مطروحاً علي مائدة المفاوضات وكيف كان بإمكانك أن تؤسس عليه.
بالنسبة للفلسطينيين، لم يكن العرض جيداً بما فيه الكفاية. هذا هو الأمر ببساطة.
توماس فريدمان: بالطبع لم يكن جيداً. ليست لدي أدني مشكلة كون العرض غير جيد بما فيه الكفاية. أنما السؤال هو: كيف بإمكانك أن تنقله مما هو عليه إلي ما هو جيد بما فيه الكفاية. هل تحقق ذلك بإشعال انتفاضة؟ بتفجير ملهي إسرائيلي؟ أم أنك تحقق ذلك من خلال العودة إلي طاولة المفاوضات ومن خلال مناشدة الشعب الإسرائيلي بشكل مباشر.
ما رأيك في خطاب وزير الخارجية كولن باول الذي ألقاه في كنتاكي؟
توماس فريدمان: لقد كان جيداً، لا شائبة فيه. الشيء الوحيد هو أن شخصاً سواه كان ينبغي أن يلقي الخطاب. كنا بحاجة إلي خطاب حقيقي يلقيه ياسر عرفات ليخبرنا فيه عن موقفه وعن استراتيجيته وعن رؤيته لحل الدولتين. فلقد قدم لنا باول رؤيته، وحتي شارون قدم رؤيته والتي مفادها أنه يؤيد قيام دولة فلسطينية علي 40% من أراضي الضفة الغربية وغزة. لا أظن ذلك كافياً، لكنه علي الأقل قدم لنا رؤيته: هنا توجد دولة إسرائيل وهنا ستقام الدولة الفلسطينية. ما هي رؤية عرفات؟
حسناً، تتمثل رؤية عرفات في...........
توماس فريدمان: لا، لا أريد أن أسمعها منك أنت.
تريد أن تسمعها منه هو؟
توماس فريدمان: بالضبط. أنت لا تتحدث باسمه. لقد سئمت الاستماع إلي أناس يتحدثون نيابة عنه. أنا تواق لسماع خطاب واحد هو خطابه هو مدعماً بخرائطه وبخطوطه.
دون المجازفة بتقديم مبرر لمنفذي الهجوم المروع يوم الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، كيف تجيب ناقديكم في المنطقة العربية بأن سياستكم الخارجية منيت بالفشل الذريع فيما يتعلق بفلسطين والعراق وبأنه كان بإمكانكم تقديم أكثر مما قدمتم للشعبين؟
توماس فريدمان: هذا هراء، لأنه إذا كانت قضيتك هي القضية الفلسطينية فقد جري التخطيط لهذا الهجوم قبل عام، وما الذي كان يجري قبل عام؟ كان الرئيس كلينتون قد سخر الشهور الثلاثة الأخيرة من رئاسته لمحاولة حل المشكل العربي ـ الإسرائيلي. هذا ما كان يحدث قبل عام. لم يكن أولئك الإرهابيون يبحثون عن نوع جديد من التعايش مع الولايات المتحدة أو مع إسرائيل، كانوا يبحثون عن إعدام نمط حياتنا. هذا ما كانوا يبحثون عنه.
هل سمعت أسامة بن لادن يقول: يا إلهي، ليست لدي مشكلة مع أمريكا، كل ما أتمناه أن أري عدداً أقل من محلات مكدونالدز في القواعد الأمريكية داخل المملكة العربية السعودية. هل سمعته مرة يقول ذلك؟ هل سمعته مرة يقول: يا إلهي، ليست لدي مشكلة مع الدولة اليهودية، وكل ما أتمناه أن تعود إلي حدود ما قبل حرب 1967 وأن تلتزم بقرار الأمم المتحدة 242.
هل سمعته ولو مرة واحدة يقول ذلك؟ هؤلاء لا يريدون شكلاً جديداً من أشكال التعايش وإنما يريدون ألا نعيش. واستمع إلي ما يقوله الرجل حينما يصرح بأنه لا يؤيد التعايش مع الكفار، أي اليهود والمسيحيين، في العالمين العربي والإسلامي. هذا هو ما يريدونه، وذلك هو أصل المشكلة. فأصل المشكلة لا يكمن فيمن نحن، وإنما فيمن هم.
وهذا لا يعني بأنه لا توجد أشياء يمكننا فعلها، فكما قلت مراراً وتكراراً علينا أن نعمل من أجل الوصول إلي تسوية كريمة، للصراع العربي ـ الإسرائيلي. كما يتوجب علينا أن نتعامل بحساسية مع الأسلوب الذي نجول فيه أرجاء الشرق الأوسط. أما فيما يتعلق بالعراق، هل تظن بأن مشكلة العراق تكمن فينا نحن، ذلك البلد الذي يعيش في قبضة أكثر ديكتاتور متعطش للدماء في التاريخ العربي الحديث، رجل قتل من المسلمين أكثر مما قتل أي شخص آخر خلال الخمسين عاماً المنصرمة، فكان من ضحاياه الإيرانيون المسلمون، والكويتيون، والسعوديون، ثم تقول لي إننا سبب المشــكلة في العراق، هذا أمر بغيض.

حاوره: زرسناي ابرهة
&
&