قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك



بقلم أمير طاهري
خلال جولة الرئيس المصري حسني مبارك قبل سنة في محطة الجزيرة بالقرب من العاصمة القطرية الدوحة، قال ساخرا: "كل هذه الضجة من علبة الكبريت هذه؟". الشبكة القطرية، ويملكها امير البلاد الشيخ حمد بن آل ثاني، باتت بالنسبة للعالم الغربي بعد 11 أيلول (سبتمبر) كلسان حال أسامة بن لادن وتنظيم "القاعدة" الارهابي الذي يترأسه. وفي السنوات الخمس الاخيرة، عرفها مصريون وعرب اخرون وتحولوا اليها في الأزمات.
السبب&الذي يعزى اليه في الغالب نجاح الجزيرة هو قدرتها على انتقاد الحكام العرب فيما تعجز المحطات الأخرى عن ذلك. كما انها المكان الوحيد حيث يمكن للعرب وللمسلمين بشكل عام&مناقشة جميع القضايا بحرية.. وهو ما&تؤمن به وسائل اعلام غربية عديدة. فخلال جولته في المحطة في شباط (فبراير) الماضي، نعتها الصحفي الأميركي توماس فريدمان من صحيفة "نيويورك تايمز" بـ"زهرة" تنشط الديمقراطية فيها.
لكن ما مدى مصداقية اي من هذا؟ اذا أمعنا النظر في "الجزيرة" يتضح أن هذه المحطة تضر النقاش الديمقراطي أكثر من أي محطة عربية مملة أخرى سلبتها الجزيرة مشاهديها منذ عام 1996.
قبل زيارته للـ"جزيرة"، كان الرئيس المصري محط انتقادات المحطة القطرية. فقد نشب خلاف بين مصر وقطر استمر لثلاث سنوات حول مزاعم بأن القاهرة ساهمت في محاولة انقلاب في الدوحة دعما للأمير المعزول الشيخ خليفة بن حمد الثاني.. فترة همشت فيه المحطة مبارك لتعيد الرئيس المصري الى الواجهة على شاشاتها مع حل الازمة.
وتحترم المحطة "الاماكن المحظور الاقتراب منها". فالسعودية على سبيل المثال تذكر دائما باحترام، كما تهمل الشؤون القطرية داخلية او يسلط الضوء الى نواحيها المشرقة. سوريا انتقدت مرة واحدة فقط في حزيران (يونيو) الماضي لتتعامل المحطة مع اخبارها من بعد ذلك بلطف من دون ان يمنع ذلك طرد مراسلي الجزيرة من دمشق. أما البلدان اللذان يجري انتقادهما بانتظام فهما الجزائر والكويت. الاولى&لمحاربتها الاسلاميين الارهابيين والثانية&ربما لرفضها الرضوخ للعراق.
تشجيع التطرق
سر نجاح الجزيرة الذي لاشك فيه، لا يعود الى تقربها الجبان من القادة العرب وانما لامر اخر..& فهي تقول للعرب بانها تعبرعن "رأي الشارع العربي". وتفترض المحطة ان التطرف الاسلامي الى ازدياد في الدول العربية كلها وبانه مدعوم سرا من الاغلبية. لذا فان برامج الجزيرة الحوارية تشجع الاصوليين الاسلاميين. كما تسلم بأن معظم العرب هم معادين للغرب وخصوصا اميركا. وخلقت المحطة انطباعا بان الغرب والولايات المتحدة على وجه التحديد هما وراء كل بلايا العرب بما فيها الانظمة غير الصالحة والفاسدة.
ويمكن التنبؤ ببرامجها ومضامينها.. برامج تقول المحطة بان نسبة مشاهديها بلغت 10 ملايين متفرج.
أما في المسالة الاسلامية، ومن أصل 35 ضيفا تدعوهم المحطة باستمرار، 30 ضيفا على الاقل على علاقة بمنظمات اسلامية متطرفة. الجدير ذكره انه بين عامي 1996 و2000 استضافت "الجزيرة" السوداني حسن الترابي المتعامل سابقا مع أسامة بن لادن وعراب الاسلام، 73 مرة وهو رقم قياسي.
ولا نفاجأ بأن "دزينة" من اكثر المستضافين على شاشة المحطة، ومن بينهم الاردني ابو قتادة والمصري ياسر السري،& هم اليوم في سجون أوروبا لعلاقتهم بتنظيم القاعدة.&
وحتى مطلع الشهر الجاري، عملت الجزيرة كمحطة بن لادن التلفزيونية الخاصة الى حد أنها بثت شريطا وثائقيا لحفل زفاف ابن الارهابي بن لادن. كما عرضت المحطة شرائط وثائقية تقدم ارهابيين من امثال ايمن الظواهري وابو حفص الموريتاني كابطال الاسلام.. برامج عمدت المحطة في بعض الاحيان الى اعادة عرضها ضمن اي حدث يهمها.
وتولد نتيجة لذلك انطباع يظهر فيه بأن الاسلاميين لا يسيطرون فقط على السياسات العربية وانما وكانهم وحدهم من يتمتعون بمصداقية في برنامج اصلاحي موثوق في مجتمعات تحتاج الى التغيير. ويتكرر شعار "الاسلام هو الحل" مرارا في "الجزيرة". ويظهر بالنتيجة ان القضايا السياسية كلها&تحول الى قضايا دينية، لتوهم (الجزيرة) المشاهد بانه بزيادة "اسلاميته"&يتخلص مجتمعه من الفقر، من الاستبداد والفساد.
فاذا افترضنا ان موضوع النقاش هو ازمة السكن في القاهرة او الجزائر او البطالة التي لحقت بملايين الشباب، يأتي برنامج حواري على الجزيرة& ويشير الى الموضوع ثم يدخل في تمرين ديني يعيد المشاهد الى العصر الذهبي للاسلام عندما كان لكل منزله وعمله. وفي إصدار غريب لجيري سبرنغر، غالبا ما تنتهي برامج "الجزيرة" بالصراخ وبمغادرة بعض الضيوف بفعل التاثيرات الدراماتيكية.
ولا يشكل الاسلاميون في المجتمعات العربية سوى اقلية غير ذات تاثير. في ما يزداد وزن الطبقة المدنية المتوسطة التي تبحث عن بديل للاصولية المجنونة والفساد الخامد للمجموعات الحاكمة.. طبقة لا تقدم الجزيرة لها ابدا، عمدا او عن غير قصد، فرصة للتعبير عن نفسها. وبـ"أسلمة" جميع المواضيع تلعب الجزيرة&لعبة الحكام الذين لديهم اسبابهم الخاصة للخوف من السياسات الطبيعية.
المواضيع الجوهرية كالنمو الاقتصادي، الخصوصية، الاصلاح التربوي والفساد واستئصال الفساد لا يتم التطرق اليها في النقاشات. كما لا تنظر الجزيرة في مواضيع منها غياب الانتخابات الحرة في العالم العربي، صورة المراة في المجتمع الاسلامي، او ظاهرة اطفال الشوارع في عددة عواصم عربية..
لا يجري انتقاد نظام صدام حسين ابدا. ويقدم خلافه مع الامم المتحدة حول المقاطعة ومنع مراقبي الامم المتحدة من التحقيق حول الاسلحة النووية كـ "حرب اميركا ضد العراق" كما لا ينظر القيمون على المحطة الى حاجة معارضي صدام الى فرصة للتعبير عن ارائهم.
فرضيات الجزيرة حول الشارع العربي تجد اكثر تطبيقاتها ماساوية في مسالة الصراع العربي- الاسرائيلي. وسعت المحطة الى تحويل صراع هو اساسا عن الارض والسلطة الى مبارزة بين العالم الاسلامي واليهودي- مسيحي.& وتربط اسرائيل تلقائيا بعبارة "العدو الصهيوني" وتذم بتعبير "الحتل". كما تولد لدى المشاهد انطباعا بان&حماس والجهاد الاسلامي يمثلان الشعب الفلسطيني أكثر من تمثيل سلطة ياسر عرفات المقيدة له.
تقديم الرأي الاخر:
تشير الجزيرة الى استضافتها زعماء غربيين واسرائيليين عديدين منهم توني بلير، كولن باول وشيمون بيريز. لكن بتقديم الراي الاخر، تجعل المحطة الصراع بين الاسلام واليهودية والمسيحية.&ولا يتم دعوة المسلمين الداعمين للمفاوضات حول السلام ابدا الى برامجها كما لم تجر دعوة اي مسلم ساند الحرب الاميركية ضد طالبان والقاعدة في افغانستان.
في بداية الحرب ضد الارهاب في افغانستان، انفردت الجزيرة باخبار عديدة عن تنظيم القاعدة من ضمنها شرائط الفيديو التي حملت رسائل بن لادن وشركائه والتي لم تكن دائما على درجة من الدقة.
فالجزيرة على سبيل المثال هي من بث نبأ بأسر طالبان لجنود اميركيين واسقاط طائرة اميركية قرب كابول. كما ثبت بطلان تقارير قالت فيها ان قرى عدة سحقتها القنابل الاميركية.
وتمنت "الجزيرة" لو تطول الحرب في افغانستان..& "حرب فيتنام اخرى" كانت العبارة التي استخدمتها.. فوجود جماعة بن لادن وعلاقتها المميزة بها تمكنها من الفوز بمزيد من الانفرادات الصحفية... امنية لم تتحقق.
ويحتاج العالم العربي الى محطة اخبار فضائية مستقلة. فهو يملك المصادر الفكرية التي يمكنها قيادة مناقشة سياسية جدية في شتى الشؤون الحياتية وعلاقات العالم العربي بالعالم.
&فالمحطات الحكومية التي جمدها الخوف الديني من السياسات تبتعد عن نقاشات مماثلة. ومحطة الجزيرة لا تعتبر المناسبة لتحقيق ذلك لسعيها الى تحريك العواطف والانفعالات& بدلاً من تَشجيع المقاربات السياسية العقلانية. ولا يأتي الحل إلا بتلفزيون خاص مستقل حقا&يقدم نقاشات ديمقراطية حقيقية.