قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

على عكس ما توقعه كثير من المحللين تحولت تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى مكاسب وفوائد تحصدها إسرائيل علي حساب أضرار ومغارم يدفع العرب والمسلمون فاتورتها الباهظة‏..‏ فهل كان هذا خطأ المحللين الذين عجزوا عن القراءة الصحيحة للأحداث واحتمالات التداعيات المستقبلية لها‏,‏ أم أن شيئا ما قد حدث ووفر لإسرائيل فرصة لم تكن تحلم بها بعد أيام عصيبة من الخوف والقلق عبر عها أرييل شارون بقوله‏:‏ إنه يخشي أن تدفع إسرائيل ثمن ضمان التأييد العربي والإسلامي للتحالف الدولي ضد الإرهاب‏,‏ وأن تتعرض لما تعرضت له تشيكوسلوفاكيا عشية الحرب العالمية الثانية مباشرة‏.‏
‏***‏
كيف حدث هذا التحول الذي خالف معظم التوقعات؟ سؤال لابد أن نطرحه علي أنفسنا وأن نجهد عقولنا في البحث عن إجابة صحيحة له لأنه في غيبة من فهم حقيقي لأسباب ودوافع هذا التحول تظل قدرتنا علي استشراف احتمالات المستقبل قدرة محدودة وعاجزة عن الرؤية الصحيحة‏,‏ وبالتالي عدم القدرة أيضا علي تحديد ما ينبغي علينا عمله وما يتحتم علينا تجنبه‏!‏
إن أخطر علامات التحول في الموقف الدولي ـ وليس الموقف الأمريكي فقط ـ أن أحدا لم يعد يري شيئا من وحشية العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني بينما يتصاعد الحديث عن إرهاب فلسطيني تمثله حركتا حماس والجهاد ويزعمون أنه يتم بمباركة وتأييد السلطة الفلسطينية‏.‏
لقد تراجع زخم التعاطف الدولي مع حركة الانتفاضة وأصبح القصف بطائرات إف‏16‏ ومروحيات الأباتشي وعمليات اغتيال الكوادر الفلسطينية دفاعا مشروعا عن النفس يحق لإسرائيل أن تلجأ إليه‏,‏ في حين أصبحت أي طلقة رصاص من جانب الفلسطينيين عملا إرهابيا ينبغي التصدي له واجتثاث جذوره وتفكيك البني التحتية للمنظمات والمؤسسات التي ترعي أي عمل مقاوم للاحتلال‏.‏
فهل تحول هوس الحرب ضد الإرهاب إلي هوس مجنون ضد كل ما هو عربي ومسلم‏..‏ أم أن نتائج الحملة العسكرية في أفغانستان هي التي شجعت علي الاعتقاد في أمريكا ودول الغرب بأن العرب والمسلمين قد تحولوا إلي جثة هامدة ومن ثم يسهل فرض أي شيء عليهم؟‏!‏
ربما يكون صحيحا أن اللوبي الصهيوني في أمريكا وأوروبا قد نجح في أن يستثمر بعض أخطاء التوقيت غير الصحيح والاختيار غير الصحيح لعمليتي حيفا وتل أبيب الاستشهاديتين لكي يصور المقاومة الفلسطينية علي أنها نموذج للإرهاب‏,‏ وأن الطريق الوحيد لفرض السلام بين العرب وإسرائيل ينبغي أن يبدأ بضرب وتصفية هذه المنظمات علي غرار ما حدث في أفغانستان‏.‏
ولكن شيئا أساسيا يغيب عن الذين يقولون بذلك هو ذلك الفارق الكبير بين الحالة الأفغانية والحالة الفلسطينية‏,‏ ففي أفغانستان لم يكن هناك احتلال أجنبي ولم تكن هناك منظمات للمقاومة ضد الاحتلال‏,‏ وانما كانت هناك حرب أهلية‏,‏ وكان هناك إرهاب منظم ينطلق بمخاطره وشروره لكي يهدد الجميع دون استثناء سواء في الدول العربية والإسلامية أو في مناطق الصراعات العرقية حتي بلغ الأمر ذروته في أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏.‏
‏***‏
ان الذي يثير التساؤل هو أن هذا التحول المريب في الموقف الدولي وبالذات من جانب أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي تزامن مع موقف عربي وإسلامي بالغ الوضوح في إدانته للإرهاب ودعمه اللامحدود للحملة العسكرية الأمريكية في أفغانستان‏.‏
ثم أن وزراء خارجية الدول الإسلامية في اجتماع الدوحة ومن بعدهم وزراء خارجية الدول العربية في اجتماع القاهرة‏,‏ حرصوا علي الخروج بقرارات واقعية ومعتدلة ومتوازنة لم تجئ علي هوي الرأي العام العربي والإسلامي‏,‏ ومع ذلك قوبلت بما هو أكثر من اللامبالاة من جانب الدول الغربية‏.‏
ولعل ذلك هو الذي يدفع البعض في العالم العربي إلي الاعتقاد بأن دوائر صنع القرار في أمريكا وأوروبا قد فهمت أن الواقعية والاعتدال في العالم العربي والإسلامي تعني استعدادا صريحا للاستسلام للمشيئة الأمريكية المرتبطة أساسا بالرغبات والنيات الإسرائيلية‏.‏
فهل معني ذلك أن أمريكا تدفع بالأمور ـ بعلمها أو دون علمها ـ إلي رفع وتيرة التشدد والتطرف علي عكس ما تسعي وتخطط لمحاصرة الإرهاب الذي ينمو ويتغذي بأفكار التشدد والتطرف والشعور بغياب العدالة وازدواجية المعايير؟‏!‏
أغلب الظن أن صدمة أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما أعقبها من نشوء انتصارات سهلة وسريعة في الساحة الأفغانية قد وضع غشاوة علي عيون الأمريكيين بحيث لم يعودوا يرون أي شيء إلا في إطار حنق وغضب يجعل من الصعب عليهم التفريق بين الأشياء‏,‏ وهو ما سمح بهذا الخلط المعيب بين المقاومة والإرهاب‏..‏ وهو خلط غذته ماكينات اللوبي الصهيوني ببراعة شديدة لحساب أهداف ومصالح إسرائيل وحدها‏!‏
ومن أسف أن هذا الخلط المعيب لم يعد قصرا علي صقور المؤسسة العسكرية الأمريكية الجريحة في البنتاجون‏,‏ وانما أصبح علي لسان الجميع بما فيهم من كان يجري تصنيفه عربيا علي أنه من حمائم الإدارة الأمريكية وهو كولين باول وزير الخارجية الأمريكية‏,‏ الذي رفض صراحة في لقاءاته مع عدد من وزراء الخارجية العرب الذين التقاهم التمييز بين الإرهاب والمقاومة قائلا‏:‏ إنه من غير المسموح الانتقاء عندما يتعلق الأمر بالإرهاب‏.‏
هكذا أصبحت أمريكا تري أي شيء إرهابا حتي لو كان مجرد صيحة رفض بالقلم أو باللسان‏.‏
‏***‏
ومعني ذلك أننا خسرنا المعركة الإعلامية التي فرضتها علينا إسرائيل بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر اعتمادا علي قوة النفوذ الصهيوني في الإعلام العالمي بوجه عام‏,‏ والإعلام الأمريكي بوجه خاص‏,‏ ثم أن بعض أخطاء الممارسة من جانبنا هي التي ساعدت علي حدوث هذا التحول في الموقف الدولي لكي ينتصر للجاني علي حساب الضحية‏,‏ ويلتمس العذر للقاتل ويلقي بالمسئولية علي القتيل‏,‏ تحت وطأة الهواجس المخيفة التي اجتاحت العالم من فكرة الأعمال الاستشهادية التي جسدتها أحداث الحادث عشر من سبتمبر بشكل مؤذ وضار‏,‏ بحيث لم تعد هناك آذان مستعدة لسماع مبرراتها ودوافعها‏!‏
لقد ثبت من خلال هذه المعركة غير المتكافئة مع الإعلام الأمريكي الموالي لإسرائيل أن امتلاك الحق لايكفي لكسب التأييد في عالم لا تسمع فيه الآن سوي أصوات القوة والقدرة علي توظيفها وفق المشيئة والرغبة والرؤية الأحادية للعالم الغربي وحده‏.‏
وإذن ماذا؟
هل نسلم بعجزنا عن مجاراة الإعلام الموالي لإسرائيل ونرفع الراية البيضاء ونستسلم تماما لأقدار عصر يتحول فيه الباطل إلي حق‏,‏ ويكتسب لطالب الظلم كل آليات المشروعية؟
لا أظن أننا نستطيع أن نتحمل تبعة ذلك حاضرا ومستقبلا إلا إذا كنا قد ارتضينا لأنفسنا أن نصبح خارج العصر‏,‏ وأن نتحول بمضي الوقت إلي مجرد ديكورات علي هامش الزمن‏.‏
وإذن ليس أمامنا من خيار سوي خيار الحركة والفعل والتأثير‏..‏ الحركة في الاتجاه الصحيح والفعل في صميم الأشياء والتأثير في المواقع المؤثرة بمنطقة صناعة القرار الدولي‏!‏
ومن هنا تأتي أهمية انطلاق أي تحرك عربي وإسلامي لاحتواء هذه التداعيات السلبية المخيفة من أرضية اليقين بحقيقتين أساسيتين هما‏:‏
‏(1)‏ ان كل الشواهد المرئية وغير المرئية تؤكد أن أمريكا ستظل ـ وإلي أمد غير منظور ـ هي القوة العظمي الرئيسية ـ ان لم تكن الوحيدة ـ لأن أحد أهم افرازات أحداث الحادي عشر من سبتمبر أنها أيقظت في العقل والضمير الأمريكي أهمية الحفاظ علي أحادية القوة كأحد ضمانات الأمن القومي الأمريكي‏!‏
‏(2)‏ ان الحقيقة الثابتة والمؤكدة ـ قبل وبعد‏11‏ سبتمبر ـ هي أن الولايات المتحدة الأمريكية ستظل ـ وإلي أمد غير منظور أيضا ـ هي اللاعب الأساسي في الشرق الأوسط بوجه عام وتجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي بوجه خاص‏..‏ وربما يزيد من مخاطر مرحلة ما بعد‏11‏ سبتمبر تنامي القدرة الأمريكية علي إفزاع جميع القوي الدولية الأخيرة وارغامها علي الابتعاد عن ورقة الشرق الأوسط إلا في إطار الرؤية الأمريكية من نوع ما اضطرت أوروبا إلي الرضوخ له في بيانها المؤسف الأخير الذي اعتبر حركات المقاومة الفلسطينية منظمات إرهابية لمجرد مجاراة المنطق الأمريكي المنحاز لإسرائيل‏.‏
وإذا سلمنا بصحة هذا التحليل ـ وأظن أنه صحيح إلي حد كبير ـ فإن سبيلنا إلي تصحيح هذه المعادلة يكمن في مدي قدرتنا علي إعادة صياغة علاقات مستقبلية سليمة مع الولايات المتحدة الأمريكية ركيزتها الأساسية عمل جاد ودءوب من أجل تصحيح الصورة المشوهة عن العرب والمسلمين‏.‏
ان نقطة البداية الصحيحة نحو صياغة علاقات صحية ومتكافئة بين العالم العربي والإسلامي من ناحية‏,‏ والولايات المتحدة من ناحية أخري‏,‏ تبدأ بإزالة كل التشوهات التي أصابت صورة العرب والمسلمين في العقلية والنفسية الأمريكية‏.‏
وليس أخطر علينا من استمرار خداع النفس بأن أغلب ما يصدر في الخطاب الرسمي الأمريكي يؤكد عدم وجود مشاعر عدوانية ضد العرب والمسلمين لأنه علي الجانب الآخر تمتليء وسائل الإعلام الأمريكية بكتابات وتحليلات تجيء علي النقيض تماما من الخطاب الرسمي‏,‏ ولا يمكن لأي محلل أن يري هذه التحليلات كظاهرة استثنائية معزولة أو بعيدة عن تسريبات متعمدة من جانب الأوساط الرسمية الأمريكية‏.‏
لعلي أكون أكثر وضوحا وأقول‏:‏ إنني أميل تماما للرأي القائل بأن واشنطن عودتنا في تعاملها مع العالم العربي أن تلجأ لسياسة التسريب المتعمد لوسائل الإعلام عندما يكون لديها بعض الحرج في المكاشفة بما تنتوي عمله‏,‏ ومن ثم تلجأ لسياسة التمهيد وتهيئة الرأي العام عن طريق هذه القنوات الإعلامية ذات التأثير الواسع في الساحة الدولية‏.‏
‏***‏
كيف نصحح الصورة ونحتوي هذه الحملة الضارية ضد العرب والمسلمين في أمريكا؟
سؤال لابد أن نبحث له عن إجابة عليه‏.‏
إن القول بحشد كل الجهود الحكومية والشعبية في إنشاء كيان إعلامي عربي موحد يقدر علي مخاطبة الرأي العام الأمريكي‏,‏ ليس سوي شعارات بعيدة تماما عن حقيقة الإمكانيات والقدرات العربية من ناحية‏,‏ وحقيقة الواقع الأمريكي من ناحية أخري‏.‏
ولست بذلك أريد أن أصادر أحلاما ـ تبدو مشروعة ـ لإنشاء فضائيات عربية تخاطب العالم باللغات الأجنبية أو إعداد برامج تليفزيونية وإذاعية بمختلف اللغات لتزويد الإعلام الأجنبي بها دحضا للأكاذيب وتوضيحا للحقائق‏..‏ فكل ذلك ـ حلما كان أم واقعا ـ أمر يستحق التحية ولكنه لا يلبي المطلوب في اللحظة الراهنة أو حتي في المنظور القريب‏.‏
ان تصحيح الصورة يمكن أن يتم في اعتقادي من خلال محورين متوازيين هما‏:‏
‏(1)‏ المحور الأول تنشيط قوافل الاقتحام للمجتمع الأمريكي ووسائله الإعلامية بحيث تضم هذه القوافل خيرة العقول العربية التي تعرف كيف تخاطب العقلية الأمريكية‏,‏ وأن يكون تسيير هذه القوافل وفق برامج مسبقة ومعد لها وبشكل منتظم لسنوات عديدة مقبلة‏,‏ فضلا عن ضرورة التيقظ إلي أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست واشنطن أو نيويورك‏,‏ وانما هي خمسون ولاية تملك جميعها قدرة الفعل والتأثير في القرار الأمريكي‏,‏ وفي المزاج العام في نهاية المطاف‏.‏
‏(2)‏ المحور الثاني يقوم علي تنشيط برنامج طموح لاستقدام القيادات والكوادر الإعلامية البارزة في أمريكا وتكرار دعوتها لرؤية الواقع العربي والإسلامي‏,‏ خصوصا ما يتعلق بجذور التسامح الديني والرفض الصريح لكل أشكال العنف والإرهاب‏.‏
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ثم أقول بصراحة إن نجاح هذين المحورين من التحرك المنشود يبقي في نهاية المطاف رهنا بمدي قدرتنا علي إحداث تغيير جذري وإيجابي في الواقع العربي وليس فقط مجرد القول بإمكان إعادة ترتيب البيت العربي‏.‏
والتغيير الذي أتحدث عنه هو التغيير الشامل الذي يسقط كثيرا من الملاحظات السلبية المقصودة وغير المقصودة التي يرتكزون إليها في بقاء رؤيتهم الخاطئة نحو كل ما هو عربي وكل ما هو مسلم‏!‏
والمحظور الوحيد الذي لا يجوز الاقتراب منه هو المساس بالعروبة‏,‏ أو مجرد شبهة التدخل في جوهر العقيدة‏,‏ فتلك ثوابت وما عداها هوامش وتفاصيل قابلة للتعديل والتغيير والتبديل‏.‏
هكذا أري الموقف بعيون متفائلة لم تسمح للتشاؤم أن يقترب منها‏!!‏(الأهرام المصرية)