قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قبل عشرين عاما لم يكن يحيرني موقف كاتب مثل ادوارد سعيد الذي دافع عن الثورة الاسلامية الايرانية في ذروة العداء الغربي لها، رغم أنه مسيحي ومقيم في نيويورك، فقد كان موقفه مبنيا على اسباب اخلاقية وعلمية مبررة جعلته اكثر من حارب فكريا بكتبه ومقالاته ومحاضراته دفاعا عن الاسلام في الغرب. لكن التطرف المتزايد اوهن حجج كل من دافع عن التطرف الاسلامي من غير اهله بمن فيهم البروفسور سعيد في ظل الصورة البشعة التي اصابت الاسلام والمسلمين من جراء احداث سبتمبر. فلماذا يدافع خليط من الذين يذبحون بسلاح "القاعدة" عن هذا الفكر واتباعه؟ في ظني هو جزء من الرياء العربي سواء كانوا عربا مسيحيين او شيعة او دروزا أو سنة ليبراليين.
والحقيقة انني كنت من قبل، ولا ازال بعد الاحداث الاخيرة التي جعلت الامور اكثر وضوحا، ألمس ميل المجاملة الذي يصبغ آراء كثير من المثقفين المسيحيين العرب وهم يتقدمون الصفوف دفاعا عن الحركات الاسلامية المتطرفة، اعني دفاعهم عن وحشية هذه التنظيمات والذي تضمن ميلا فيه افراط في المبالغة جعلت احدهم يسمي أسامة بن لادن بالشيخ والمجاهد الكبير، وهي تبدو محاولة تأكيد على انتماء المسيحيين للصف العربي بأقليته المسلمة الغوغائية، التي صارت اعلى صوتا هذه الايام، بغض النظر عن خطأ هذه الحركات وخطورة اساليبها على مستقبل العرب مسيحيين ومسلمين جميعا. وهذا لا يعني أن ننفي حقيقة حالتين: وجود متعاطفين مع الاسلاميين من غير المسلمين ووجود التقاء ثقافي في العداء للمؤسسات السياسية الغربية خاصة عند اليساريين العرب وبينهم مسيحيون. لكن هذا التعاطف الصادق موجود عند جيب صغير جدا في داخل العالم المسيحي العربي الكبير الذي يقدر عددهم باربعة عشر مليون عربي. فالاغلبية العربية المسيحية، وتحديدا المثقفة، هي مثل الاغلبية المثقفة العربية المسلمة لا يمكن ان تناصر التجمعات المتطرفة التي تسمى بالاصولية وهي ترى نيران حرائقها في كل مكان من منطقتنا وترى ايضا كراهيتها لكل ما هو غير اصولي ورغبتها الحقيقية في التدمير لكل المؤسسات القائمة.
لم تكن معظم مقالات التعاطف التي صبغت طروحات المثقفين المسيحيين العرب في السنوات الماضية، حتى بعد ظهور حجم الدمار الذي سببته تلك الحركات المتطرفة، الا تقية تمارسها هذه المجموعة بكل اسف في وقت لم يعد الضرر خاصا بأية ديانة او طائفة بعينها، بل اضر التطرف بالجميع على اختلاف ألوانهم الدينية. فالعربي صار صنوا للتطرف في العالم سواء كان مسيحيا او مسلما لا فرق. ولا بد ان نقول ان مناصرة الأصولية ليست ضرورة من ضرورات خطاب التلاحم السياسي الذي عرفناه في قضية الحق العربي في فلسطين، فلا يوجد سبب لأن يسير بعض المثقفين المسيحيين وراء كل مظاهرة عربية حتى لو كانت ضد النصارى كما يفعلون اليوم بتأييدهم "القاعدة" وانصارها. (الشرق الأوسط اللندنية)