قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

فكرة الغرب عنا أي عن العرب والمسلمين‏,‏ فكرة تقوم علي أساس أننا في غالبيتنا نتسم بمعاداة الإنسانية والحضارة‏,‏ وندعو إلي حياة تقوم علي أسس مختلفة عن باقي الناس‏,‏ كما تقوم علي أننا نتسم بالميل الشديد إلي العنف والقسوة وتبرير استعمالهما مع الآخرين والميل للاعتقاد بأن محاربة الآخرين هي من أساسيات تكويننا العقلي‏.‏ أما نحن فإن معظمنا‏(‏ إن لم نكن جميعا أو ما يقرب من كلنا‏)‏ نؤمن بأن هذا ظلم بين وافتراء‏,‏ وأن فكرة الغرب هذه عنا مختلفة إما بدافع الكراهية لنا أو الخوف منا‏,‏ أو بدافع من احتقار الغرب لنا‏.‏
وبرغم أنني أعرف يقينا أنني أدخل عش الدبابير بصياغتي لوجهة نظري في هذا الشأن‏,‏ فإنني أجد أن هذه هي مهمة كل مفكر يعتقد أن رسالته هي الإسهام‏(‏ وإن كانت صغيرة ومتواضعة‏)‏ في إحداث تغيير إيجابي في الواقع‏.‏ وعليه‏,‏ فإنني أبدأ بالمجاهرة بأن تجربتي الفكرية والعملية في التعامل مع الجانبين‏(‏ نحن والغرب‏)‏ تجعلني مطمئنا للاعتقاد بأن الفريقين علي خطأ كبير في تصورهما‏.‏
فالعرب والمسلمون أغلبيتهم‏(‏ مثل معظم البشر في العالم‏)‏ لا يتسمون بميل يفوق ميل الآخرين للعنف والقسوة ولا يسعون إلي محاربة الآخرين حتي يسيروا علي ملتهم ونهجهم‏..‏ إلا أن الواقع يؤكد أن هناك تيارا في واقعنا تنطبق عليه كل هذه الصفات‏,‏ وهو التيار الذي يصر علي تحويل الدين الإسلامي العظيم إلي سياسة صرف‏.‏
فبعض هؤلاء هم الذين تنطبق بعض أو كل الصفات المذكورة عليهم‏,‏ وهكذا يبدو الفريقان علي خطأ بين‏,‏ فالغرب يسحب صفات سلبية تتوافر في القليل جدا من العرب والمسلمين ويجري تعميما غير علمي وغير صادق وغير دقيق علي كل العرب والمسلمين‏.‏ والغرب في ذلك يرتكب غلطة مزدوجة‏:‏ فهو يسقط في تعميم مغلوط‏..‏ وهو من جهة أخري يعلن اعترافا ضمنيا إما بغير قليل من الجهل أو بالتوجه السياسي المغرض الذي يريد أن يوظف الثقافة والمعرفة بالتاريخ والحضارات والثقافات توظيفا سياسيا محضا‏(‏ وهذا هو بالتحديد ما قام به غربيون كثيرون مثل صمويل هنتنجتون وغيره‏).‏
كذلك فإننا نرتكب من جهتنا غلطة لا تقل في فداحتها عن غلطة الغرب عندما نتصدي لمقولة الغرب عنا في هذا الشأن بتبنينا وجهة نظر تقول إن الغرب يختلق كل تلك السمات والصفات والنعوت‏,‏ فالحق أن الغرب لا يختلقها‏,‏ إذ إنها موجودة بيننا ومن السهل التدليل علي ذلك‏,‏ لكن الغرب يخطئ خطأ بالغا عندما يصف معظمنا بما لا يوجد إلا في أقل القليل منا‏,‏ وهذا القليل توجد في كل المجتمعات نسب مئوية منه‏,‏ فرغم كراهيتي للتعصب في شتي صوره وأشكاله‏,‏ فإنني أعتقد أن الجناح المتطرف بين اليهود يتسم بدرجة من التطرف لا مثيل لها في العالم‏,‏ وأن بين مسيحيي الولايات المتحدة من يحمل من التطرف في مواجهة الآخرين ما يثبت أن التطرف من القواسم المشتركة بين كل الجماعات الإنسانية‏,‏ ولكن العبرة بمدي تعامل المجتمعات مع هذا الطفح الموجود‏(‏ بنسب مختلفة‏)‏ في كل المجتمعات‏.‏
ويكفي لإثبات استعداد البعض في الحضارة الغربية للتطرف إصرار أجهزة الإعلام الغربية علي ترجمة كلمة‏(‏ الله‏)‏ إلي‏ALLAH‏ وليست‏GOD,‏ برغم أن الكتاب المقدس للمسيحيين واليهود يستعمل كلمة‏(‏ الله‏)(‏ راجع مطلع المزمور‏16‏ علي سبيل المثال‏)..‏ وذلك لتثبيت أن المسلمين يعبدون إلها خاصا بهم وليس‏(‏ الله‏)‏ المشترك بين الديانات الإبراهيمية الثلاث‏.‏
والخلاصة‏:‏ أن السياسة هي التي تحرك أعدادا كبيرة من الغربيين تجاه الثبات علي أحكام الغرب التعميمية في حق العرب والمسلمين‏..‏ ووراء السياسة تقف المصالح‏(‏ لاسيما في العقل الأنجلوسكسوني الذي يضمر فيه دور المبادئ ويتعاظم فيه دور المصالح‏).‏ وعلي الجانب الآخر فإننا نقف كثيرا موقف التقصير البالغ في حق أنفسنا ونمارس الدور الذي أتقناه خلال تاريخنا الحديث‏,‏ وهو أن نكون أسوأ المحامين عن أمورنا‏:‏ ويتجلي ذلك عندما تتبني الأغلبية في جانبنا مفردات خطاب الأقلية وتتعامل مع الآخرين من منطلقات فكر الخوارج الذي تتسم به أجنحة عديدة من أجنحة الإسلام السياسي‏,‏ فنتحدث عن الجهاد بمعني مقاتلة الآخرين وكأنه ركن الأساس في ديننا‏(‏ والأمر ليس كذلك‏..‏ وأحيل القراء إلي كتابات بالغة العمق في هذا الصدد للمفكر المصري المستشار محمد سعيد العشماوي‏),‏ ونتحدث عن الآخرين‏(‏ وبالتحديد المسيحيون واليهود‏)‏ مستعملين صفة الكفار برغم أن الإسلام لا ينظر إلي المسيحي أو اليهودي ككافر‏..‏ إلي آخر تلك السقطات التي يهوي إليها البعض منا بدافع الانفعال والعاطفة والغضب من ظلم الغرب لنا‏,‏ وميل بعض الغربيين للكيل بأكثر من مكيال وازدواجية المعايير‏..‏ وهو ما لا يجب أن نسقط فيه لأن العقل كلمة عربية مستقاة من إلجام الجموح وهو ما يأخذنا إليه الانفعال والعاطفة والغضب‏.‏
ومن جهة أخري فإن الغرب ليس بدرجة السوء التي نظن‏.‏ فالغرب مشغول بمصالحه وليس بالتآمر علينا كما يظن الكثيرون منا‏.‏ والغرب لا يعطينا‏(‏ سر السلاح‏)‏ و‏(‏سر الدواء‏)‏ كما ذكر كاتب كبير منذ أيام‏,‏ ولكننا عندما نقول ذلك فإننا نرتكب مجموعة من الأخطاء في اللحظة نفسها‏,‏ فالغرب حصل علي سر السلاح وسر الدواء بالعمل والجهد وليس بالحصول عليه من آخرين‏..‏ والغرب لا ينتظر منه عاقل أن يمنح‏(‏ سر السلاح وسر الدواء‏)‏ للآخرين في تصرف ملائكي يخالف طبيعة البشر‏..‏ ونحن أنفسنا لو كان لدينا‏(‏ سر السلاح وسر الدواء‏)‏ والآخرون محرومون منهما فلا يوجد دليل واحد علي أننا كنا سنتصرف بملائكية ونمنح الآخرين‏(‏ سر السلاح وسر الدواء‏)..‏
وأخيرا‏..‏ فإن عدم حيازتنا لسر السلاح وسر الدواء هو أمر ينبغي أن نلوم أنفسنا لا الآخرين علي كونه حقيقة قائمة تشهد بالتقاعس لا بالبراءة‏.‏ وإذا بذل مفكر جهودا مضنية ليثبت أن الغرب لم يتدخل بالكيفية التي رأيناها في أفغانستان إلا لمصلحته لقلنا له إنك ما كنت بحاجة إلي بذل الجهد لتثبت وجود الشمس في كبد السماء ونحن جميعا نراها فوق رءوسنا‏.‏
ولا أجد ما أختم به هذا المقال أفضل من حديث عابر لشخص غير مهتم بالسياسة سمعته منذ أيام يقول‏:‏
في كل مرة نهزم فيها في لعبة كرة القدم فإننا نوجه اللوم إما إلي الحكم المتآمر ضدنا‏,‏ أو الجمهور المعادي لنا‏,‏ أو للطقس‏,‏ أو لظروف الرحلة إلي المباراة‏..‏ لكننا لا نسمع في أية مرة لوما للاعبين أو لاتحاد الكرة‏!..‏ قال المتحدث هذا وهو يظن أنه لا يتكلم في السياسة‏..‏ وما أفدح خطأه‏!‏(الأهرام المصرية)