قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


راجح الخوري
ليس غريبا ان ينظر المسؤولون في اسرائيل بامتنان كبير الى المرحلة الراهنة، التي تزدهر فيها صناعة الحرب على خلفية ما جرى في نيويورك وواشنطن في 11 ايلول (سبتمبر) الماضي، لكن الغريب ان يتمكن ارييل شارون من اقناع الادارة الاميركية باعطائه هامشا خاصا بموازاة "الحرب العالمية ضد الارهاب".
وفي الواقع منذ انتهاء زيارة رئيس الحكومة الاسرائيلية الى واشنطن بداية هذا الشهر، صار الحديث في تل ابيب يتركز تقريبا على عنوان مرحلي ذي دلالة متعلقة بالهامش المذكور اعلاه، حيث لا تخلو تصريحات المسؤولين وبياناتهم من الاشارة الى: "الفرصة الاستراتيجية السانحة التي توفرها الضغوط الدولية لحسم الحرب ضد الارهابيين"!
وقبل الحديث عن "الإرهابيين" الذين يشار اليهم في اسرائيل، وعن "الفرصة الاستراتيجية" يتعين التذكير، بأن شارون سعى جاهدا بعد احداث ايلول في اميركا، الى اقناع الادارة الاميركية بتشكيل تحالف ضيق يخوض حربا واسعة تبدأ في افغانستان وتصل الى الشرق الاوسط، بدلا من تحالف واسع يقود حربا ضيقة تقتصر على نظام طالبان وتنظيم "القاعدة" الذي يقوده اسامة بن لادن.
وكان واضحا تماما ان ادارة بوش الابن حذت حذو ادارة بوش الاب في تنحية اسرائيل جانبا، عند الحديث عن تشكيل تحالف دولي يحتاج الى مشاركة عربية واسلامية حيوية في اعماله، حصل هذا في حرب الخليج الثانية المعروفة بـ "عاصفة الصحراء"، وحصل بداية في الحرب ضد افغانستان التي نشبت تحت عنوان "الحرية الدائمة".
ولا ندري ماذا حصل في الشهرين الماضيين وادى الى تغيير واضح بدأنا نلمس معالمه منذ ثلاثة اسابيع تقريبا، ولكن من المؤكد ان هناك ثلاثة عناصر اساسية لعبت دورا في خلق هذا الانعطاف الكبير والخطير في الموقف الاميركي وهي:
اولا: قيام اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الاميركية وتحديدا داخل الكونغرس الاميركي بحملة من الضغوط على الادارة الاميركية ترافقت مع حملة تشويه في وسائل الاعلام، بهدف ربط العرب والمسلمين عموما بموجة الكراهية الموجهة ضد اميركا، والسعي الى اقناع الرأي العام الاميركي والغربي بأن ما جرى في نيويورك وواشنطن، أمر كريه لكنه يلقى ارتياحا في العالم العربي، بما يعني استطرادا ان الثقافة السياسية في هذه الدول لا يمكن ان تنتج إلا هذا النوع من "الممارسات الارهابية".
وبناء على هذه النظرية راحت وسائل الاعلام تصور اسرائيل وكأنها "خط الدفاع الاول في مواجهة الارهابيين"، وانه لا يجوز تقديم مكافأة ثمينة لهؤلاء "الإرهابيين" عبر الحديث عن ضرورة قيام "الدولة الفلسطينية" كأمر اساسي يفضي الى السلام في الشرق الاوسط.
ثانيا: لقد تعمدت مراكز اللوبي الصهيوني ووسائل الاعلام في اميركا واوروبا، التركيز على الايقاع غير الواضح او المنتظم الذي اظهرته دول عربية واسلامية كثيرة حيال الحرب ضد افغانستان و"القاعدة"، لا بل ان هذه الوسائل صورت العرب والمسلمين في موقع المعارض والمحتج على "ظلامة" الحرب الاميركية، بما يهدف ضمنا الى تصوير هؤلاء امام الرأي العام الغربي وكأنهم يقفون أو يساندون نظام طالبان وتنظيم "القاعدة"، اي انهم ينتمون الى صفوف "العدو الارهابي" الذي تمكنت واشنطن من ان تحشد لمحاربته اوسع تحالف في التاريخ المعروف، حيث وجدت الى جانبها روسيا والمجموعة الاوروبية والصين والهند وعددا كبيرا من دول العالم.
ثالثا: استغلت اسرائيل المناسبة لاقناع التحالف الدولي بأن التنظيمات المتشددة التي تواجهها وخصوصا "حماس" و"الجهاد الاسلامي" انما هي ايضا شكل آخر من اشكال "الارهاب" تماما مثل طالبان والقاعدة.
وفي هذا المجال ركزت الآلة الاعلامية والديبلوماسية الاسرائيلية على تظهير المواقف والتصريحات اليومية التي تتحدث عن الانحياز الاميركي الى اسرائيل وتستعمل لغة وتوصيفات لا تخلو من الانتقاد والتنديد، وهذا امر معروف في مواقف انظمة عربية كثيرة ومنظمات كثيرة ومنها "حماس" و"الجهاد" و"حزب الله" وغيرها، وكان التركيز بهدف خلق حال من التعمية تجعل الرأي العام في اميركا والغرب عموما مقتنعا، بأن الكراهية العربية والاسلامية اذا كانت متوافرة اصلا عند الانظمة، فإنها موجهة ضد الاميركيين عموما وليس ضد السياسة الاميركية في الشرق الاوسط.
اما في ما يتعلق بالمنظمات فقد تم التركيز على اقناع الغرب بأن الكراهية تتجاوز سياسة الانحياز الاميركي الى اسرائيل لتصل الى الحضارة الغربية عموما وقناعاتها واساليبها وممارساتها.
وهكذا ومع مجيء وليم بيرنز وانطوني زيني الى فلسطين المحتلة في مهمة محددة لوقف النار ومحاولة اعادة الاسرائيليين والفلسطينيين الى المفاوضات لايجاد ترجمة لـ "الرؤية الأميركية" التي قدمها كولن باول في كنتاكي ودعا فيها صراحة الى قيام دولة فلسطينية، كان شارون قد نفذ سلسلة من الجرائم والتصفيات الدموية وصلت الى حد قصف الطلاب الفلسطينيين بمدافع الدبابات حيث قتل منهم خمسة وجرح اكثر من 15، وكان واضحا انه يستسقي قيام رد فلسطيني عنيف يتزامن مع وصول بيرنز وزيني، بما يظهر الفلسطينيين وكأنهم يريدون تدمير الوساطة الاميركية، وهذا ما حصل بالفعل.
وعلى خلفية القتلى الاسرائيليين الذين سقطوا في العمليات الاستشهادية التي نفذها عناصر من "حماس" و"الجهاد" داخل "الخط الاخضر"، طار ارييل شارون الى واشنطن وهو يحمل في جعبته مجموعة من المزاعم والمسوغات التي تساعده في خلق انعطاف مثير في الموقف الاميركي الذي كان قد صدم فعلا بالفشل الذريع الذي واجه مهمة زيني بسرعة تفوق التصور.
ويبدو ان شارون قد نجح في هذا الامر، وهناك مجموعة واسعة من العوامل والمواقف تؤكد هذا، وخصوصا الحديث عن "حق اسرائيل في الدفاع عن النفس" الذي جاء بمثابة ضوء اخضر لشارون للقيام بعملياته التدميرية الواسعة ضد السلطة ورئيسها ياسر عرفات.
وفي الواقع ان الدعوات المتلاحقة والمتصاعدة الصادرة في اميركا واوروبا، والتي تقول ان "حماس" و"الجهاد" حركتان ارهابيتان يجب تفكيكهما، وان عرفات لا يبذل ما يكفي من الجهود في هذا الاطار، شكلت مؤشرا قويا على الانعطاف الاميركي، الذي اشارت اليه صحيفة "هآرتس" صراحة في الرابع من هذا الشهر عندما كتب الوف بن يقول: "ان شارون تمكن من ان يحصل من بوش على هامش تحرك سياسي وامني واسع (...) وان اولى ملامح هذا الهامش كان الحديث عن حق اسرائيل بالدفاع عن النفس، وهو ما جعل عرفات يرفض الاجتماع مع زيني بعد صدور البيان الاميركي".
ويأخذ الانعطاف الاميركي شكلا اشد خطرا واعمق تأثيرا اذا صدقنا ما اورده موقع "دافكا" الاخباري الاسرائيلي على شبكة الانترنيت، الذي قال ان زيارة شارون انتهت بمفاجأة كبيرة، فقد عقد اجتماع بين جورج بوش وكوندوليزا رايس وكولن باول وبين شارون وضع أسسا اولية لتفاهم مشترك حول "الجبهة الثانية ضد الارهاب بعد افغانستان".
ويضيف الموقع ان اللقاء المذكور ربما كان احد اغرب اللقاءات واكثرها اهمية منذ 11 ايلول (سبتمبر) الماضي، اذ قيل ان تفاهما مبدئيا قد حصل على ان تكون الضربة الثانية ضد الارهاب موجهة الى المنظمات الفلسطينية والى الآلة العسكرية لـ "حزب الله"، وان شارون قد عرض على الاميركيين ان يقوم الجيش الاسرائيلي بتدمير كل او معظم أطر "الارهاب" الفلسطينية بما فيها اجهزة الامن والاستخبارات.
ومن المعروف ان الاجتماع المذكور عقد صباح يوم احد وقبل موعده، وقيل ان بوش استعجل عقده لكي يعود شارون لمواجهة موجة العنف المتفاقمة، ومن الواضح ان "الاجتماع الامني" الذي عقدته اللجنة الوزارية بعد عودة شارون، اخذ بنصيحة دينيس روس، التي تقول: "ان حربا فلسطينية ضد الارهاب الفلسطيني هي الوسيلة الوحيدة لانقاذ السلطة الفلسطينية واستعادة اسس جهود السلام.. الأمن للاسرائيليين والفلسطينيين وانهاء هيمنة اسرائيل على حياتهم".
وما حصل منذ ذلك التاريخ، اي في الاسابيع الثلاثة الماضية معروف، بما في ذلك طبعا تكثيف الاختراقات الجوية المعادية للاجواء اللبنانية، وقد وصلت الى مستوى قيام 30 مقاتلة بأكثر من 28 خرقا في اقل من 12 ساعة، وهو ما شكل احد الملامح الاضافية المتصلة بالحدود المحتملة للضربة الثانية في الحرب ضد "الارهاب".
ولكن، وما بدا بمثابة مأزق يلف الرئيس ياسر عرفات كان في الحقيقة مأزقا يلف شارون، فالحديث عن وقف النار وضرورة الالتزام به لتأكيد وحدانية السلطة اثار مخاوف واسعة في رئاسة الحكومة الاسرائيلية الى درجة ان صحيفة "هآرتس" كتبت يوم
2001/12/21 تقول: "ان الذعر اصاب القيادة السياسية والمستوى العسكري، لأن وقف النار سوف يحشر اسرائيل في الزاوية ويدفعها الى سحب مجنزراتها ووقف عملياتها المنهجية".
واكثر من هذا تحدثت الصحيفة عن خطط وضعت استعدادا لأوقات "الطوارئ الحقيقية"، عندما يتوقف الفلسطينيون فعلا عن اطلاق النار لتنهار كل قواعد طروحاتنا الاعلامية... وربما ينهار حلم شارون الذهبي بأن يخوض في شيخوخته آخر حروب حياته الحافلة بالعدوان والدم، وان تكون هذه الحرب نيابة عن العالم وضد "الارهابيين" من فلسطين الى لبنان!!
(الشرق الاوسط اللندنية)