قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&

فيينا ـ& مصطفي عبد الله‏: فاجأ الايطالي بينو ارلاكي مدير مقر منظمة الامم المتحدة بفيينا والمدير التنفيذي لبرنامج الامم المتحدة لمراقبة المخدرات ومنع الجريمة الجميع بعد أن اعلن أنه سينهي فترة عمله بصورة مبكرة اعتبارا من اول شهر يناير المقبل واوضح في بيان وزعته الدائرة الاعلامية بمقر المنظمة في فيينا ان بينو ارلاكي ابلغ هذا القرار للجنة الامم المتحدة لمراقبة المخدرات خلال اجتماعات الدورة الرابعة والاربعين التي انتهت في فيينا يوم الجمعة الماضي‏,‏ واشار البيان إلي ان بينو ارلاكي اتخذ هذا القرار في سياق اتفاق مع الامين العام للامم المتحدة خلال لقائه الذي تم بينهما في نيويورك في نوفمبر الماضي‏.‏
وامتدح البيان مستوي اداء وانشطة برنامج الامم المتحدة لمراقبة المخدرات ومنع الجريمة خلال فترة رئاسة ارلاكي التي استمرت خمس سنوات‏.‏
واشار الي ان تلك الفترة شهدت حدثين مهمين هما عقد الدورة الخاصة للجمعية العامة في عام‏1998‏ والتي كانت مخصصة لمناقشة مشكلة المخدرات علي نطاق عالمي والحدث الثاني اقرار معاهدة الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة في العام الماضي‏,‏ والتي فتح باب توقيعها خلال مؤتمر دولي عقد في باليرمو بايطاليا في نوفمير من العام نفسه‏.‏
وجدير بالذكر ان بيانا صحفيا اصدره مكتب ارلاكي بعد لقائه مع كوفي عنان اكد ان بينو ارلاكي لن يتقدم بطلب تمديد فترة ولايته لمدة ثانية ولكنه اشار الي ان هناك اتفاقا علي البقاء في منصبه لمدة‏6‏ اشهر أي حتي شهر يونيو المقبل وهذا ماجاء مخالفا لما كان يرغبه ارلاكي‏.‏
ويعتقد المراقبون ان ضغوطا مارستها بعض الدول علي ارلاكي لانهاء فترة ولايته قبل موعده الرسمي وهو اواخر فبراير‏2002.‏
وجدير بالذكر ان عدة دول اعضاء في لجنة الامم المتحدة للمخدرات انتقدت بينو ارلاكي واتهمته بسوء الادارة وتبذير الاموال وعدم تنفيذ برنامج الامم المتحدة للقضاء علي المخدرات في افغانستان واشاعة اجواء من القلق والبيروقراطية في صفوف موظفي برنامج الامم المتحدة للمخدرات‏,‏ علاوة علي مااثير بشأن علاقته بعصايات المافيا والتورط في علاقات مشبوهة مع احدي الشقراوات التي تعمل لحساب مخابرات احدي دول اوروبا الشرقية‏.‏
يذكر أن تفجير ازمة ارلاكي كان نتيجة نشر ميشيل فان دير شولن بيرج وهو احد كبار خبراء مكافحة المخدرات في وسط آسيا وافغانستان بعد ان استقال من منصبه في برنامج الامم المتحدة بيان صحفي اتهم فيه ارلاكي في اوائل هذا العام بالاتهامات السالف ذكرها‏,‏ سارع علي اثرها كوفي عنان الي ارسال لجنة تحقيق الي فيينا وباشرت مهمتها للتأكد من صحة الاتهامات ورفعت مذكرة للامين العام وتبين ان بعض هذه الاتهامات صحيحة ولكن لم توجه ادانة شخصية لارلاكي‏.‏
المعروف ان ارلاكي يتقاضي راتبا من الامم المتحدة قدره‏167‏ ألف دولار سنويا بالاضافة الي بدلات السكن والاستقبال وخلافه‏,‏ وكان يشغل منصب وزير داخلية في ايطاليا‏,‏ كما كان عضوا في مجلس الشيوخ وقاد حملة واسعة للمكافحة ضد تجار المخدرات وعصابات المافيا الايطالية‏.‏
جدير بالذكر ان عدة دول اوروبية عارضت ارلاكي‏.‏ ووصلت هذه المعارضة الي درجة ان بعض الدول مثل هولندا قطعت مساهمتها عن برنامج الامم المتحدة لمراقبة المخدرات ومنع الجريمة‏.‏
ومع ذلك لاينكر احد النجاحات التي حققها ارلاكي في مجال مكافحة الجريمة والمخدرات علي المستوي الدولي اذ انتهج نهجا غير تقليدي‏,‏ لعل ابرزها ماشهدته دولة لاوس التي انخفضت فيها زراعة الافيون ممااعتبرتها لجنة تحكيم دولية نموذجا واختارتها كواحد من خمسة مشاريع مشابهة تم عرضها في معرض هانوفر اكسبو‏2000.‏
يقدم المشروع الذي تنفذه حكومة لاوس بمساعدة برنامج الامم المتحدة لمراقبة الجريمة والمخدرات الذي ترأسه ارلاكي الي مزارعي لاوس بديلا ممكنا عن زراعة الخشخاش المؤثر اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا ونجح هذا الاجراء نجاحا بشكل منقطع النظير في منطقة بلافيك‏.‏
وأدت الجهود المشتركة بين لاوس وبرنامج الأمم المتحدة إلي تخفيض كمية الأفيون المنتجة في هذه المنطقة من‏3.5‏ طن سنويا إلي أقل من‏100‏ كيلو جرام‏,‏ وفي نفس الوقت تم التغلب علي نقص كمية الأرز في هذه المنطقة وشهدت زيادة في انتاج الأرز وأصبحت تزيد علي الحاجة‏,‏ مما أدي إلي تحسين الظروف المعيشية بشكل كبير للسكان‏,‏ وتم تعليم السكان زراعة الفواكه المختلفة مع زراعة الأرز وطرق تربية الأسماك وحماية الماشية من الأمراض وأدخلت زراعة البن والفلفل وحب الهال والزنجبيل كنباتات كثيرة الدخل‏,‏ وشنت حملة لمكافحة الملاريا أدت إلي خفض عدد الاصابات به‏,‏ وأصبح بامكان السكان شرب المياه النظيفة وتعليم عدد كبير من الأطفال بالمدارس‏.‏
هذه هي بعض أفكار أرلاكي من أجل مواجهة حاسمة وجذرية لمشكلة المخدرات التي يؤمن بأنها مشكلة معقدة يجب أن يتم البحث لها عن حلول عالمية علي المستوي الدولي وعدم الاكتفاء بالحلول المحلية‏,‏ حيث كان يؤكد في كل المحافل الدولية ضرورة مواجهة الجريمة والمخدرات بشكل يتناسب مع أسلوب العصر الذي أصبح يتميز بظاهر العولمة وفتح الحود مما يصعب معه حصر أشكال الجريمة في قوالبها التقليدية‏,‏ كما أكد ضرورة أن تكون المواجهة عالمية‏.‏
وأرلاكي من أول المحذرين من ارتباط المخدرات بالجريمة المنظمة وضرورة تغيير النظرة عما كانت عليها قبل أكثر من عشر سنوات‏.‏
وحذر من أن عدد مدمني المخدرات في العالم وصل نحو مائتي مليون‏,‏ كما يري أرلاكي وفقا للدراسات والأرقام التي يطلع البرنامج باعدادها أن أفغانستان تنتج‏70%‏ من الانتاج العالمي‏,‏ كما حذر أرلاكي من انتشار الاستخدام المفرض للعقاقير المخدرة الذي أصبح عادة اجتماعية خاصة في الدول النامية‏,‏ حيث يتم استخدام المواد الممنوعة في علاج المعاناة من المشكلات النفسية والاجتماعية بسبب سهولة الحصول عليها‏,‏ مما يؤدي إلي مشكلات طبية عديدة منها التأثيرات الجسمانية والنفسية‏.‏
كما يعتبر من أبرز انجازات أرلاكي هو إنشاء مكتب لبرنامج المنظمة لمراقبة المخدرات والجريمة في المناطق الاقليمية أهمها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي يمثلها مكتب القاهرة ليقدم خدماته لهذه المنطقة التي تعتبر من المناطق النشيطة في مجال تجارة المخدرات‏.‏
فمكتب القاهرة من وجهة نظر أرلاكي يلعتب دورا مهما في تنفيذ الاستراتيجيات الدولية لمكافحة المخدرات لأن التعاون بين البرنامج والمكتب يشمل جميع برامج المراقبة ومكافحة المخدرات غير المشروعة‏.‏
ومن أبرز ما يؤمن به أرلاكي هو ضرورة التعاون الدولي لمواجهة جميع أشكال الجريمة ومساعدة الدول الغنية للدول النامية والأقل نموا في القضاء علي مشكلة المخدرات‏,‏ لذلك كانت تسير جهوده في هذا الاتجاه‏,‏ حيث كان يعقد لقاءات خاصة في عواصم الدول الأوروبية من أجل جمع الأموال المطلوبة لدعم ومساعدة المزارعين المتضررين من عدم زراعة الكوكا والحشيش لتطوير مكافحة المخدرات علي مستوي العالم‏.‏
كما ركز أرلاكي علي ضرورة تقديم المساعدات الفنية للدول النامية والأقل نموا من أجل مراقبة المخدرات عن طريق تدريب وتوفير المعدات المناسبة لهم لرفع مستوي مكافحة المخدرات‏.‏ ولذلك أعلن أرلاكي ثلاثة برامج علي المستوي العالمي لمكافحة الفساد المتمثل في الرشوة والتجارة في البشر والجريمة المنظمة باعتبار أن هذه الأمور الثلاثة لها علاقة واضحة بالجريمة المتزايدة المتخطية للحدود‏.‏
كما أن الاجرام الدولي ازداد بشكل كبير في السنوات العشر الأخيرة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق وتفكك الدول التي كانت تسير في فلكه‏,‏ مما حدا بمركز الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات والجريمة إلي وضع برنامج بالتعاون مع معهد الأمم للأبحاث الدولية المتعلقة بالإجرام والعدالة اشتمل علي دراسة عالمية حول الفساد وأنواع وفعالية الإجراءات المضادة له‏,‏ كما تضمن خطة فنية لتقوية قدرات الدول الأعضاء في تجنب الفساد‏.‏
ووضع أرلاكي في قمة أولوياته أهمية إنشاء بنك دولي للمعلومات كواحد من أهم نتائج هذه الدراسة‏,‏ وتقدم هذه البرامج معلومات موثقة عن نشوء التنظيمات الإجرامية الجديدة التي تعمل عبر الحدود ويأخذ علي عاتقه تقويم التنظيمات الإجرامية في جميع أنحاء العالم‏,‏ كما تهتم تلك الجرائم بالمشاركة المتزايدة للمجموعات الاجرامية المنظمة في عمليات تهريب المهاجرين‏,‏ والتركيز علي التحالفات الدولية والوطنية في مجالات الشرطة ودوائر الهجرة ومنظمات رعاية الضحايا والهيئات الأخري العاملة في مجال مكافحة هذه الأعمال‏.‏
لذلك فإن كثيرا من المراقبين يرون أن إنهاء أرلاكي خدمته بطريقة غير طبيعية في هذا الوقت بالذات هو بمنزلة نجاح لبعض الدول التي أعلنت استنكارها لسياسة أرلاكي‏.‏
كما يعتبرها البعض ضغطا شديدا من قبل منظمات الجريمة المنظمة وعصابات المافيا التي قد تكون اخترقت منظمة عالمية كمنظمة الأمم المتحدة‏,‏ يساتعد علي ذلك عدم رغبة بعض الدول الغنية في تقديم مساهمات مالية لبرنامج الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات والجريمة‏.‏
وأي كانت نتائج التحقيقات التي أجرتها لجنة الأمم المتحدة في الوقائع التي اتهم فيها أرلاكي‏,‏ وبصرف النظر عما إذا كانت صحيحة أومجرد افتراءات‏,‏ وأيا كان سبب الاطاحة بأرلاكي من منصبه الذي يعتبر من أخطر المناصب في منظمة الأمم المتحدة لم يتبق إلا سؤال واحد وهو‏:‏ من الذي سيخلف أرلاكي في إدارة البرنامج والمقر؟
تردد داخل أوساط منظمات الأمم المتحدة أن المرشح القوي لهذين المنصبين المهمين‏(‏ مدير مقر منظمة الأمم المتحدة بفيينا ومدير المركز الدولي لمراقبة المخدرات والجريمة‏)‏ هو حميد قدسي فيزياني وهو بريطاني الجنسية من أصل إيراني ومتخصص في شئون المخدرات‏,‏ رأس حاليا مجلس محافظي لجنة الأمم المتحدة للمخدرات‏.‏
فهل سيفوز هذا المرشح بالمنصب الدولي الرفيع أم يحمل‏2002‏ مفاجأة لمقر الأمم المتحدة بفيينا لم يعلن عنها بعد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان؟
وهل المدير الجديد أيا كان من هو سيسير علي نفس نهج أرلاكي‏,‏ أم سيطرح استراتيجيات وأفكارا جديدة تساعد في مكافحة الجريمة والمخدرات علي المستوي العالمي‏.‏
(الاهرام)