قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&
.&C.A.R.P.E.N.T.E.R
&
ألحَ عليّ أبي أن أرافقه إلى النهر لنصطاد السمك. ولم أفلح في إقناعه بضرورة مراجعة دروسي، فقبلت. في البساتين، كنا نقفز من ساقية إلى ساقية بحثاً عن الدود لنستخدمها كطعم. هناك، وعند حافية ساقية وجدنا آلة كاتبة سوداء بحروف عربية. كنت أعرف الأبجدية الانكليزية، فتهجيت ماركتها C.A.R.P.E.N.T.E.R فرحت بالآلة وفرح معي أبي. وبإشاراته أوضح لي أنه لا داعي لأخذ الكاربنتر إلى البيت فورا، وأنه يعرف مكاناً آمناً، نخفي فيه "كنزنا" حتى عودتنا من النهر. على مضض وافقت ككل الأطفال. راح أبي يعبر ساقيتين أو ثلاث، يختفي للحظات خلف شجرةِ شوكٍ كبيرة ثم يعود مبتسماً.
كانت الصنارة غاطسة في الماء، وكنا ننتظر اهتزازها مرة أخرى، حتى طال انتظارنا. رويداً رويداً، رأيت الكاربنتر تطفو على سطح الماء، سابحة باتجاه الضفة الأخرى من النهر. أشرت لأبي أن نعود إلى البيت. ضحك وهو يمدُّ يده في عبّه ويخرج صفحة مقتطعة من مجلة انكليزية. أشار إلى صورة امرأة شقراء راسماً الإشارات التالية: هزّ قبضة يده اليسرى عدة مرات إلى الأمام وإلى الوراء/ ضرب بسبابته اليسرى على صدره (يقصد أنه ضاجعها) وضحك مفتخراً. أغمضت عينيّ وهززت رأسي محاولاً أن أبعد عن ذهني كلام أمي "يا أولاد، الله لا يظلم أحداً، وهو يعرف لماذا قطع لسان أبيكم". وبعد لحظات أشار إلى السمكات الصغيرة المحبوسة في كيس النايلون، بجانبي، ثم أشار إلى ذكري/ ثم إلى طول صنّارته/ عمل بيديه حركة وكأنّه يقشر موزة. ففهمت أنه يقول "إن ذكرك الآن يشبه السردينة، وحين تكبر سيصبح مثل الموزة" فضحكنا.
ولكن الكاربنتر لم تكن في مخبئها حين عدنا من النهر، فبان الحزن في وجهي، ورأى أبي الدموع تتجمع في عيني. بحركة خاطفة عصرَ بقبضته اليسرى غصناً من شجرة الشوك فتطايرت الدماء من بين أصابعه، أحسست أن شيئاً يوخز قلبي، أو شيئاً يسقط من قلبي. خلعتُ قميصي الأزرق ذا المربعات الحمراء والزرقاء، وربطت له يده، مبتسما. وظلت صورة الكاربنتر في مخيلتي طوال الوقت.
كنت أبيع ساندويتشات "العنبة" أمام صالة السينما وأنا أفكر بكاربنتري. ومما زاد في ألمي وحرقة قلبي، أن قرياقوس قال لي "قرأت منذ أمد بعيد، إن الآلة الكاتبة تمتلك سحراً خاصاً في اجتذاب دواخل من يداعب حروفها، وأنه من المستحسن للفنان أن يطبع أعماله على الآلة الكاتبة بنفسه، لأنه عندها سيكتشف كم هي خائنة كتابة اليد". وقال أيضاً "إن الآلة الكاتبة، عدا عن جمالية الشكل وسهولة القراءة، تمنح العمل، ومنذ السطور الأولى جدّية ووقاراً". وأضاف متنبئاً "إن الآلة الكاتبة التي ظهرت أمامك عند حافة ساقية، وسط البساتين، لا أعتقد أنها تختفي بهذه السهولة. ثمّة قصّة قد رسمت بداياتها، ولا بد من ظهور تلك الآلة إن عاجلاً أم عاجلاً".
وبعد اأيّام من "سرقة" الكاربنتر، قال لي قرياقوس "إن الفنان بلا آلة كاتبة مثل سائق بلا سيارة" وكنت أعرف أن قرياقوس كان في شبابه سائقاً.
وذات يوم قرر يوشيّا البقال (منذ أشهر وهو يتحدث عن ذلك) إقفال دكانه الصغير والهجرة إلى ديترويت، ملتحقاً بابنته فكتوريا. كان الوقت ظهراً حين ناداني يوشيّا "تعال يا لعين يا كاوبوي، لقد وضعتُ لكَ جانباً صندوقاً كاملاً من مشروب "المِشِن" وعشر قنان أخرى لصديقتك نسرين". أخذت حصة نسرين؟؟ طرقت باب منزل الخالة زهرة. فتحتْ نسرين الباب وهي تبتسم. قبلت هديّة يوشيا وهي تفسح لي الطريق نحو المطبخ. وأنا أضع القناني على الطاولة، سقطت عينيّ على الكاربنتر. كانت هناك، مضطجعة على يمين مدخل الصالون.
"أوه"..
"ما بكَ؟" قالت نسرين.
" لا شيء، لا شيء". قلت ثم هممت خارجاً وشبح الكاربنتر أمامي.
كنت مغرما بنسرين (كانت في السابعة عشرة وكنت في العاشرة) وكنت مستعدا لأن أقوم بأي شيء لإرضائها. كانت ترسلني للسوق (كم كنت أحب ذلك). كنت أضع مصروف جيبي وما أسرقه من عملي مع نصرت شاه فوق نقودها، وأقول لها "أرأيت أنني أشتري الأشياء بأسعار رخيصة", وأضيف متباهيا "إن الخضارين والبقالين واللحامين والبزازين يعرفونني ويحبونني".
"أنت لطيف"& كانت تقول، ثم تطبع قبلة على خدي، كثيرا ما كانت تلامس جانبا من شفتي، فكنت اشعر بوخزة في قلبي، أو بشيء يسقط من قلبي.
"إذا كنت مستعدا أن تفعل أي شيء لإرضائها، لتكن الكاربنتر عربون محبتك لها"& قلت في نفسي. لكن الذي ظل يقلقني ويشغلني لأيام وأيام: كيف انتقلت الكاربنتر من تحت شجرة الشوك إلى مطبخ خالة نسرين؟".
جمعنا الملح، شمشون وحسين وأنا، ثم عدنا إلى البيت. وكالعادة، صنعت صفيحة كبيرة من "الازبري" وانطلقت نحو مدرسة البنات. كان كل شيء على ما يرام، آخذُ النقود من التلميذات وأناولهن كؤوس الازبري حتى سمعت صراخ بعض التلميذات "حيّة، حيّة، حيّة" هرعت إلى مكان الصراخ.& كانت أفعى كبيرة، طولها متر ونصف تقريبا، وقد بدت متعبة. تناولت الحجارة ورحت أركز ضرباتي على رأسها، وسط الصراخ، ولما جاء فرّاش المدرسة كانت الأفعى قد تجمدت في مكانها. وبجرأة (من الصعب أن أنسى برجو)، جرجرت الأفعى من ذيلها أمام أعين البنات اللواتي رحن يصرخن "جويي قتل الحيّة، جويي قتل الحيّة". ولو لم يدق جرس المدرسة ويأخذ الفرّاش الأفعى ويرميها في مكان خرب، ربما كنتُ خلعت قميصي، مثل هرقل، وأدخلت يدي بين فكي الأفعى لأشقها إلى نصفين. وقد طلب مني نصرت شاه أن أغسل يدي بالصابون عدة مرات "لربما علقت بعض السموم في يديك". كما قال.
وحين رويت لأمي كيف قتلت الأفعى، معاوداً هتافات التلميذات "جويي قتل الحيّة" فوجئت بأمي تضرب على خديها وتقول "يا مجنون يا ابن المجنون، هل رأيت إنساناً عاقلاً يقتل أفعى في شهر أيار؟ وراحت تصرخ "لماذا أنت بالذات؟ لماذا لم يقتلها شخص آخر. ها؟ ألا تعرف أن الأفعى تملك روح الثأر؟" وعادت تضرب على خديها وتضيف "لو انك كنت قتلتها في آخر الصيف فأن فصل الشتاء ربما كانت فترة كافية لتنسى صغار الأفعى أو زوجها، أخذ الثأر. أما وانك قتلتها الآن، فأن أهلها سيخططون طوال الصيف للانتقام منك".
"ماذا تقولين؟" صرخت بأعلى صوتي ورحت أبكي.
"والله العظيم، هذه الأفلام لم تترك في رأسك أي قطرة من العقل، صرتَ أسوأ من أبيك. اسمعْ، أنت بدءا من الليلة سوف تنام في الغرفة وتغلق على نفسك الباب. هل فهمت؟".
"نعم أمي".
في ذلك اليوم، روت لنا أمي قصة جدها وأولاده السبعة، قائلة "كان جدي يحتفظ في منزله بأفعى، وذات مرة، تجرأ أحد أولاده أن يقترب من الشق الموجود بين الحائط والسقف، حيث تعيش الأفعى منذ سنوات، ولما وجد بيضتين، أخذهما ولعب بهما مع بقية الأولاد. وفي المساء نزلت الأفعى من "بيتها" وظلت تدور بين الأولاد النائمين جنباً إلى جنب، حتى عرفت الولد الذي أفسد البيضتين، غرزت أنيابها في قدمه اليمنى، حتى انفجر رأسه ومات".
الموت الموت الموت.. صار الموت هاجسي طوال الوقت. في تلك الأوقات كنت أتذكر الكاربنتر، فتظهر أمامي صورة قرياقوس وهو يقول لي. "إن الفنان بلا آلة كاتبة مثل سائق بلا سيارة" فأتألم.
كنت أجول بنظري في كلا زوايا العربة قبل أن أمّد يدي لأتناول أي حاجة. أتلفت في كل الاتجاهات كلما سرت في طريق مظلم. وفي الليل، ورغم الحر الشديد، كنتُ أغطّي نفسي بالبطانية واغلق الباب، دون أن أنسى سد الفتحة الموجودة تحت الباب، ثم أشعل الفانوس لمراجعة دروسي خشية أن يستدل على مكاني "أقرباء" الأفعى أو أحد أولادها. بقيت على هذه الحال أيّاما، رغم أن نصرت شاه قال لي إن ما روته أمي، هو نوع من القصص الخرافية. أما سكينة فقد نصحتني قائلة "اقرأ سورة الناس، عشر مرات ثم نام، ولن يقترب منك لا جان ولا إنسان". وقد أخذتُ بنصيحة سكينة، وصرت قبل النوم اقرأ سورة الناس عشر مرات، وعندما كنت أشك، إن كنت قرأت السورة تسع مرات أو عشرة، كنت أعيد قراءة السورة خمس مرات إضافية لكي اقضي على شكوكي تماما.
وقبل يومين فقط من بدء الامتحانات المدرسية، وكنت في الصف الثالث الابتدائي. ذهبت إلى السينما مع أبي لمشاهدة الفيلم الهندي "دو بدان"*. كان الفيلم حزيناً جداً، وكان كلما غنى الممثل، أحسست أن أبي يلتصق بيّ أكثر فأكثر، حتى اتكأ على كتفي الأيسر، وبعد قليل صار يُطلع أصواتا غريبة.,. تشبه الأنين.. "هم م م م مم آه آه آه آه ها ها هو هو هو هو هو هو هو هو م م م م م هه هههه ممم م م مممممم" .. بعدها وشوش في أذني (يعرف أننا نفهمه) وخرج من الصالة، ففهمت أنه ذاهب إلى الحانة.
بعد خروج أبي بدقائق، شعرت أن أحد الجالسين في المقعد الخلفي، يلقي بقشور "الحب" فوق رأسي وكتفيّ. كنت أزيل القشور، فيعاود الشخص، لعبته. حتى عندما زهقت التفت إلى الوراء، فرأيت خاجيك، ذلك الأرمني الحقير، يأكل "الحب" ويتصنع النظر إلى الشاشة. عندما حدقت فيه بغضب، تحداني وبصق قشوره في وجهي، متشجعاً بجلوسه إلى جانب أحد العاملين في المخبز الذي تملكه أمه. نهضت وطلعت فوق مقعدي وألقيتُ بنفسي فوقه ورحت أوجه& اللكمات إلى وجهه السمين الأحمر والمدور، ثم خنقته بقوة. وكنت سأقتله لولا أن إدارة السينما أوقفت الفيلم وأشعلت الأضواء. لحظتها شعرت بالفرح وأنا أرى وجه خاجيك مدمى تماماً. وحين لاحظت أن عامل السينما يقترب منا، عرفت أنه سيستغل الفرصة ويشبعني ركلا. وضعتُ طرفي قميصي الكبير بين فكيّ "كما يفعل حسوني اللص" وأطلقت العنان لساقيّ باتجاه الحانة، وهناك شرحت لأبي وقائع المعركة، إلى أن جاء أحد رجال الشرطة وسحبني من ياقة قميصي.
"تسرد لأبيك ما فعلته بأبن الارمنية الطيبة، يا لعين. هيا، تعال معي إلى المركز".
فأخذ أبي قنينة البيرة وجرعها مرة واحدة، ثم قهقهة بصوت عال، وعفط. وأنا أعرف أنه عفّط، ليقينه من أن كل الوساطات التي كان يقوم بها ليشتغل عند أم خاجيك، إنما ذهبت أدراج الرياح، بعد الدرس الذي لقنته لولدها.
كانت غرفة السجن خالية تماماً، ومظلمة إلّا من الضوء القليل القادم من مصابيح الحديقة. كنت أمسك بقضبان السجن وأنا أبتسم في سري (كان وضعي، مثل مشهد سينمائي تماماً). بعد ساعة جاءت أمي ومعها قرياقوس وحسين وراحوا يتحدثون إلى مفوض الشرطة؟ وقد سمعت المفوض يقول "أعرف أن عنده امتحانات، ولكن بقاءه عندنا ليومين مسألة لا تحتاج إلى نقاش". اقترب مني قرياقوس وقال ضاحكاً THE PRISONER OF SHARK ISLAND.
لم يكن يكسر هدوء الليل سوى نقيق الضفادع، القادم من الحديقة. ثم أخذ شبح الأفعى يقترب مني قليلا قليلاً.. أخذت أتلفت في كل الاتجاهات، أمدُّ يدي في الزوايا المظلمة واسحبها بسرعة، لأعاود الكرة مرة أخرى بحذائي، ورحت أبكي وأصرخ "أريد أن أخرج من هنا، لا أريد أن أموت، أخرجوني من هنا".ولم يأبه أحد لنداءاتي.
فتحت عينيّ في الصباح فوجدتني مكوماً في زاوية، ومدثراً ببطانية، وكان قاسم في الزاوية المقابلة يدخن سيجارة.
"صباح الخير أسطة جويي" قالها قاسم بصوت مبحوح وحزين. انتفضتُ مذعوراً وأنا أفتش في ثنايا البطانية.& فأردف قاسم مبتسماً "لا تخف، لقد جاءت الحيّة وذهبت. لم تكف طوال الليل من الحديث عن الأفعى..." وضع سيجارة أخرى في فمه وأضاف "هيي جويي، هل رأيت سمر؟".
"نعم".
"سأتزوجها وأصلح الأمور".
"كيف تتزوجها وأنت رأيت الجنود المصريين في فراشها"؟
"لا لا يا جويي، لم تكن القصة صحيحة. صحيح أن سمر بنت مستهترة، لكنها طيبة".
"ولكنك رأيت ثيابها ملطخة بالدم".
"كانت حيلة من حيلي"
"ماذا يعني حيلة؟"
"يعني خدعة"
"ماذا يعني خدعة؟"
"يعني كنت نذلا. لقد استغليت خلو منزلهم، فدخلت من الشباك الخلفي وأفرغت في ثيابها وفراشها قنينة من الحبر الأحمر".
"حبر أحمر؟".
"نعم حبر أحمر. حبر أحمر جلبته معي من مدينة الرمادي".
"وهل أخبرتَ الشرطة بذلك؟".
"طبعا. وقد أخبرتُ العديد من الأهالي، قبل أن آتي إلى هنا بقدميّ".
"وهل سيحبسونك؟".
"لا يهمني الحبس. كل ما أطلبه هو أن أحبس هنا، في هذا السجن، وليس في سجون الرمادي".
"لتكون قريباً من سمر؟!"
هز رأسه موافقا.
"يبدو أنكما تعرفتما على بعضكما بسرعة، أليس كذلك؟". قال مفوض الشرطة، الذي وقف قريباً مني، فشممت فيه نفس رائحة صابون الحلاقة الذي يستخدمه قرياقوس.
"جويي ما زال صغيراً يا حضرة المفوض، وقد قضى الليل هاذياً، الحيّة، الحيّة" قال قاسم ثم ألقى بسيجارته أرضاً وسحقها بحذائه.
"هنا مركز شرطة، يا شيخ قاسم، وليس مزبلة".
"حتى الآن لم أصبح شيخاً يا حضرة المفوض".
"أنت شيخ وابن شيوخ، فقط لو تركت البنت في حالها" أجاب المفوض وهو يدير ظهره مبتعداً. فسأله قاسم وهو يقرب وجهه من قضبان الباب.
"عفواً، هل ستحبسونني، هنا؟".
"أنتَ لست من سكان المدينة. بعد الظهر ستأخذك سيارة الشرطة للرمادي وهناك دبّر أمورك. أما أنتَ يا جويي، سنطلق سراحك، ولكن قسما بالله العظيم، سأجلسك على الكرسي الكهربائي، إذا سمعت باسمك مرة أخرى".
"والله يا عمو، خاجيك الحقير هو الذي اعتدى عليّ".
"خلاص، لا أريد أن اسمع كلاماً. عندما تخرج من هنا اذهب إلى مخبز أم خاجيك وقبّل يديها لأنها رفضت أن تتقدم بشكوى ضدك".
ولكن، بعد أن نجحتُ في الامتحانات بدرجة الأول على الصف، كما في السنتين المنصرمتين، كدتُ أعود ثانية السجن حين تقدمت سليمة، أم مهدي، بشكوى ضدي، رغم العقاب الذي نلته من أمي، وكان عقاباً أشد ألماً من السجن. كدت أعود إلى السجن وربما سأُجلس على الكرسي الكهربائي كما قال مفوض الشرطة، رغم أنني لم أرتكب أي جرم. كل ما هنالك هو أنني بدأت تعلم طرق جديدة لصناعة سينما جديدة وأكثر حيوية. كنت مع أصدقائي في ملعب كرة القدم، القريب من البساتين، عندما خطرت لي فكرة أن نمثل فيلماً في الهواء الطلق، وباعتباري "سكريبترايتر" ومخرج، قمت بتوزيع الأدوار للأولاد، كلٌ الدور الذي يناسبه.
كان دور إبراهيم (البطل) وغلوبي (الشرير) والبرت (الشريف) أما مهدي الذي كان في الثامنة فيلعب دور (البطلة). وقد أشرفتُ على تنفيذ السيناريو: يقوم الشرير بخطف البطلة وينطلق بها في البساتين، فيأتي البطل راكباً حصانه، باحثاً عن الشرير، وعندما يحدث اشتباك بين الشرير والبطل يتدخل الشريف.
صرخت "أكشن"، هرعنا، منتشرين بين أشجار البساتين.
بعد انقضاء نصف ساعة، جاءني البطل والشريف ليقولا لي إنهما بحثا طويلاً عن الشرير والبطلة دون فائدة. ولا ندري كيف طلعت لنا غلاديس، وهي فتاة في الثالثة عشرة ومعروفة كبنت شريرة، وسارت معنا لنبحث عن البطلة والشرير. كنا نسير بين السواقي، فرأينا غلوبي نائماً فوق مهدي وهو يقبل صدره، تماماً مثل المشاهد التي نراها في أفلام الكاوبوي (وهذا المشهد لم يكن مدرجاً في السيناريو الذي كتبته). هرعت غلاديس وأخبرت أم مهدي، بما شاهدته. فجاءت سليمة غاضبة وهي تمسك بولدها وفي يدها سكينة، تصرخ وتولول "الله أكبر، الله أكبر، ابن جورجيا جلب لنا العار، والله سأذبح ابني بالسكين، سأذبحه الآن أمامكم، انظروا..انظروا" ولما لم يقترب منها أحدا، عادت تقول "إذا كنتم غير قادرين على تربية ابنكم، خريج السجون فأرسلوه إلى الإصلاحية.. سأذبح ابني، سأذبح ابني لكي ترتاحون" وخرج بعض الناس وهدأوها. ولم تبتعد "القحبة" عن بيتنا، إلا بعد أن رأت أنياب أمي تنغرز في أضلاعي. بينما كان البطل والشريف والشرير واقفين فوق السطح يراقبون مصير "مخرجهم".( فيما بعد قال لي غلوبي، إنه حين رأى أمي تغرز أسنانها في أضلاعي، تذكر دراكولا. ولم أغضب من ملاحظته لأنها بدت لي سينمائية).
ورغم أن سليمة، أو القحبة كما أسميها، لم تسحب شكواها ضدي، فان مفوض الشرطة لم يدخلني السجن، لسببين: الأول أن قرياقوس ذهب معي إلى مركز الشرطة وشرح للمفوض تفاصيل وقواعد "اللعبة" قائلا إن "جويي رسم خطة لتحركات مجموعة من الاولاد وهو ليس مسؤولاً عن كل ما هو خارج خطته". والسبب الثاني، أن المفوض يعرف جيداً سجل سليمة، الحافل بالشوائب الأخلاقية. فالمدينة، ولنقل نصفها، تعرف أن سليمة كثيرا ما تدور في الطرقات، في الليل، وهي تغطي جسدها العاري تماماً، بعباءة سوداء.
في تلك الليلة، أويت إلى فراشي، نظرت إلى السماء، وطلبت من الله (تراءى لي المار شمعون بثيابه السوداء ولحيته الناعمة) أن يحقق أمنيتي وأصبح مخرجا سينمائيا كبيراً، فلكزني تيدي في بطني هامساً "توقف عن الحركة". شرعت في قراءة سورة الناس، ثلاث عشر أو أربع عشر مرة. وقبل أن أنام، ولكي أجعل الأمور تختلط في عيون الأفعى التي تلاحقني، مددتُ قدمي اليمنى بين قدمي تيدي. وبين قدمي روبن دسستُ القدم اليسرى، ولم أكن أعرف أن أمي كانت تصغي لصلواتي القرآنية، حتى سمعتها تقول وكأنها تحدث نفسها.
"أخشى انك ستبيع دينك ذات يوم".
(....)
في الطريق إلى البساتين، قال غلوبي إن رزوقي، منظف المرحاض العام، ضرب ألبرت القرد (لأنه مشعر) ضرباً مبرحاً، بينما تمكن جليل الياباني (لأنه يشبه اليابانيين) وجليل الدب (لأنه ضخم) من الفرار. وروى غلوبي انهم كانوا ينظرون من خلال الفراغات المحيطة بأنابيب المياه الموصلة بين المرحاض العام من الداخل، وحنفية الغسيل من الخارج، كانوا ينظرون إلى أفخاذ النسوة المنهمكات بغسل أشيائهن، وتحديداً صوب فخذي صبيحة وكيلوتها الصغير، وهم يدعكون ذكورهم. في تلك اللحظة هجم عليهم رزوقي وتمكن من الظفر بالقرد وأشبعه ضرباً بجزمته المطاطية. فعلّق القرد، إن صبيحة كانت تعلم بما نفعله. وحين سألته "وكيف عرفت ذلك؟" أجاب انه سمع سكينة تقول لها "لماذا لا ترتدين ثوباً طويلاً يا صبيحة" لكن صبيحة راحت تغني وتغسل ثيابها، بل وتعمدت أن تفتح فخذيها أكثر فأكثر، وقد رأينا كيلوتها الذي كان وردياً في هذه الظهيرة".
ولم يتوقف القرد عن الحديث عن فخذي صبيحة الشهوانيين، إلا عندما أشار غلوبي إلى ذكره صارخاً "لنر من يملك ذكراً أكبر؟". "ذكري هو الأكبر" رد القرد. "ولكنك لست مختوناً" قال الياباني. "لا" صرخ القرد "في هذه المسائل، فان البنات يفكرن في الحجم". نظرتُ إلى ذكري فوجدته صغيراً وغير مختون. لم أحزن لمسألة الختان، فمقصوصي الذكور حسب إشارات أبي "أناس وسخون" وحين نظرت إلى ذكر الدب، ووجدته صغيراً، شعرت بالطمأنينة. فجأة صرخ غلوبي (أو النغل كما نسميه) "هنا، تحت شجرة الشوك هذه، وجدنا، أنا وشمشون آلة كاتبة عربية".
"وأين هي؟" سألتُ النغل مغمضاً عينيّ من أشعة الشمس المتسللة من بين الأشجار.
"أخذها أخوك بعدما أعطاني خمسين فلساً".
وليت غلوبي توقف عند هذا الحد. فقد أضاف موجهاً، دون أن يقصد، سهاماً إلى قلبي الصغير "شمشون ونسرين كثيرا ما يقضيان الظهيرة هنا، بين أشجار البساتين".
ذهبوا جميعاً وبقيتُ لوحدي حتى ضاعت الأشجار في الظلام، وعلى هدى القمر الساقط في مياه السواقي عدتُ إلى البيت. فكرتُ بالثأر، لكن، كيف أثأر من شمشون، أخي الكبير، وسكان المدينة يتحدثون طوال الوقت عن الحرب (كنا في صيف 1967) وأمي لم تكف عن التحديق في وجه شمشون، الذاهب خلال أيام قليلة إلى الجندية، ومن هناك إلى الجبهة السورية أو الجبهة الأردنية؟.
في تشرين الأول، وأنا عائد من المدرسة، لم أستطع إلا أن أضرب بعرض الحائط مقولة قرياقوس "الذي يحب السينما حقاً، عليه أن ينسى الذكريات التي تفوح منها رائحة الثأر". كانت كتبي تحت إبطي وأنا أرى من بعيد، حلقات العقال الأسود وحلقات الراقصين ودقّات أقدامهم القاسية، طبول ومزامير والغبار يتصاعد من الأرض الترابية كأنه بخار. "إنه عرس" تمتمتُ متجهاً صوب الرجل الذي كان يوزع صحون الرز والفاصولياء. أكلتُ صحنين وأنا أراقب أم العريس تعرض للناس الخرقة الملطخة بالدم.
"إنه عرس، يجب أن نشاركهم في الأكل" قلتُ لقرياقوس الذي كان منزوياً لوحده. ابتسم ثم قهقهه عالياً وهو يحني رأسه ليلقي نظرة خاطفة إلى المربعات والمستطيلات الزرقاء والصفراء والسوداء في قميصه "ها ها ها انها، انها مجزرة، ها ها ها". وكأن أم العريس سمعت تعليق قرياقوس، فعادت تهلهل بأعلى صوتها وتلوّح بخرقتها المدماة.
"لا تأكل كثيراً، الخالة زهرة جلبت لنا قدراً كبيرا مليئاً بالكبة والكفتة بمناسبة عرس نسرين". قالت أمي وهي تهم بالجلوس قرب قرياقوس.
"عرس مَنْ؟". قلتُ مندهشاً.
"عرس صديقتك، نسرين، هل نسيتها؟"
شعرتُ بدوار في رأسي ووهناُ يتسلل إلى& قدميّ. عدت إلى البيت باكياً.
مسحتُ دموعي بظاهر كفيّ وقررت الثأر. وحالما رأيت أبي عائداً من المخبز: شكّلت بيديّ شيئاً شبيهاً بصندوق/ وبأصابعي العشرة صرت اضرب في الصندوق (فهم أبي بأني أشير إلى الكاربنتر). هزّ كفه& اليسرى (أين هي؟). وضعتُ سبابتي اليسرى تحت عيني اليسرى وأشرت إلى منزل الخالة زهرة.
أخذنا سلماً خشبياً من منزل نصرت شاه، ألقينا نظرة نحو الراقصين والبخار الطالع من تحت أقدامهم. أسندنا السلم على الحائط، خلف منزل زهرة، صعدتُ أولاً ولحقني أبي. سحبنا السلم ونحن فوق السطح، وأنزلناه في وسط الحديقة، من الجهة الأخرى. دخلت المنزل، كانت الكاربنتر لم تزل في مكانها، على يمين مدخل الصالون. حملتها وخرجت. داعب أبي الكاربنتر مثلما كان يداعبني وأنا طفل. وقبل أن ننزل نظرنا إلى الراقصين والجمهور (يا له من منظر رائع)، في هذا الصدد، أتذكر أن قرياقوس كان قد شرح لي، انه في لقطات سينمائية كهذه، يستحسن أن تكون وضع الكاميرا OVERSHOULDER نحو مكان التجمع. ثم تقوم الكاميرا بحركة TILTUP وبعدها ZOOM ON شفاف نحو الصورة المنتخبة: الخرقة المدماة، مثلا، أو العريس الطالع من غرفة الزفاف، أو لسان أم العريس وهو يترجرج أعلى وأسفل، ثم تتماهى في اللقطة المنتخبة، وتعود (بعد القطع) إلى الشخص الناظر، الذي استخدمنا كتفيه في حركة الكاميرا، وقد انتقل إلى مكان آخر من المشهد).
في البيت، وعلى وقع الطبول والمزامير الآتية من الخارج، رحتُ أضرب على حروف الكاربنتر فيما كان أبي يشرب "العرق" وبين حين وآخر ينفخ بفمه في علبته الفضيّة ويمسحها بقميصه، فينعكس لمعان فضتها، تارة في وجهي، وأخرى في حروف الكاربنتر.
(...)
صيف العام 1968 كان آخر أصياف مدينتنا، الحبانية. دون أن يكون هناك شتاء آخر. في هذا الصيف، بدت لي الحبانية متعبة من الكسل. رحلت اختي شميران مع زوجها نيكولاس الى بغداد. يوشيا هاجر إلى ديترويت. شمشون التحق بالجبهة. وانتهت قصة نسرين. ولا ادري إن كان من حقي أن اقول إن المدن المؤقتة كالحبانية مثلا، تشعر بعد فترة من الزمن، أنها بحاجة إلى من يخلعها عن بكرة أبيها.
طردنا من الحبانية، وبيوتنا هدمت أمام أعيننا. كنا فقراء جدا. احتارت بنا أمي، والجيران الطيبون. فكان علينا، أخوتي وأنا، أن نخفف العبء عن والدينا، بأن نتوزع على جيراننا الميسورين لبعض الوقت. فتشتتنا كل في مدينة. وكان نصيبي الذهاب مع عائلة نصرت شاه إلى مدينة الرمادي.
أليست سكينة، زوجة نصرت شاه، مرضعتي أيضا؟
يا الله، كم أشعر بالندم وأبكي كلما تذكرت، كيف أنني بدوت خائنا في عيني أمي حين قفزت فرحا لذهابي مع عائلة نصرت شاه؟
أين نعمة النسيان يا ربي؟
(...)
في مدينة الرمادي، فوجئ تلاميذ الصف بوجود تلميذ مسيحي بينهم، ويحمل اسما غريبا جدا. (لا ادري إن كان ثمة مسيحي قد سكن الرمادي من قبل). قدمني المعلم بنبل، قائلا "شموئيل، زميلكم الجديد، من الآشوريين، من أبناء بلدنا العريق". واذكر أنه تحدث عن عظمة العراق، تنوع شعبه واختلافاته الدينية والقومية، ووحدة العراق التي لا يمكن قهرها. كان المعلم لطيفا معي إلى أقصى الحدود. فيما بعد، علمت انه غريب مثلي. كنا في غرب البلاد، وكان المعلم من جنوبها.
لم يكد المعلم ينهي تقديمي لزملائي حتى جاءتني ضربة مسطرة في مؤخرة رأسي. لم ألتفت رغم الألم. كان المعلم منهمكاُ بالكتابة على السبورة، وما كان ألمي قد خف بعد، حتى جاءت الضربة الثانية.
"أستاذ، هناك من ضربني على رأسي". قلت وأنا أقف.
"كذاب، كذاب ابن كذاب" انطلقَ صوتٌ من ورائي، التفت نحوه، كان تلميذا في الرابعة عشرة اسمر وبملامح عنيفة. كان جالسا باسترخاء وهو يمسك بيده مسطرة معدنية.
"محمد اخرج من الصف فورا". قال المعلم. خرج محمد حاملا مسطرته وكتبه. وقف عند باب الصف ونظر إليّ بعينين غاضبتين وهو يشد قبضته ويعض شفتيه، فلحقه تلميذان آخران دون أن يستأذنا من المعلم، ملأني الخوف وأنا في رحلتي.
هربا من الشمس القوية، كنت أسير محتميا بظلال سياج المقبرة في طريقي إلى البيت، سمعت صوتا يقول "انتظر، أريد أن أكلمك". اقترب مني محمد واثنان من "عصابته" وقبل أن يكلمني وجه إلى وجهي، بلمحة خاطفة ضربة من مقدمة رأسه، ثم راح زميلاه يسددان إلى بطني ركلات منتظمة. كنت منحنيا حاميا وجهي (قرياقوس قال لي إن الذي يريد أن يشتغل في السينما عليه أن يكون وسيما)، وكانت الدماء تنزف من فمي وأنفي. كنت أتلقى الضربات وأهمس لنفسي "يا الهي، لم أر مثل هذا العنف إلا في الأفلام".
"هذا درس أول يا حقير.. حتى تعرف أن المعلم لن يفيدك في شيء". قال محمد وابتعد مع رفيقيه.
بات الذهاب إلى المدرسة، مثل الذهاب إلى حفلة تأديبية، إذ لم يتركني محمد وعصابته في سبيل حالي. كانوا يبحثون عن أي حجة لكي يعنفوني. وقد أمرني محمد، مرة أن ألعب معه كرة المنضدة، لاعبته وخرجت خاسرا.
"أنت جبان، كنت تستطيع الفوز، لكنك مخنث". قال وهو يلقي بالمضرب فوق الطاولة.
كان منزل نصرت شاه يقع في مواجهة الضلع الأطول من المقبرة المستطيلة الشكل. كنت أسير خمسا وعشرين دقيقة في طرق ترابية، ملتفا من خلف المقبرة حتى أصل الطريق العام، ومن هناك احتاج إلى خمس دقائق لأكون في وسط المدينة. فبعد ساعات الملل من الدروس المدرسية، ثم رسم الخطط لتجنب "العصابة" كنت أعود إلى المنزل لأقضي ساعتين في اللعب مع الكاربنتر، وتقليب صور نجوم السينما الأميركية، وأفيشات الأفلام.. ثم اذهب إلى وسط المدينة لأتسلم عملي من نصرت شاه (بيع الساندويشات أمام صالة السينما).
ذات يوم سألتني سكينة "لماذا لا تأخذ الطريق الذي يخترق المقبرة، فهو يوصلك لوسط المدينة في خمس دقائق فقط". "طريق المقبرة!" تساءلت.& "ولم لا" اجابت سكينة.
"إنني أخاف من السير بين القبور".
ابتسمت سكينة، سحبت كرسيا وصعدت فوقه، مدت يدها وجلبت كيسا اخضر موضوعا فوق الراديو المثبت في أعلى الحائط. أخرجت من الكيس، القرآن. وظلت تقلب صفحاته حتى توقفت، قائلة " تعال، أنت تعرف القراءة. انقل هذه الآية، في ورقة بخط يدك، وعندما تضع قدميك في المقبرة اقرأها عدة مرات حتى تجتاز المقبرة، ولن يصيبك أي مكروه". جلبت ورقة وقلما وشرعت بالكتابة: "الله لا اله إلا هو الحي القيوم. لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات والأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بأذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم".
"هل انتهيت" سألت سكينة.
"نعم" قلت.
"صدق الله العظيم" قالت سكينة.
وقفت أمام الفتحة التي تخترق سياج المقبرة، وضعت قدمي اليسري في أرض المقبرة ورحت أقرأ آية الكرسي، وأسير بين القبور، وفي خمس دقائق وجدت نفسي في الطريق العام. اعجبتني الحكاية، فصرت أكررها كل يوم، حتى حفظت الآية عن ظهر قلب. وفي الليل، قبل أن أنام اقرأ سورة الناس، عشر مرات أو اكثر)، دون أن أنسى أن ارتجل دعاء يحفظ أمي وأبي. وقد أضفت منذ وصولي إلى مدينة الرمادي، دعاء اطلب فيه من الله أن يقيني شر الأعداء في المدرسة، وكثيرا ما كنت أنسى دعائي القديم الذي اطلب فيه من الله أن يساعدني في أن أكون سينمائيا عظيما.
ويبدو ان الله تقبل دعائي.
كنت أسير بين القبور، حين وقعت عيناي على شاهدة قبر صغير (متر تقريبا) تقول الشاهدة : "يا قارئ كتابي، ابكي على شبابي، بالأمس كنت حيا، واليوم تحت التراب". أعجبتني قصيدة الشاهدة، وآلمني أنّ الميت كان شابا، جلست حزينا، انظر إلى القبر وأعيد قراءة الشاهدة. في تلك اللحظة، رأيت محمد وعصابته مقبلين باتجاهي، تملكني الخوف، فظللت جالسا.
"ماذا تفعل هنا؟" صرخ محمد، وهو يوجه ركلات متلاحقة، لكن خفيفة، إلى ظهري.
"وماذا يضرك إن كنت قد أحببت هذا القبر؟" قلت وأنا أنهض منظفا التراب العالق ببنطالي، وأضفت، وعيناي تتنقلان بسرعة بين قبضة محمد وصديقيه، مترقبا ركلة من هذا، أو لكمة من ذاك "الله يرحمه، كان شابا".
أرخى محمد قبضته، ثم وبحركة مباغتة أرسل لطمتين متتاليتين إلى صدري مرافقيه، صارخا بغضب "ابتعدا أيها النذلان" ثم جلس متكئا بظهره على القبر، يجهش باكيا.
"انه قبر أخي" قال محمد بعد لحظات من الصمت.
"الله يرحمه.. كم كان عمره" سألته بنبرة حزينة.
"خمسة عشر عاما" أجاب محمد. ثم قبّل القبر ونهض. ربت على كتفي اليمنى كأنه عجوز (اكبر مني بعامين) وقال بابتسامة ممزوجة بالأسى "إن دماءه لن تذهب هدرا، هذا وعد ودين في رقبتي، يا صديقي".
"ألف رحمة على قبره" قلت مرة أخرى. فربت على كتفي مرة أخرى وقال "أرجوك اعذرني واغفر لي ما فعلته لك، إنني نادم، اقسم لك بقبر المرحوم إنني نادم". ابتعد محمد، فيما ظلت عيناي ترقبان التراب العالق بدشداشته. شعرت بوخزة في قلبي، أو شيئاً يسقط من قلبي.
وقد فوجئ المعلم في اليوم التالي، عندما رأى محمد جالسا إلى جانبي في نفس الرحلة. اقترب منا مبتسما. قال له محمد مشيرا إلي "شموئيل من أعز أصدقاء المرحوم". كان المعلم والتلاميذ يعرفون جيدا أن محمد، عندما يتحدث عن المرحوم، يقصد صاحب القبر، ذلك الشخص المقدس الذي ذهب ضحية تصفية حسابات بين العشائر.
مذّاك لم يجرؤ أحد على الاقتراب مني، حتى محمد نفسه صار خجولا ولا يقوى على النظر في عيني. واذكر انه عندما طلب مني أن نلعب كرة المنضدة سوية، خرج مهزوما، فقال لي "أرأيت، اعرف انك لاعب ممتاز" وضحكنا متجهين يدا بيد نحو الصف.
(...)
بعد سنتين من وجودي في الرمادي مع عائلة نصرت شاه. طلبت أن أعود إلى أهلي. هز نصرت شاه رأسه موافقا بشيء من عدم الرضى (أعرف انه يحبني). صنعت لي سكينة كميات كبيرة من الكبة والكفتة "خذ هذا معك يا ابني".
وضعت قدمي اليسرى في المقبرة، وشرعت اقرأ آية الكرسي، حتى وصلت إلى "قبري" جلست عنده وأخذت أقرأ الشاهدة مرات ومرات حتى أخذت الشمس بالمغيب. نظرت إلى الكاربنتر "أجمل ما أملك" أخرجت آية الكرسي المكتوبة بخط يدي وأ
&دخلتها في ثنايا الكاربنتر، في المكان الذي توضع فيه الورقة. ثم وضعت الكاربنتر فوق القبر، وهرولت خارجا.
&
&فصل من رواية بعنوان "الحنين الى الزمن الانكليزي"
تروفيل (فرنسا) صيف 1994