&
ايلاف: حصل الصحفي التونسي محمد الهادي الحناشي مؤخرا على جائزة الصحافة العربية فئة المقالة السياسية وهي الجائزة التي يمنحها نادي دبي للصحافة للمقالات الصحفية المميزة بعد أن&حظيت مقالة الحناشي الصحفية حول حركة طالبان باعجاب لجنة الجائزة.
التقت "ايلاف"&الصحفي التونسي وسألته حول التالي:

الصحفي محمد الهادي الحناشي متسلما الجائزة
حصلتم مؤخرا على جائزة الصحافة العربية، كيف حدث ذلك؟
تكمن أهمية الجائزة من مصدرها فقد تم إطلاقها من مدينة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة التي باتت تشكل في السنوات الأخيرة قطبا عربيا مهما في جميع المجالات الإقتصادية والثقافية والإعلامية وقد جاء إطلاق هذه الجائزة قبل سنتين ليسهم في الإهتمام بالصحفيين العرب في كل مكان وتشجيعهم على الخلق والإبداع والإبتكار في زمن قل فيه تكريم الصحفيين وقد أعلن نادي دبي للصحافة الذي يتولى مهمة الأمانة العامة للجائزة عن فتح باب الترشح عبر الصحف والقنوات الفضائية ومن هناك طرحت على نفسي السؤال إذا كان ما نقوم به يعد عملا صحفيا فلماذا لا نعرضه على لجنة تحكيم تعد من خيرة الصحفيين العرب الذين يفوقوننا خبرة وفي جميع الحالات لن نخسر شيئا بل كنت أعتقد أنني ساكسب قراءا سيتعاملون مع ما أكتب من زوايا مختلفة ، وقد رشحت للجائزة موضوعا كنت قد نشرته بصحيفة القبس الكويتية اليومية وصحيفة الزمان اللندنية وهو عبارة عن تحقيق مطول يبحث في جذور حركة طالبان إبان حكمها لأفغانستان والتركيبة العرقية والثقافية والسياسية لهذا البلد الذي كثيرا ما إستعصى عن الفهم وقد نشر الموضوع مباشرة في أعقاب الهجوم الذي إستهدف مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون في نيورك وواشنطن الأمر الذي أعطى& صبغة آنية للحدث كما كان مادة متكاملة تقدم فهما& لحكام كابول عن قرب كما كان العنوان إستشرافيا وهو "افغانستان .. بلاد في إنتظار الزوال".
&
هل تعتقدون بأن هذا النوع من الاحتفاء بالصحفيين العرب من شأنه الرفع من المعنويات والجودة أو هو اجراء شكلي طقوسي لاغير؟
حتما إذا كان الإحتفاء من جهة لها مصداقيتها ولها قدرتها على التنظيم ولها مقومات الإعلام العصري المتطور وبآلية تحكيمية مستقلة وممثلة لجميع المدارس الإعلامية في العالم العربي فإن المسألة تتجاوز الإجراءات الشكلية الطقوسية إلى ما& هو أعمق وأهم بالنسبة للصحفي وهو دفعه للإمام وإشعاره بأنه عنصر فاعل وضروري في الفعل الثقافي والسياسي والإجتماعي العربي وهو أمر سيخرج بالصحفي من الخانة التي كثيرا ما يزج داخلها في عالمنا العربي وهو كونه إما أن يكون متملقا مداحا متمسحا على عتبات السلطة أو ذماما سبابا شتاما ناكرا للجميل وهي النعوت التي ترتبط بالصحفي العربي ، فالسلطة العربية الرسمية تنظر لمن يمدح إنجازاتها بعين الرضا وترسم وفقا لذلك صورة الصحفي وفق ما تراه هي وفي المقابل خصومها يفعلون العكس ، وقلما حدث ووجدنا تكريما لصحفي خارج هذه الفئات يمارس العمل الصحفي وفق طقوس المهنة ومتطلباتها التي كثيرا ما تتعارض مع النظام الرسمي وخصومه على حد سواء وبالتالي فإن مبادرة بهذا الحجم ستدفع العشرات من الصحفيين العرب في جميع المطبوعات العربية لتطوير قدراتهم وللعمل وفق مفهوم المنافسة المهنية لتقديم أعمال يمكن أن تكون الفائز القادم في هذه الجائزة التي كما إن تركيبة الفائزين في الدورة الثانية للجائزة من شأنها أن تدفع إلى الأمام جميع الصحفيين وتمنحهم ثقة أكثر في ما يقدمون حيث أثبتت الجائزة أنها ليست حكرا على الصحف الكبرى أو الدول الكبرى أو الأسماء الكبرى وقدمت أسماء جديدة نأمل أن نكون من بينها .
&
في رأيكم ماهي المواصفات التي يجب توفرها في المقالة السياسية العربية لتنعت بالناجحة؟
المشكلة قد لاتكمن في المقالة السياسية ومواصفاتها فالمشكلة أساسا في السياسة العربية والمشهد السياسي العربي الذي تتقاطع فيه خطوط النظام الرسمي الذي يعتقد دوما أنه على حق وبين من يطرحون أنفسهم كقوى سياسية فاعلة على الساحة العربية فأطراف اللعبة السياسية العربية يقف كل منهم على طرفي نقيض كل يهاجم الثاني و يسحب عنه شرعية وجوده ولا يمكن أن تجد نقطة إرتكاز يلتقيان عندها لذلك نرى أن الكتاب والصحفيين يهجرون تناول الموضوعات السياسية العربية ولا يقتربون من تفصيلاتها إلى موضوعات أخرى نجد متعة كبرى في خوض أدق تفاصيلها وهي الموضوعات التي لا يقبع وراءها أي طرف عربي فتقدم في شكل مقالات سياسية معربة وليست عربية لأنها وإن كتبت بلغة عربية فهي لتعريب قضية عالمية أو دولية للقارئ العربي .

لكن ألا ترون معي بأن الصحف العربية أتخمت بالسياسة وتلزمها مقالات الترفيه والاعلام المحايد فقط ولو لمدة قصيرة حتى نبرأ من السياسة العربية؟
كلمة السياسة كلمة مخيفة في العالم العربي فالجميع يتجنب الحديث فيها وقد وجدت بعض الصحف مهربا منها حتى لا تتخذ ضدها مواقفا بعينها ، وبالمقابل القارئ الذي يخبرك أنه لا يحب السياسة ولا يخوض فيها تجده ملما بأدق التفاصيل لأية قضية فالفضائيات اليوم هشمت الحواجز التقليدية ورفعت من سقف الحرية في الحديث ووفرت مادة دسمة من خلال التحليلات التي يقدمها الخبراء والمحللون السياسيون ولا يمكن أن تصدر صحيفة حتى وإن كانت متخصصة في الزراعة دون أن تتضمن رؤية سياسية وموقفا أو أن تتبنى خطا مساندا أو معارضا لهذا الطرف أو ذاك فالسياسة لعبة يجديها الصحفي في شتى مجالات إهتمامه وحتى ما نعتقد أنه مواد في الصحيفة لا علاقة لها بالسياسية فهي سياسة بالضرورة أما إن صحفنا العربية قد أتخمت فشخصيا لا أراها كذالك بل إن المزيد مطلوب خاصة إذا كان بناءا وهادفا يساهم في رفع الوعي السياسي للقارئ دون إغفال الجوانب الأخرى إنطلاقا من وظيفة ودور الصحيفة التثقيفي والتوعوي .

انتم تشتغلون على الانترنت، هل من مواصفات خاصة للمقالة السياسية بالعربية على الشبكة؟
لقد خضت تجربة الصحافة الإلكترونية وهي لا تقل إمتاعا عن التجربة الصحفية التقليدية أما مواصفاتها فقد لا تختلف كثيرا عن الكتابة للصحافة المطبوعة مع فارق بسيط وهو إعتماد أسلوب "الكبسولة" حيث يبحث قارئ الصحافة الإلكترونية عن الجانب الخبري الفوري وبالتالي فإن عنصر السرعة في نقل الخبر وبثه عبر الشبكة لملايين القراء الذين ينتقلون من موقع إلى آخر وقد يحتفضون بالخبر أو الموضوع على أجهزتهم الشخصية أما المقالات السياسية المطولة والتحليلات فتبقى من شأن المتخصصين والمهتمين الذين يقومون بعملية تخزينها على أجهزتهم للعودة إليها كلما إستدعى الأمر ذلك .
&
بدات بعض الصحف الالكترونية العربية في خلق مايسمى بالمقالات التفاعلية التي تحيل سواء على روابط ومصادر اجنبية أو تلك التي تعرض المقال على النقاش المفتوح. ألاترون بأن هذه الطرق الجديدة ستقبر الى الأبد المقالات السياسية الجافة المستيدة في الورقيات العربية؟
مما لا شك فيه أن الصحافة الإلكترونية بشكلها الجديد وبما يمكن أن تؤول إليه تقنياتها في السنوات المقبلة ستحدث إرباكا في المشهد الإعلامي التقليدي وستضعف من سلطة التحكم في المعلومة والخبر والتحليل حيث تتيح عشرات المواقع المجانية البرامج الضرورية التي تتيح لكل شخص أن يمتلك صحيفته الخاصة على الشبكة ودون أن يكلفه ذلك دولارا واحدا ويكفي أن نتصفح المواقع الإخبارية التي أطلقت في السنوات القليلة لنلاحظ الكم الكبير من القنوات الإعلامية التفاعلية التي تختلف شكلا ومضمونا عن الصحيفة التقليدية فهي تحيلك عبر جملة من الروابط إلى المصادر والعناوين والمواقع وقواعد البيانات التي تجعل القارئ شريكا في صياغة الخبر أو المقال أو الموضوع بينما لا تتيح الصحيفة التقليدية هذا الأمر فهي تقدم لك المادة الإعلامية وعليك أن تقبلها أو ترفضها بينما في الصحيفة الإلكترونية يمكنك مباشرة إضافة تعليقك على الموضوع والتعبير عن وجهة نظرك ومحاورة المحرر أو الكاتب وكل هذه العملية تتم في دقائق يكون القارئ قد شارك مشاركة فاعلة في المادة المنشورة ومع ذلك نقول إن هذه الإمتيازات التي تمنحها صحافة الأنترنيت لا تنفي إستمرارية متبعة الصحف المطبوعة التي باتت قراءتها من الطقوس اليومية للقارئ العربي .

في التقرير الأخير لمنظمة صحافيين بلا حدود قرأنا خلاصة التدهور العربي في مجال حريات الصحافة، هل يمكن الحديث عن صحافة سياسية في غياب الحريات الفردية والجماعية؟ ألا تشكل الصحف الالكترونية المخرج الأكثر براغماتية للخروج من غوغائية العديد من الصحف الورقية العربية؟
تبقى المسألة نسبية عند الحديث عن الحريات بشكل عام وحرية الصحافة بشكل خاص فما هو مسموح بنشره في مجتمع ما قد لا يقبل به مجتمع يعيش بجواره كذلك الأمر في الصحافة السياسية فالسقف فيها مرتبط بمناخ الحريات العامة بشكل عام& وبمدى ما يتمتع به المواطن العربي من حقوق أساسية من ضمنها حقه في التعبير عن رايه والمشكلة حينما يتم الإلتفاف على هذه الحقوق على إعتبار أن الدولة هي حاميتها وراعيتها وأنها الأعلم والأعرف بحاجة رعاياها لها ، لكن التطور المذهل في الحقل الإعلامي أضعف من قبضة الحكومات على وسائل الإعلام وأفرز قوى إعلامية جديدة باتت هي الفاعلة والأكثر تأثيرا على الراي العام العربي وأتاح لأصحاب الآراء والمواقف بمختلف إتجاهاتها النفاذ إلى العالم وإلى القراء من خلال المواقع الإلكترونية وبهذا المعنى فإن التطور التقني قد ساهم في رفع سقف الحرية وأتاح للجميع التعبير وهي مرحلة إنتقالية قد تتسم في بداياتها بالفوضى وسوء الإستخدام للتشهير والتجريح ولكن مع الدربة ومع الوقت ستتحول إلى شكل جديد من أشكال التعبير السياسي والثقافي والإجتماعي وهو ما لا تستطيع مقصات الرقابة العربية بما أوتيت من قدرات إيقافه ، فالإغلام الإلكتروني هو إعلام المبادرة الفردية التي تبذ الإتكالية والإعتماد على وسائل إعلام الحكومة فهي تتيح لكل فرد التعبير عن ذاته وقناعاته& أما الصحافة المطبوعة فحتما سيبقى سقف الحرية فيها مقترنا بالأجواء السياسية العامة لهذا البلد أو ذاك ويبقى نجاحها مرتهنا بمدى ما تقدمه من إضافة وجدية وصدق في التناول الموضوعي للقضايا .