أصدر المؤلف والاقتصادي البريطاني ويل هيوتون كتابا بعنوان "العالم الذي نعيش فيه" حذر فيه من مغبة المنعطف الخطير الذي يمر به العالم حاليا جراء اخضاع كل مخاوف دول العالم لهيمنة المخاوف الأمنية الأميركية من جانب واحد بالقوة الأميركية الغاشمة . وقال ان الاتحاد الأوروبي وحده هو الذي يملك القيم الديمقراطية والنماذج الاجتماعية والاقتصادية لاحداث التوازن المطلوب . ان ما يميز انتقادات هيوتون عن نظرية يسار الوسط المعتادة هو تناولها للمجتمع الأميركي المعاصر والزعم الصريح الذي يقدمه هيوتون بأن اوروبا الموحدة الآن تقدم نموذجا أفضل واعدل وأنجح وأكثر ديمقراطية للمستقبل من النموذج الأميركي . ويسرد هيوتون تصورات النموذج الأميركي تباعا كما يلي : - ان الديمقراطية الأميركية اليوم تشكل اساءة للنماذج الديمقراطية. - اصبح هدف المؤسسة الأميركية الآن عاديا ودون حياء : تضخيم المكاسب المالية الى الحد الأقصى لأولئك الذين يمتلكون المال . - ان النظام الأميركي ليس فقط غير عادل اجتماعيا ولكنه غير فعال اقتصاديا بشكل خطير ايضا . ويعتقد هيوتون ان سبب هذه الحالة المأساوية بسيط : الصعود الذي تمعت به الأفكار الأميركية المحافظة طوال ربع القرن الذي مضى والتي أكدت على حقوق أصحاب الأملاك وحرية التجارة . وجاء في كتابه ان "فلسفة المحافظين الأميركيين تسببت في أحداث تدمير مخجل لمجتمعها ولا يمكن السماح لها بأن تنقل خطرها الى أوروبا . فقد أصبح الأدب محاصرا في الولايات المتحدة بسبب انتصار اقتصاد السوق ، وأصبحت الحكمة التجارية هي التي تحدد القيم ، وتوقف الحراك الاجتماعي مع صعود المرارة وسيادة المذهب الكلبي . وفي غضون ذلك تهدد السياسة الأحادية الجانب نسيج التفاهم والاعتماد المتبادل العالمي الذي بنيت هياكله بصبر وجلد منذ عام 1945 . وأما أوروبا ، بالمقابل ، فهي ارض الحليب والعسل ، فالأوروبيون يفضلون عموما تلك الأشياء التي يصفها هيوتون بالخبيرة : لعب الدولة دورا مهيمنا .. واعادة توزيع الدخل وفق مفهوم اوسع لـ "الحقوق" بما في ذلك مجانية الرعاية الصحية والتعليم ومنافع للعاطلين عن العمل والولاء للمنظمات الدولية والسلطة فوق القومية . ولكن اوروبا تقف وحيدة في تقديم الأمل والفرصة لفقراء العالم . ويؤكد هيوتون ان على بريطانيا ان تختار بصورة قاطعة لا رجعة فيها ما إذا كانت ستنحاز الى اميركا ام الى أوروبا لأن العلاقة بين الجانبين تمنع المزيد من التنافس بينهما والعمل بعملة "اليورو" يؤدي الى احداث تحولات نهائية في العلاقات داخل اوروبا . ويقول هيوتون ان اوروبا تقدم لبريطانيا أكثر مما تقدمه لها أميركا . فإذا كان هيوتون يهدف الى خلق حالة من الجدل حول ما إذا كان المستقبل للنموذج الأوروبي أم للنموذج الأميركي فربما ينجح ولكن إذا كان هدفه تغيير العقول والسياسات والقيم والاولويات بالنسبة لكلا الجانبين عبر الأطلسي فإنه قد ينتهي الى زيادة الانقسامات سوءا وتعميق سوء الفهم بينهما . (عن "الوطن" القطرية)