&
يتعرض الزعماء المحليون للأكراد في شمال العراق الذين يديرون شؤون المنطقة تحت ظلال الدبابات والمدفعية العراقية الى ضغط أميركي متزايد من أجل وضع خصوماتهم المحلية جانبا والتكاتف استعدادا لحملة عسكرية نهائية بقيادة الولايات المتحدة ضد نظام بغداد . ويؤكد الحزبان الكرديان الرئيسيان وهما "الحزب الديمقراطي الكردي" و"حزب الاتحادالوطني الكردي" في كردستان انهما لا علم لديهما ولا فكرة عن توقيت وكيفية تنفيذ هجوم عسكري أميركي .ويعتقدان ان اميركا وافقت من حيث المبدأ ان يكون الهدف هو قيام دولة عراقية ديمقراطية فيدرالية تعترف بالحكم الذاتي للأكراد أكثر من كونها عملية استبدال الرئيس صدام حسين بشخص آخر مؤيد للغرب ولكن تمتلكهم الهواجس حول ما قد تحاول اميركا القيام به ، وفي هذا السياق يقول برهام صالح رئيس الوزراء للحكومة الاقليمية من الاتحاد الوطني الكردستاني "لا يمكننا ان نجر الى مغامرة غير مكتملة وبدون مردود ومحصلة واضحة لها" . ويقول مسؤولون غربيون ان المخاطر كبيرة . فقد حشد الرئيس صدام حسين قوات عسكرية قوية واسعة في الشمال وعزز القوات المدرعة التي بامكانها اجتياح السليمانية عاصمة "الاتحاد الوطني الكردستاني" واربيل معقل "الحزب الوطني الكردستاني" خلال ساعة ، وقالت مصادر عسكرية اميركية ان بغداد حركت المزيد من بطاريات المقاومات الأرضية للطائرات شمال خط العرض 36 الذي يحدد منطقة حظر الطيران التي فرضتها الولايات المتحدة وبريطانــيا بعد حرب الخليج عام 1991 . وتقع معظم أجزاء الأراضي التي يسيطر عليها "حزب الاتحاد الوطني الكردستاني" بما فيها السليمانية خارج حدود منطقة حظر الطيران وعليه فإن كلتا المجموعتين لا تلتزم بالمخططات العسكرية الأميركية ولا الاستعدادات العسكرية التي يجري الاعداد لها . ويرتاب الأكراد في النوايا الأميركية ، فقد لدغوا من هذا الجحر مرتين سابقا : الأولى كانت في مارس 1991 بعيد دحر القوات العراقية من الكويت على يد قوات "التحالف" وبعدما طلب الرئيس بوش من الشعب العراقي "التخلص من صدام حسين" . وبعدما أعلن الأكراد الثورة لم يصلهم أي مدد . وقامت القوات العراقية بدفع حوالي مليونين من الأكراد الى تركيا وايران ودمرت مئات من القرى الكردية . وكانت المرة الثانية عام 1996 حينما تقدمت القوات العراقية بطلب من "الحزب الكردستاني الديمقراطي" لطرد أنصار "حزب الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي تدعمه إيران من اربيل ، وقد تم ذلك . ويستطرد السيد صالح قائلا : لا يبدو ان أمرا ما وشيكا في الأفق برغم تزايد احتمالات المواجهة ، إننا نلتزم جانب الحيطة والحذر فهذه مسألة حياة او موت . فالدبابات العراقية على مسيرة أقل من ساعة منا ولا نستطيع ان نلزم أنفسنا قبل ان نرى ونتحقق من الخطة . وبالرغم من هذا عقد مسؤولون أميركيون مباحثات مع زعيم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مسعود البرزاني ونظيره من "حزب الاتحاد الوطني الكردستاني" جلال طالباني في ألمانيا . وكان ذلك اول اجتماع لهم منذ 16 شهرا ، ويبدو انه قد حصل تقدم وصفه كلا الجانبين بانه إيجابي . وقد تحقق عقد هذا الاجتماع بعد زيارتين قام بهما الى شمال العراق ريان كروكر مساعد وزير الخارجية الأميركي ، وقد علق أحد أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني جوهر ناماك : قدمت لنا الولايات المتحدة وعودا بعدم تعرض شعبنا الى الكارثة مرة أخرى لكن ليس لدينا ضمانات كاملة . ولا أعلم الى أي مدى ما إذا كان الرئيس بوش جادا بشأن المستقبل . كما وافق الرجلان القويان في الحزبين الكرديين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني على فتح مكاتب لكل منهما في عاصمة الآخر كما ناقشا موضوع اعادة توحيد الإدارتين واعادة عقد البرلمانين واجراء انتخابات خلال الأشهر التسعة القادمة . وتقع المنطقتان على مساحتين منفصلتين بصورة طبيعية . ولكن يستطيع الناس العمل التجاري والتحرك بينهما . كما اقيمت درجة من التعايش المشترك مع بقية المناطق العراقية تحت إدارة الرئيس صدام حسين فهو يبيعهم النفط والكهرباء بينما يحصل على الماء مجانا بينما يستطيع الأكراد الذين ليس لديهم انتماءات سياسية السفر بانتظام الى بقية اجزاء العراق للتجارة والعلاج . وقد لعب مؤخرا فريق اربيل لكرة القدم مباراة في بغداد كجزء من الفريق القومي . وطور الحزب الديمقراطي وحزب الاتحاد الوطني إدارة مدنية لكل منهما مع توفير قسط مقبول من الحرية السياسية خاصة في وسائل الإعلام . وتوجد الأحزاب الاسلامية بشكل هامشي وتستطيع النساء ارتداء الزي الاسلامي او غيره في حين تباع الخمور على نطاق واسع . وبالرغم من الاحساس العام بعدم الأمان فإن هناك العديد ممن حزموا حقائبهم استعدادا للمغادرة فورا كما يوجد استثمار واسع في مجالات الانشاءات والاتصالات . أما بالنسبة للأكراد فإن أهم منطقة يسعون للسيطرة عليها هي مدينة كركوك وهي مدينة كردية تاريخيا ،ويدعي الأكراد ان نظام بغداد أجرى فيها تطهيرا عرقيا . ويقول عنها الأكراد انها تحوي 60% من احتياطات النفط العراقي . وفي هذا السياق يقول سامي عبدالرحمن نائب رئيس الوزراء من الحزب الديمقراطي الكردستاني "ان مطالبة الأكراد بالتنازل عن كركوك كمطالبة الفلسطينيين بالتنازل عن القدس" .
فاينانشيال تايمز
(عن "الوطن" القطرية)