&
ثمة فارق بين الكتابة عن تونس والحقد عليها, يتمثل هذا الفارق الذي ظهر بوضوح في المرحلة التي سبقت الاستفتاء على تعديل الدستور يوم 26 مايو الجاري في رفض مهاجمي الاستفتاء الحديث عن فحواه مكتفين بالعمل على تحوير الموضوع في اتجاه مجرد افتراضات لا علاقة لها بالحقيقة, اخترع المعترضون على الاستفتاء "حقيقة" خاصة بهم لا أساس لها مثل التركيز على ان الهدف من الاستفتاء هو جعل زين العابدين بن علي "رئىسا مدى الحياة", كل ما في الأمر ان التعديلات المقترحة وهي تشمل 39 مادة من أصل 78 يتضمنها الدستور لم تتطرق إلى ايجاد رئيس مدى الحياة لا من قريب ولا من بعيد، اكتفت التعديلات بتأكيد ان من حق أي شخص مؤهل أن يُرشح للرئاسة غير مرة بعدما كان الدستور حدد العدد بمرتين, ولو كان مطلوبا أن يكون بن علي رئىسا مدى الحياة لما كان هناك اصرار على اجراء انتخابات رئاسية، لا في سنة 2004 ولا في سنة 2009. ولو كان مطلوبا ان يكون هناك رئىس مدى الحياة لما حدد السن الاقصى للمرشح بـ 75 عاما, ولو كان مطلوبا ان يكون هناك رئيس مدى الحياة لكان مطلوبا من المواطنين التونسيين التصويت للمرة الأولى والأخيرة من أجل أن يكون هناك شخص رئىسا مدى الحياة!
ان تونس ليست بلدا مثاليا, ومع ذلك لم تنطل هذه الأكذوبة على احد وتبين ان الترويج لها تولاه حاقدون على تونس لا يريدون الخير للبلد همهم الأول الاساءة اليه، وكانت نتيجة الاستفتاء افضل رد على هؤلاء, وبين هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر جريدة فرنسية يفترض أن تكون محترمة لم تجد ما تقوله عن الاستفتاء سوى استعادة ماضي الرئىس التونسي محاولة طرح علامات استفهام في شأنه، متذرعة بالقول إن التونسيين لا يعرفون شيئا عن رئيسهم, كيف يمكن للتونسيين أن يكونوا على غير معرفة بن علي وهم يعرفون تماما وبالأرقام ان بلادهم شهدت منذ توليه السلطة تطورا كبيرا جعلها في مقدم دول شمال افريقيا على الرغم من ان تونس لا تملك ثروات طبيعية, كل ما في الأمر ان الحكم الجديد لم يتنكر للانجازات التي تحققت منذ الاستقلال في عهد الحبيب بورقيبة وعمل على تطويرها من دون عقد, أكثر من ذلك، استثمر العهد الجديد في المستقبل وسعى إلى أن يكون الإنسان ثروة تونس, أين العيب في ذلك؟
راح الحاقدون على تونس ينبشون دفاتر الماضي، لعل فيها ما يبرر الحملة التي تشن على الاستفتاء, فوجدوا عيبا في ان بن علي عمل فترة ملحقا عسكريا في سفارة بلاده في الرباط ثم عمل سفيرا في بولندا قبل أن يُستدعى إلى تونس مجددا عام 1983 بعد اندلاع "ثورة الخبز" من أجل المساعدة في اعادة الاستقرار إلى البلد.
يشكو المعترضون على الاستفتاء من ان الرئىس التونسي استطاع المساعدة في اعادة الاستقرار إلى البلد، فأين المشكلة في ذلك، ثم يشكون من ان بن علي عمل على مواجهة التنظيمات الاسلامية المتطرفة, وفي ذلك مغالطة نظرا إلى انه سعى عندما كان وزيرا للداخلية ثم رئيسا للوزراء الى ابقاء الحملة على هذه التنظيمات ضمن، حدود معينة، أكثر من ذلك، عمل بعيد توليه الرئاسة على استيعاب الاسلاميين والتعاطي معهم قبل أن يشعر بنوع من اليأس منهم بعد اكتشاف ان هدفهم الأول والأخير الاستيلاء على السلطة بالحيلة أحيانا وبالعنف في معظم الأحيان مخالفين القوانين المعمول بها, وعندئذ لوحقوا، وليس قبل ذلك.
في نهاية المطاف، هل كان مطلوبا ان تتحول تونس إلى جزائر اخرى لتصبح بلد حقوق الانسان، أم ان المطلوب ان يكون هناك حاكم يتصرف في اطار المعطيات الاقليمية ويعمل على حماية البلد من المخاطر الداخلية والخارجية في اتجاه واضح هو المصلحة العليا لتونس ولشعبها؟
لم يجد المعترضون على الاستفتاء سوى الحجج الواهية والأكاذيب للاعتراض على ما يجري في تونس, وربما كانت المشكلة الكبرى في المعترضين انهم لا يريدون قراءة نص التعديلات المقترحة, ولو قرأوا النص لوجدوا ان الدستور التونسي الجديد يكرس التعددية ويسعى في الوقت نفسه إلى جعل الضمانات القانونية التي يتمتع بها المواطن جزءا لا يتجزأ من الدستور ولكن ما العمل بوجود جهلة وحاقدين تغيظهم رؤية بلد عربي يتقدم، بلد عربي يضع برامج تعليمية تتماشى مع الثورة التكنولوجية التي يعيشها العالم ويطبقها، بلد عربي تشارك فيه المرأة فعلا بالحياة الاجتماعية اليومية، بلد عربي يأتيه ما يزيد على خمسة ملايين سائح في السنة، بلد عربي يضمن حقوق مواطنيه إلى أي دين انتموا خصوصا اذا كانوا يهودا لأن في ذلك التحدي الأكبر للعنصرية التي تمارسها دولة اسرائىل.
قد يكون حقد بعض الأوساط الفرنسية، خصوصا الاشتراكية، على تونس مفهوما ومبررا نظرا إلى اصرار هذه الأوساط على ممارسة الحماية على البلد وإلى شعور دفين بأن تونس تمتلك هامشا من الحرية في اتخاذ قرارها, ولكن أن يكون هناك عرب حاقدون، فهذا أمر غير مفهوم والتفسير الوحيد له هو الحسد، الحسد من ألا تكون تونس ضحية أخرى للحركات الدينية المتطرفة التي عبثت بالجزائر وحاولت أن تعبث بليبيا وعملت من دون كلل، ولكنها فشلت، من أجل تقويض الاستقرار الذي تنعم به مصر.
ربما كانت الحملات التي تشن على تونس، ضريبة يفترض أن يدفعها البلد بسبب نجاحاته، وربما كانت هذه الحملات عائدة إلى عدم وجود علاج للحقد والحسد, ولكن يبقي العزاء الوحيد لتونس انه لا شيء ينجح مثل النجاح، ومن لا يصدق ذلك، ما عليه سوى زيارة البلد للتأكد من ان الحسود لا يسود وان عينه ستبلى بالعمى عاجلا أم آجلا,,.
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن (الرأي العام الكويتية)