&
تشير الزيارة التي قام بها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الأسبوع الماضي إلى لقبرص، إلى رغبة سياسية جديدة في حل التقسيم المأساوي للجزيرة.
وعلى الرغم من دعوات الأمم المتحدة المتكررة لتوحيد قبرص، فإن تركيا تواصل، بعد 28 عاما، احتلال ثلث الجزيرة بقوات يبلغ تعدادها 30 ألف شخص. وقد أدى هذا التقسيم القسري إلى انعدام الثقة والتوتر بين اليونان وتركيا. وعلى صعيد قبرص سبب هذا التقسيم المرارات لكثير من القبارصة اليونانيين ممن فقدوا ممتلكاتهم وأحباءهم، وضحى بالقبارصة الأتراك الذين أصبحوا "مواطنين" معزولين لدولة زائفة لم تعترف بها إلا تركيا.
ويتحدث بعض الناس عن تقسيم قبرص إلى دولتين، ويتحدث آخرون عن اتحاد مزدوج مع تركيا واليونان، بينما يقترح آخرون حلولاً هجينة، حيث الدولتان شبه المنفصلتين يمكن أن تؤديا إلى قبرص شبه موحدة ذات حكومة مركزية ضعيفة. وتطرح هذه الحلول المزعومة مشكلات جدية بعضها أخلاقي (شرعنة نتائج الغزو)، وبعضها الآخر جيوسياسي (دفع اليونان وتركيا إلى احتكاك دائم).
وكل هذه الاقتراحات تقوم على افتراضات خاطئة تقضي بأن هناك عجزاً متأصلاً لدى اليونانيين والأتراك عن عدم العيش والعمل معاً، وأن التدخل الحمائي أمر ضروري، وأن تركيا تحتاج الى قبرص لمصالحها العسكرية.
ان قبرص ستصبح، قريباً، عضواً في الاتحاد الأوروبي. وستجري المفاوضات النهائية على قبول عضويتها في ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وإذا ما تمكنت الأمم المتحدة من تيسير حل، فإن قبرص الحرة، الموحدة، ستنضم إلى أوروبا الموحدة. وإذا لم يحدث ذلك فإن جمهورية قبرص، المعترف بها دولياً، ستنضم ككل، بدون الجالية القبرصية التركية.
ويزعم رؤوف دنكتاش، الزعيم القبرصي التركي، ان انضمام قبرص الموحدة المستقلة إلى الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى هيمنة القبارصة اليونانيين على القبارصة الأتراك. غير أن الاتحاد الأوروبي يستلزم من الأعضاء الجدد أن يكونوا من الديمقراطيات المتماسكة، التي تتسم بوجود اشتراطات محددة لحماية جميع المواطنين. وفضلا عن ذلك، فإن الرئيس القبرصي اليوناني غلافوكس كليريديس مستعد لقبول حل يضمن الحكم المحلي الواسع لكلا الطرفين.
ان مزايا حل أوروبي بالنسبة للقبارصة الأتراك جلية، فمشاركتهم في مؤسسات الاتحاد الأوروبي ستكون مضمونة، وسيحصدون ثمار الاعتمادات المالية التي يخصصها الاتحاد الأوروبي لقضايا البناء، وفي وقت لاحق العضوية في منطقة العملة الأوروبية الموحدة "اليورو". وقد أعد الاتحاد الأوروبي صفقة سلام بقيمة تبلغ حوالي 200 مليون يورو لدعم اندماجهم. وسيصبح القبارصة الأتراك آصرة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. ووفقاً لاستطلاعات الرأي، فإن أكثر من 90 في المائة من القبارصة الأتراك يرغبون في أن يصبحوا مواطنين في الاتحاد الأوروبي، أفلم يحن الوقت لسماع أصواتهم؟
ان عضوية الاتحاد الأوروبي تستلزم حكومة مركزية مفوضة بالمشاركة في صنع القرارات الجماعية، وان الحلول التي تخفي النيات الانفصالية لن تذكي نيران التوتر بين اليونان وتركيا فحسب، وإنما تقوض، أيضاً، قدرة الاتحاد الأوروبي الكبيرة على اتخاذ قرارات فعالة، ذلك ان مآزق قبرص الداخلية يمكن أن تعوق الاجماع.
لقد اختارت اليونان أوروبا باعتبارها الطريق المفضي إلى أمام، الذي سيؤدي بنا إلى ما هو أبعد من التقسيمات التاريخية في البلقان وقبرص. وهذا هو سبب تصويت اليونان لصالح جعل تركيا مرشحاً رسمياً للاتحاد الأوروبي في هلسنكي قبل ثلاثة أعوام. وقد تحسنت العلاقات اليونانية ـ التركية على نحو متسق منذئذ. ومن إغاثة الكوارث والمناطق التي ضربها الزلزال، وسعنا تعاوننا إلى مجالات الطاقة، والزراعة، والتعليم، والتعاون عبر الحدود، والهجرة غير الشرعية، وتخليص حدودنا من الألغام المضادة للأشخاص. وقد تضاعفت التجارة، وزادت السياحة إلى ثلاثة أمثال. وقامت تركيا بدعم جهود اليونان لتجديد المدينة الأولمبية في الألعاب المقرر إقامتها عام 2004. وقد عرضنا بصورة مشتركة استضافة بطولات كرة القدم الأوروبية عام 2008. ان حلاً بشأن قبرص سيعزز هذه العملية، بينما سيؤدي الفشل إلى تقويضها.
ويمكن لليونان وتركيا أن تلعبا دوراً هاماً في استقرار دول منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود، والبلقان، والقفقاس، والشرق الأوسط. ان زيارتي الأخيرة مع وزير الخارجية التركي اسماعيل جم الى رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات تلقي ضوءاً على فرص تعزيز السلام الإقليمي. وعلى نحو مماثل ساعدت قبرص، مؤخراً، على حل مأزق كنيسة المهد في بيت لحم.
وفي الختام أقترح ما يلي: دعونا نتوقف عن جعل قبرص بؤرة للنزاع اليوناني ـ التركي، دعونا نبتعد عن لعب دور الممسك بالسلطة المطلقة تجاه الجاليات الأخرى.
وبدلا من ذلك دعونا نساعدها على العمل بروح التعاون المشترك، وبدلاً من تقسيمنا بخطها الاخضر المصطنع، يمكن لقبرص أن تصبح موقعاً جذاباً للوحدة والتعاون بين اليونانيين والأتراك، بين المسيحيين والمسلمين، فنحن مدينون بذلك للأجيال المقبلة من القبارصة، ولآفاق السلام الأشمل في المنطقة.
* وزيرة خارجية اليونان
* خدمة "وجهة نظر أوروبية" ـ خاص بـ "الشرق الأوسط"
وعلى الرغم من دعوات الأمم المتحدة المتكررة لتوحيد قبرص، فإن تركيا تواصل، بعد 28 عاما، احتلال ثلث الجزيرة بقوات يبلغ تعدادها 30 ألف شخص. وقد أدى هذا التقسيم القسري إلى انعدام الثقة والتوتر بين اليونان وتركيا. وعلى صعيد قبرص سبب هذا التقسيم المرارات لكثير من القبارصة اليونانيين ممن فقدوا ممتلكاتهم وأحباءهم، وضحى بالقبارصة الأتراك الذين أصبحوا "مواطنين" معزولين لدولة زائفة لم تعترف بها إلا تركيا.
ويتحدث بعض الناس عن تقسيم قبرص إلى دولتين، ويتحدث آخرون عن اتحاد مزدوج مع تركيا واليونان، بينما يقترح آخرون حلولاً هجينة، حيث الدولتان شبه المنفصلتين يمكن أن تؤديا إلى قبرص شبه موحدة ذات حكومة مركزية ضعيفة. وتطرح هذه الحلول المزعومة مشكلات جدية بعضها أخلاقي (شرعنة نتائج الغزو)، وبعضها الآخر جيوسياسي (دفع اليونان وتركيا إلى احتكاك دائم).
وكل هذه الاقتراحات تقوم على افتراضات خاطئة تقضي بأن هناك عجزاً متأصلاً لدى اليونانيين والأتراك عن عدم العيش والعمل معاً، وأن التدخل الحمائي أمر ضروري، وأن تركيا تحتاج الى قبرص لمصالحها العسكرية.
ان قبرص ستصبح، قريباً، عضواً في الاتحاد الأوروبي. وستجري المفاوضات النهائية على قبول عضويتها في ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وإذا ما تمكنت الأمم المتحدة من تيسير حل، فإن قبرص الحرة، الموحدة، ستنضم إلى أوروبا الموحدة. وإذا لم يحدث ذلك فإن جمهورية قبرص، المعترف بها دولياً، ستنضم ككل، بدون الجالية القبرصية التركية.
ويزعم رؤوف دنكتاش، الزعيم القبرصي التركي، ان انضمام قبرص الموحدة المستقلة إلى الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى هيمنة القبارصة اليونانيين على القبارصة الأتراك. غير أن الاتحاد الأوروبي يستلزم من الأعضاء الجدد أن يكونوا من الديمقراطيات المتماسكة، التي تتسم بوجود اشتراطات محددة لحماية جميع المواطنين. وفضلا عن ذلك، فإن الرئيس القبرصي اليوناني غلافوكس كليريديس مستعد لقبول حل يضمن الحكم المحلي الواسع لكلا الطرفين.
ان مزايا حل أوروبي بالنسبة للقبارصة الأتراك جلية، فمشاركتهم في مؤسسات الاتحاد الأوروبي ستكون مضمونة، وسيحصدون ثمار الاعتمادات المالية التي يخصصها الاتحاد الأوروبي لقضايا البناء، وفي وقت لاحق العضوية في منطقة العملة الأوروبية الموحدة "اليورو". وقد أعد الاتحاد الأوروبي صفقة سلام بقيمة تبلغ حوالي 200 مليون يورو لدعم اندماجهم. وسيصبح القبارصة الأتراك آصرة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. ووفقاً لاستطلاعات الرأي، فإن أكثر من 90 في المائة من القبارصة الأتراك يرغبون في أن يصبحوا مواطنين في الاتحاد الأوروبي، أفلم يحن الوقت لسماع أصواتهم؟
ان عضوية الاتحاد الأوروبي تستلزم حكومة مركزية مفوضة بالمشاركة في صنع القرارات الجماعية، وان الحلول التي تخفي النيات الانفصالية لن تذكي نيران التوتر بين اليونان وتركيا فحسب، وإنما تقوض، أيضاً، قدرة الاتحاد الأوروبي الكبيرة على اتخاذ قرارات فعالة، ذلك ان مآزق قبرص الداخلية يمكن أن تعوق الاجماع.
لقد اختارت اليونان أوروبا باعتبارها الطريق المفضي إلى أمام، الذي سيؤدي بنا إلى ما هو أبعد من التقسيمات التاريخية في البلقان وقبرص. وهذا هو سبب تصويت اليونان لصالح جعل تركيا مرشحاً رسمياً للاتحاد الأوروبي في هلسنكي قبل ثلاثة أعوام. وقد تحسنت العلاقات اليونانية ـ التركية على نحو متسق منذئذ. ومن إغاثة الكوارث والمناطق التي ضربها الزلزال، وسعنا تعاوننا إلى مجالات الطاقة، والزراعة، والتعليم، والتعاون عبر الحدود، والهجرة غير الشرعية، وتخليص حدودنا من الألغام المضادة للأشخاص. وقد تضاعفت التجارة، وزادت السياحة إلى ثلاثة أمثال. وقامت تركيا بدعم جهود اليونان لتجديد المدينة الأولمبية في الألعاب المقرر إقامتها عام 2004. وقد عرضنا بصورة مشتركة استضافة بطولات كرة القدم الأوروبية عام 2008. ان حلاً بشأن قبرص سيعزز هذه العملية، بينما سيؤدي الفشل إلى تقويضها.
ويمكن لليونان وتركيا أن تلعبا دوراً هاماً في استقرار دول منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود، والبلقان، والقفقاس، والشرق الأوسط. ان زيارتي الأخيرة مع وزير الخارجية التركي اسماعيل جم الى رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات تلقي ضوءاً على فرص تعزيز السلام الإقليمي. وعلى نحو مماثل ساعدت قبرص، مؤخراً، على حل مأزق كنيسة المهد في بيت لحم.
وفي الختام أقترح ما يلي: دعونا نتوقف عن جعل قبرص بؤرة للنزاع اليوناني ـ التركي، دعونا نبتعد عن لعب دور الممسك بالسلطة المطلقة تجاه الجاليات الأخرى.
وبدلا من ذلك دعونا نساعدها على العمل بروح التعاون المشترك، وبدلاً من تقسيمنا بخطها الاخضر المصطنع، يمكن لقبرص أن تصبح موقعاً جذاباً للوحدة والتعاون بين اليونانيين والأتراك، بين المسيحيين والمسلمين، فنحن مدينون بذلك للأجيال المقبلة من القبارصة، ولآفاق السلام الأشمل في المنطقة.
* وزيرة خارجية اليونان
* خدمة "وجهة نظر أوروبية" ـ خاص بـ "الشرق الأوسط"














التعليقات