لندن ـ إيلاف: استدعاء السفير الأردني بسام العموش من طهران سيلحقه في العرف الدبلوماسي المعاملة بالمثل، وهذا يعني ان علاقات البلدين الهشة منذ زمن في طريقها إلى الانهيار القريب.
ومرت ظروف علاقات "الأصدقاء الأعداء" الأردن وإيران منذ سقوط الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية العام 1979 والحرب العراقية الإيرانية حتى الوقت الراهن بهزات عنيفة.
وظلت العلاقات بين البلدين متوترة طويلة مع انعدام تمثيل دبلوماسي بينهما لسنوات طويلة حتى عودتها العام 1991 ، وهذه العودة شابها العتاب الذي ظل محور التفاهم بين البلدين.
هذا العتاب مصدره العلاقات المتميزة التي كانت تحكم العائلتين الحاكمتين في الأردن وإيران حتى سقوط الأخيرة، ثم اندلاع حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران حين انحاز الأردن بكليته تماما إلى الجانب العراقي.
ولكن قمة الانهيار جاءت على خلفية التصريحات التي انطلقت من الأردن على لسان مسؤولين كبار أشاروا فيها بأصابع الاتهام إلى إيران على انها وراء إرسال شحنات من الأسلحة إلى الأردن لاستخدامها من جانب عناصر تابعة لحزب الله لاستخدامها ضد مصالح اردنية.
وهذه الاتهامات اثارت ردة فعل عنيفة في طهران التي ردت على عمان مكذبة تصريحاتها ومعلنة العزم على الاستمرار في العلاقات الودية بين البلدين الإسلاميين.
وألقى الأردن القبض في الشهور الماضية على عدد من العناصر التي قال انها تنتمي إلى حزب الله اللبناني المدعوم من ايران وفي حوزتهم كميات كبيرة من الأسلحة.
وهذه المرة، قام حزب الله اللبناني على لسان امينه العام حسن نصر الله بشن هجوم كلامي لاذع للأردن، واصبح بمثابة المتحدث نيابة عن ايران في الصراع الخافت بين البلدين اللذين حافظا على علاقاتهما الدبلوماسية.
وغضب الأردن في نيسان/ ابريل الماضي من حرق علمه في مظاهرات سيرها حزب الله ومنظمات فلسطينية متشددة في العاصمة اللبنانية وبلدات أخرى.
لقد حاول الاردنيون والايرانيون معا العمل لترميم علاقات جديدة بينهما مبنية على اسس من المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
واستقبل الاردن في السنوات السبع الماضية عشرات الالاف من الايرانيين الآتين في سياحة دينية لزيارة اضرحة شهداء معركة مؤتة في جنوب الاردن، ومن بين هؤلاء عدد من آل بيت الرسول الأعظم يتقدمهم جعفر بن ابي طالب (الطيار).
وفي محاولة من الجانبين تطوير علاقاتهما اقتصاديا وتجاريا فان ايران قدمت عرضا كان الاردن العطشان مغريا، حين ابدت ايران القيام بتنفيذ مشروع مد مياه الديسه الباطنية الصحراوية إلى عمان العاصمة.
واذا المشروع يتكلف حوالي 600 مليون دولار فان ايران قدمت شروطا دينية وسياسية وليست مالية، فهي طلبت من الأردن السماح له بانشاء مراكز دينية لتدريس المذهب الجعفري (لايوجد مسلمون شيعة في الأردن)، وكذلك تدريس مبادىء الثورة الإسلامية الإيرانية في المعاهد الأردنية.
وحين وجد الأردن انه سيكون حبيس العرض الإيراني الديني ذي الأهداف السياسية فانه غض النظر عن المشروع متجها إلى ليبيا التي طلبت نفس الشروط من الاردن ولكن بدلا من تدريس الأفكار الخمينية، فان العقيد الليبي معمر القذافي طلب وضع كتابه "الأخضر ونظريته الثالثة" في ضمن المناهج الدراسية الأردنية، ورفض العرض الليبي أيضا.
وكان ان اعلن العاهل الاردني موافقته على تصريح الرئيس الاميركي جورج بوش الذي صنف ايران ضمن دول محور الشر مما اثار امتعاض طهران الشديد.
والى ذلك، فانه في محاولات الطرفين لتصعيد العلاقات فان الملكة الأردنية رانيا العبدالله زارت طهران في صيف العام 2000، والتقي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مع الرئيس الإيراني محمد خاتمي في أيلول/ سبتمبر على هامش قمة الألفية العالمية.
وزار رئيس مجلس الشورى الايراني مهدي كروبي الاردن في صيف العام 2001 ، وكانت زيارته طويلة.
هذه الخطوات جميعا لم تشفع لدفع العلاقات الى الامام، ولكن الهاجس الأمني ظل يلقي بظلاله الثقيلة على تلك العلاقات التي لم تتزحزح من نقطة الجمود سوى من خلال تصريحات دبلوماسية جميعها تشير إلى ضرورة استمرار العلاقات الودية بينهما من دون تدخل أي طرف في شؤون الآخر.
وعلى هامش العلاقات المتدهورة، فانه في الوقت الذي كان فيه الأردن يسمح للسفير الإيراني في عمان بعقد مؤتمرات صحفية، ويلتقي كبار المسؤولين الأردنيين ويعبر عن وجهة نظر بلاده أمامهم، فان السفير الأردني المستدعى إلى بلاده بسام العموش قال انه واجه صعوبات دبلوماسية عديدة في طهران.
وأشار حين عاد إلى عمان أول من أمس إلى انه لم يتمكن من مقابلة أي مسؤول حكومي إيراني سوى رئيس جامعة طهران.
انهيار العلاقات الأردنية الإيرانية يشير في الأخير إلى ان سياسة المحاور الإقليمية تظل هي المهيمنة على توجهات المنطقة الشرق أوسطية عمومها، اذا ما عرفنا ان العلاقات الإيرانية السورية في ابهى حالاتها، وان علاقات الأردن وتركيا والعراق في الخط الموازي تسير إلى الأفضل.