&
أفكار الرئيس مبارك ومقترحاته السياسية سبقته إلي واشنطن‏,‏ قبل أن يصل إليها ويلتقي بالرئيس جورج دبليو بوش في كامب ديفيد‏,‏ ومثلما احتفي الرئيس الأمريكي بالرئيس مبارك في المنتجع الأمريكي الشهير‏,‏ احتفت وسائل الإعلام الأمريكية بمقترحات وأفكار الرئيس مبارك التي اتسمت بالجدية‏,‏ وعكست عمق الخبرة السياسية‏,‏ والثبات علي المبدأ‏,‏ والقدرة علي الابتكار‏,‏ ووضع الحلول السياسية للمشكلات المستعصية بشرط أن تكون القوي الفاعلة علي المسرح السياسي راغبة في التنفيذ‏,‏ وفي مواجهة المعوقات بنفس روح الابتكار ووضع الحلول‏.‏
وسوف تثبت الأيام أن المقترحات التي قدمها مبارك إلي الرئيس الأمريكي ومعاونيه هي الطريق الوحيد لتحقيق السلام‏,‏ بعد أن تدهورت أوضاع المنطقة إلي الحضيض إثر توقف المباحثات السياسية‏,‏ وقيام الإسرائيليين بإعادة احتلال الأراضي الفلسطينية‏,‏ ومحاصرة السلطة الفلسطينية وقمعها‏,‏ مع تحميلها مسئولية كل التداعيات التي نتجت عن ذلك‏,‏ وآخرها انفجار سيارة مفخخة عند تقاطع طريق مجدو قرب حيفا في اليوم الأول لرحلة الرئيس مبارك إلي أمريكا‏,‏ وقد صادفت ذلك أيضا ذكري مرور‏35‏ عاما علي احتلال أراضي الضفة وغزة والقدس‏,‏ وبدلا من أن يتفهم الإسرائيليون الأسباب الكامنة وراء هذه العمليات وكيفية مواجهتها علميا وعمليا بالعودة إلي مسار العمل السياسي‏,‏ وإنهاء الاحتلال‏,‏ وفتح باب الأمل أمام الفلسطينيين ـ كما يطرح الرئيس مبارك ـ يواصل شارون وحكومته تحميل الرئيس عرفات المسئولية‏,‏ كما يواصل الإسرائيليون استعارة لغة الإعلام الأمريكي في مواجهة الإرهاب بوصفهم للرئيس الفلسطيني بالرجل الشرير‏,‏ وصاحب النيات السيئة‏,‏ ومطالبتهم العالم الحر بمقاطعته‏,‏ في حين أنهم أول من يعرفون أن القضية ليست عرفات‏,‏ وإنما قضية شعب محتل يسعي لإنهاء الاحتلال وتحرير
أرضه‏,‏ كما أن استمرار الربط بين قضية الشعب الفلسطيني والإرهاب أصبح شيئا ممجوجا‏,‏ بل ومرفوضا من الإعلام الأوروبي‏,‏ وحتي من بعض أجنحة الإعلام الأمريكي المشوش‏,‏ الذي مازال واقعا تحت تأثير تضليل المتطرفين الإسرائيليين والأمريكيين معا‏,‏ وتداعيات أحداث‏11‏ سبتمبر‏,‏ التي بدأت تتفهم عمق الأزمة وظروف الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال‏,‏ والحياة في ظل إهانات وقمع عسكري لشعب أعزل‏.‏
وعلي الرغم من تسلط المتطرفين في إسرائيل وهيمنة التيار الصهيوني علي الحياة السياسية والإعلامية في أمريكا‏,‏ فإن رحلة الرئيس مبارك إلي واشنطن ومباحثاته مع الرئيس جورج بوش‏,‏ سيكون لها تأثير كبير في توجيه الرأي العام الأمريكي‏,‏ وكسر شوكة التطرف وتأثيره علي القرار الأمريكي في المرحلة المقبلة‏.‏ كما ستؤثر في ثلاثة محاور أساسية‏,‏ أولها‏:‏ قيام الدولة الفلسطينية والاعتراف الأمريكي بها في العام المقبل‏,‏ ثانيها‏:‏ تخفيف الضغوط الأمريكية علي الرئيس عرفات والاعتراف بإصلاحاته السياسية والأمنية الأخيرة التي تلقي احتراما أمريكيا غير معلن‏,‏ ثالثها‏:‏ صيغة المؤتمر الدولي المقبل بحيث يعمل علي حل مشكلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي في مساراته المختلفة بمشاركة كل الأطراف العربية‏,‏ وأن يكون الحل شاملا وليس جزئيا‏,‏ وأن يكون مؤتمرا عالميا وليس إقليميا‏,‏ ويستند علي مرجعيات عملية السلام منذ أن بدأت في مدريد وأوسلو باحترام كل القرارات الدولية‏,‏ وقرارات مجلس الأمن‏,‏ بالإضافة إلي المبادرة العربية التي تعرض صلحا شاملا مقابل انسحاب كامل والعودة إلي حدود‏5‏ يونيو‏1967.‏(الأهرام المصرية)