&
كان ما يزال طفلا في السادسة من عمره‏..‏ عندما وقعت بلاده فريسة في براثن رجل أحمق‏,‏ قبض بأفكاره النازية الهوجاء علي زمام أمورها عام‏1933,‏ وأقام سرادقا للعزاء في الديمقراطية‏!.‏ وفي ذلك الزمن الكئيب والغريب‏,‏ لم يفطن الطفل الألماني مارتن فالسر لفداحة رغبة أمه في الانضمام لعضوية الحزب النازي‏,‏ الذي كان يتزعمه الطاغية أدولف هتلر‏..‏ ولكنه لم يتردد كثيرا‏,‏ بعد أن أصبح واحدا من ألمع الروائيين الألمان‏,‏ في إفشاء هذا السر العائلي‏,‏ في رواية رصد في فصولها سيرته الذاتية‏,‏ ونشرها عام‏1998.‏
وفي ذاك العام‏1998..‏ احتفلت ألمانيا بكاتبها الكبير مارتن فالسر‏,‏ عندما فاز بجائزة الناشرين الألمان‏..‏ وألقي عند تسلمه الجائزة كلمة موحية استنكر فيها ملاحقة الألمان بعقدة الذنب بسبب الجرائم التي ارتكبها هتلر ضد الإنسانية والأقليات‏..‏ وأماط اللثام عن أن دوائر أجنبية تنفخ باستمرار في نيران عقدة الذنب‏,‏ حتي يصطلي في أتونها الشعب الألماني‏..‏
وكانت ألمانيا‏..‏ قبل نحو شهرين من كلمة فالسر هذه‏..‏ قد قالت كلمتها الفاصلة والحاسمة في الانتخابات العامة التي جرت في سبتمبر‏1998..‏ فقد فاز فيها‏,‏ لأول مرة‏,‏ أبناء من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية‏..‏ كان في مقدمتهم المستشار جيرهارد شرودر‏..‏ وأكد العالمون ببواطن الأمور الألمانية أن هذا الجيل السياسي الجديد لا يمت بأي صلة إلي الماضي‏..‏ وأن عقدة الذنب لا تثقل ضميره‏..‏ لأنها لا تشكل جانبا من ذكرياته‏..‏ وكان شرودر واضحا عندما قال إن ألمانيا قد سددت كل الفواتير القديمة‏!‏
‏{‏ ــ ــ ــ
ألمانيا‏..‏ عندما عصفت بها الهزيمة في نهاية الحرب العالمية الثانية‏..‏ انشطرت إلي شطرين‏..‏ وبادر الحكماء والعقلاء في ألمانيا الغربية إلي التنصل من الحقبة النازية بكل وقائعها وجرائمها‏..‏ وقالوا‏..‏ مجازا وخيالا‏..‏ إننا نبدأ الآن تاريخنا‏..‏ من عام الصفر‏..‏ وانخرطوا في بناء بلد ديمقراطي زاهية ألوانه السياسية والاقتصادية‏..‏
لكن عام الصفر كان عسيرا‏..‏ بالنسبة للأدباء والمبدعين في مرحلة أدب الأطلال والخرائب‏..‏ ولم ينقذهم من الأزمة الروحية التي كانوا يكابدونها منها سوي تشكيل منتدي ثقافي أطلقوا عليه اسما هو جماعة‏47..‏ وفي رحابه كانوا يتحاورون حول القضايا السياسية والأدبية‏..‏ حتي تبلورت الرؤي الجديدة للإبداع‏..‏
وقد انضم مارتين فالسر إلي هذه الجماعة عام‏1953..‏ صار علما من أعلامها إلي جانب الروائيين الشهيرين هاينريش بول وجونتر جراس‏..‏ ولم يقبع هؤلاء الكتاب في أبراجهم العاجية‏,‏ ولم يخاصموا السياسة‏..‏ مثلما فعل أدباء ما قبل الكارثة النازية‏..‏ فقد انخرطوا في غمار الحياة الحزبية‏..‏ ويمموا قلوبهم وأفكارهم نحو الحزب الاشتراكي الديمقراطي‏..‏
‏{‏ ــ ــ ــ
مارتن فالسر‏..‏ في رحلته الأدبية الحافلة‏..‏ اصطدمت رؤاه بأفكار ناقد ألماني شهير يطلقون عليه بابا الأدب وهو الناقد مارسيل راينيكي‏..‏ ولم يخف مارسيل عدم إعجابه برواية أبدعها فالسر‏..‏ فماذا يفعل الروائي؟‏..‏
لقد توهج خياله وتفتق ذهنه عن حبكة لرواية جديدة سماها موت ناقد‏..‏ واستدعي في فصولها أطوارا من حياة مارسيل‏..‏ فهو ألماني من أصل بولندي‏,‏ وهو الوحيد الذي نجا من بين أفراد أسرة يهودية من عسف الحقبة النازية‏..‏ وتمضي حبكة الرواية لتوهم القارئ بأن الروائي أحكم تدبير جريمة اغتيال الناقد‏..‏
وكانت المفاجأة المثيرة‏,‏ التي كدرت إلا قليلا‏,‏ صفو الحياة السياسية والأدبية‏,‏ هي رفض صحيفة ألمانية كبري نشر الرواية في ملحقها الأدبي‏..‏ وتعللت بأنها تعد وثيقة كراهية ضد اليهود‏..‏ وكانت حيثيات هذا المرض‏..‏ إيذانا باتهام فالسر بالعداء للسامية‏..‏ ورغم ذلك تجاسر ناشر ألماني وقرر إصدار الرواية حتي يتبين القارئ الخيط الأبيض من الخيط الأسود من التهمة الموجهة إلي الروائي‏..‏
وهي تهمة جائرة تسرف في إطلاقها‏,‏ هذه الأيام‏,‏ دوائر إسرائيلية وصهيونية‏..‏ في إطار حملة شعواء لوأد التعاطف الأوروبي مع الشعب الفلسطيني‏..‏ وهو تعاطف بلغ أوج توهجه الإنساني إبان مظاهرات الغضب من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط التي عمت ألمانيا أخيرا‏..‏ في أثناء زيارة الرئيس جورج بوش لبرلين‏..‏
والمطلوب الآن حتي تستقر الأحوال‏,‏ ويعود المتظاهرون الألمان إلي عام الصفر السياسي‏..‏ أن تبادر السلطات باعتقال خيال الروائي‏!!‏(الأهرام المصرية)