واشنطن - يقول المحللون ان مذهب الرئيس الامريكي جورج بوش الجديد المتعلق باتخاذ اجراءات وقائية ضد دول معادية وجماعات تطور اسلحة دمار شامل ربما يكون اكبر تحول تشهده السياسات الامريكية منذ 50 عاما. ولكن الامر يعتمد علي ما اذا كانت تعهداته بتوجيه الضربة الاولي للعدو قبل ان يفكر في مهاجمة الولايات المتحدة ليست مجرد قول خطابي بل سيطور الي خطة عمل ملموسة. فقد كان لدي الرؤساء الامريكيين السابقين هذه الاداة الوقائية نفسها لكن لم يختر اي منهم استخدامها. ويقول وليام جالستون الاستاذ بجامعة ماريلاند "الامر يتعلق هنا بما لا يقل عن تحول جذري في مكانة امريكا في العالم".
وكتب المساعد السابق للرئيس بيل كلينتون في صحيفة واشنطن بوست يقول "بدلا من ان تواصل الولايات المتحدة التعامل كالدولة الاولي بين انداد كما كانت تفعل في النظام الدولي لمرحلة ما بعد الحرب بدات تتعامل باعتبارها القانون ذاته وتضع قواعد جديدة للتعامل الدولي دون موافقة الدول الاخري... هذا موقف جديد لن يخدم المصالح الامريكية علي المدي الطويل. وقال انتوني كوردسمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان اسلوب بوش "ليس جديدا فيما عدا ان الرئيس اعلنه في بيان رسمي". وابلغ رويترز ان هذا الاسلوب له قيمته لانه يحذر الاعداء من انهم ليسوا محصنين قبل ان يهاجموا الولايات المتحدة فعليا.
ومضي يقول ان منتقدي الولايات المتحدة قد يفسرون موقف بوش "بانه تصرف من جانب واحد او تهور. لكن السؤال هو هل نريد بيانا صريحا يكون بمثابة انذار وردع ام نريد ان نعيش في عالم من الادعاء".
وفي حين مازالت واشنطن تجاهد للرد علي هجمات 11 سبتمبر الماضي وتتوقع هجمات اخري في المستقبل طرح بوش فكرة الاجراء الوقائي في كلمته امام البرلمان الالماني في مايو الماضي. ثم تناولها مرة اخري في كلمة حفل التخرج في الاكاديمية العسكرية في وست بوينت وتوسع في شرح المسألة قائلا ان الولايات المتحدة يجب ان تكون مستعدة لتوجيه الضربة الاولي "للارهابيين" لان سياسات الردع المستخدمة وقت الحرب الباردة لم تعد تلائم العالم بعد 11 سبتمبر. ولم يتضح بالتحديد ما الذي يقصده بوش. فسياسته الجديدة لم تطرح بشكل كامل وليس من المتوقع ان تستكمل تفاصيلهاالتي تدرسها الادارة حتي اغسطس المقبل.
لكن بشكل عام تستهدف سياسة العمل الوقائي تنظيم القاعدة الجماعة التي تلقي عليها مسؤولية هجمات 11 سبتمبر علي مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع بالاضافة الي دول مثل العراق وايران وكوريا الشمالية التي يقول بوش انها تشكل "محورا للشر" وتطور اسلحة نووية وكيمياوية وبيولوجية.
والهدف الاول هو العراق فقد تردد ان المخابرات الامريكية تضع خططا للاطاحة بالرئيس صدام حسين كسبيل لتجنب غزو امريكي كامل للعراق. وليس من المتوقع ان تتبني السياسة الوقائية الجديدة اول استخدام للاسلحة النووية الامريكية وهو امر لم تستبعده واشنطن ابدا لكنها تجنبته منذ اسقاطها قنبلتين ذريتين علي اليابان اثناء الحرب العالمية الثانية. لكنها من المتوقع ان تشمل تدخلات عسكرية تقليدية بالاضافة الي السبل الدبلوماسية.
وتعكس هذه السياسة الجديدة الاعتقاد الراسخ لدي المحافظين داخل الادارة الامريكية بان الولايات المتحدة يجب ان تكون لديها القدرة علي اتخاذ اي اجراء تعتبره ضروريا للدفاع عن الامن القومي. وقالت كوندوليزا رايس مستشارة الامن القومي لصحيفة نيويورك تايمز واصفة ما تفكر فيه الادارة الامريكية فيما يتعلق بالسياسة الوقائية "انها تعني حقيقة عملا مبكرا نوعا ما... تعني احباط اعمالا مدمرة بعينها موجهة ضدك عن طريق عمل مضاد.. هناك اوقات لا يمكننا فيها انتظار العمل لنرد عليه". ويقول ايفو دالدر خبير الامن القومي في معهد بروكينجز والذي عمل في البيت الابيض في عهد كلينتون ان اصداء مثل هذا الحديث ترددت في اوروبا حيث اتعبر دليلا اخر علي ان بوش يميل للتصرف من جانب واحد فيما يتعلق بالشؤون الخارجية دون ان يولي اهتماما يذكر لاراء حلفاءه. لكن داخل الولايات المتحدة لم تدر مناقشات تذكر. فالكثيرون لا ياخذون هذه السياسة مأخذ الجد والبعض اعطي للحكومة بعد 11 سبتمبر تفويضا واسعا لتقوم بما تراه ضروريا لمكافحة تهديدات المتطرفين.
وقال مصدر جمهوري انه ليس لديه "مشكلة فيما يتعلق بنظريةالسياسة الوقائية" لكنه يعتقد ان بوش يوجه قوة كبيرة لتحديد من يعتبرهم هو اعداء الولايات المتحدة واهداف عسكرية. واضاف ان الكونجرس الامريكي لم يعد يقوم بدور الرقابة والموازنة بسبب الارتفاع الكبير في شعبية بوش. وقال مايكل فلورنوي وفينيكا لافلور الخبيران في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ان بوش علي حق في الاحتفظ بحق توجيه الضربة الاولي. لكنهما اكدا في مقال في صحيفة واشنطن بوست ان "السياسة الوقائية يجب ان تظل خيارا مطروحا علي قائمة السياسات الامريكية طويلة الاجل والا تكون هي السياسة". فالمخاطر المحتملة كبيرة. ويقول الخبراء ان افضل توقيت لتوجيه ضربة وقائية هو المراحل الاولي من تطوير دولة ما لاسلحة نووية او كيمياوية او بيولوجية. فمع تطور هذه البرامج يعمل الزعماء بدرجة اكبر علي حمايتها وتصبح مهمة القضاء علي هذا التهديد اكثر صعوبة.
لكن عندما يكون برنامج اسلحة الدمار الشامل في مراحله الاولي يكون من الصعب ايجاد اسباب مقنعة سياسيا لتوجيه الضربة الوقائية وتتزايد احتمالات نشوب حرب شاملة.(الراية القطرية)