&
من اللاأخلاقي مطالبة من هو مسلوب القوة أن يتصرف أخلاقياً. ومن اللأخلاقي, في المقابل, أن لا يملك مسلوب القوة إلا قوة واحدة: اللاأخلاق.
الشطر الأول يصح في الاسرائيليين الذين لا يريدون أن يروا صلة ما بين احتلالهم وعنفهم وإذلالهم للفلسطينيين وتيئيسهم لهم, وبين العمليات الانتحارية التي يقوم بها فلسطينيون. كما لو أن الانتحار من مواصفات جنس, أو من هوايات مجموعة مميزة من البشر!
الشطر الثاني يصح في الفلسطينيين الذين ينكرون وجود ما يحوّل الرغبات والغرائز وردود الفعل الى عمليات انتحارية, أي: ينكرون الصناعة التنظيمية (التعبوية, التسليحية, اللوجستية...), والرهانات الغبية على تعديل توازن القوى, والقيم المتخلفة التي يحرّكها الانتقام والثأر.
ويستنجد الاسرائيليون على القوة اللاأخلاقية للضعيف بالقوة اللاأخلاقية للقوي, فيبنون سوراً. والسور حتى لو صحّ أنه لن يقضم أرضاً وقرى. وحتى لو صحّ أنه لن يصير حداً... يبقى الرمزي فيه صاعق الدلالة.
فهذا النُصب الذي ازدهر في القرون الوسطى, تم توهّـمه عازلاً من بشر (أدنى), بل تم توهّـمه حائلاً دون الأمراض المُـعدية, كالطاعون, مما ينقله... الهواء. أبعد من هذا, ان اليهود كانوا, في التاريخ الأوروبي, أبرز ضحايا السور: السور كان حدود الغيتو الذي أجبرهم قدامى اللاساميين على الانحصار فيه. والآن قضت سخرية التاريخ بأن تُبنى للفلسطينيين حدود لغيتو ينحصرون فيه.
وأن يكون بُناة الغيتو الجديد أحفاد ضحايا الغيتو الأوروبي القديم. وأن يمارس بعضهم فصل عائلات فلسطينية يعيش بعضها في اسرائيل وبعضها في الضفة. وأن يقوم بعضهم بترقيم الزنود, وبعضهم بربط الأقدام بالجنازير... فهذا كله ليس شهادة في صالح البشر ولا في صالح الشرط الانساني.
فالفصل, بسائر أشكاله, تصعب تبرئته من العنصرية. مع هذا فهو يخالف الفصل الذي أرادته المانيا الشرقية السابقة حين بنت جدار برلين: الأخير كان حائلاً دون النموذج الرأسمالي الناجح في الغرب, فيما المقصود هنا صدّ النموذج الوحيد, أو الوصل الوحيد, الذي يملكه الانتحاريون الفلسطينيون: الوصل بالموت والإماتة. أي: خلط البشر ببعضهم بوصفهم دماً بدم. وأشلاء بأشلاء. وحديداً بحديد.
وهذا ليس وعداً لأحد ولا بشرى: لا لضحاياه ولا لأصحابه. فنحن, هنا, حيال فعل من دون عقل. ومن دون قلب بالتأكيد.
وغالباً ما يسير الفصل العنصري في موازاة الوصل الموتي. غالباً ما يستحضر واحدهما الثاني, فيمعن الاثنان في انتهاك الأخلاق بقدر إمعانهما في استبعاد السياسة. وبعد ذاك, يقال إن ثمة متفائلين بـ... مستقبل الشرق الأوسط! (الحياة اللندنية)