&
خلال عشاء اقامه هذا الاسبوع رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة، ووزير خارجية كوريا السابق، على شرف رئيس السنغال عبد الله واد، وحضرها الامين العام، زاحمت اخبار مونديال كرة القدم ما عداها من القضايا الراهنة. وخلال زيارة كوفي انان الى جنيف الاسبوع الماضي، التقى ممثله الخاص الى "الفيفا" الرئيس السويسري الاسبق ادولفو اوجي ليتأكد من تقديم شاشات كبرى توضع في شوارع كابول لكي يتابع الشعب الافغاني المباريات الحاسمة، لعل في ذلك ما يساهم في مهمة حفظ السلام. وصدف في قبرص ان الممثل الخاص بولوني وقائد القوة الدولية كوري. فتشارك "زبغنيو فولو سيفيتش" والجنرال "جن ها" في الدعوة الى مشاهدة المباراة بين بلديهما.
كرة القدم، مثل الغناء والشعر، عاطفة مشبوبة كامنة عادة، جياشة عندما تسنح المناسبة.
بعد حضور اجتماع لمجلس الامن عقد الرئيس كارلوس منعم ندوة صحافية شرح فيها مواقف بلاده السياسية بتركيز متوازن. واستمر يتجاذب اطراف الحديث مع عدد من الحضور الى ان أثار احدهم مونديال كرة القدم في المكسيك، حيث كانت يد الله مع الجماعة ويد مارادونا في مرمى الانكليز. وعندها اندفع يناقش كأنه يخوض معركة عسكرية دفاعا عن الامن القومي الارجنتيني.
خلال غداء اقيم تكريما للفنان الاوبرالي لوشيانو بافاروتي في الامم المتحدة، قبيل مونديال باريس، تسابق عدد من المندوبين لاستكشاف تقديراته حول الفريق المرشح للفوز. وحاول الفنان الايطالي، الذي يشارك عادة في الحفلات الختامية لكل مونديال، ان يساير الجو الدبلوماسي. فاشار الى حظوظ البرازيل والمانيا والارجنتين الى ان لمح النظرات القلقة التي يرمقه بها السفير الايطالي النافذ باولو فولشي. وعندها أكد حتمية النصر للأزرق. وعلم ان عددا من السفراء قد نقل تلك التقديرات الى العاصمة. فمثل هذه المناقشة تهم رئيس الدولة مباشرة. وقد اثار الرئيس المكسيكي السابق ساليناس عاصفة شعبية عندما اقترح تشكيلته الخاصة للمنتخب الوطني مشيدا باللاعب هوغو سانشيز ومتجاهلا تصاعد شعبية مهاجم شاب معروف باسم "التوريادور". وعندما خسر فريق المكسيك الاسبوع الماضي امام اميركا، القى الرئيس فوكس خطابا مؤثرا بدأه بالقول انه عاجز عن الكلام.
في مباراة شبه النهائي بين المانيا وبلغاريا في مونديال اميركا كنت مع زميلي بينون سيفان المدير الحالي لبرنامج النفط مقابل الغذاء، نجلس في الوسط بين مشجعي الفريقين. وكان رئيس الدولة البلغاري يقود الهتاف الجماعي بحماس واضح. وعندما رفض الحكم احتساب ركلة لصالح الكابتن شتيويكوف خلع سعادته الجاكيتة وقفز مع مرافقيه الى حافة الملعب رافعا يديه وهو يصرخ معترضا على سوء التحكيم.
رئيس الوزراء الايطالي اكتشف تأثير الكرة منذ امتلاكه فريق ميلان وسيطرته على تلفزيون ميديا ست. واطلق على الحزب الذي خاض على رأسه الانتخابات نفس الاسم الذي يطلقه الايطاليون على فريقهم الوطني: "فورزا ايطاليا". وقبل ان يصبح رئيسا للولايات المتحدة كان حاكم تكساس جورج ووكر بوش يتابع اخبار الرياضة مثل اخبار السياسة. فقد كان شريكا في ملكية فريق لكرة القدم.
ان علاقة الرياضة بالشأن العام قديمة منذ بدأ الاولمبياد الاول في اثينا. لم يكن الهدف هو بناء العقل السليم بالجسم السليم. فذلك القول على شيوعه لم يثبت بعد. ولكنه مجال للتنافس والمبارزة الشعبية مع قدر مقبول من الأذى لا يتجاوز المصارعة الحرة او ركلات الجزاء. وهي تبقى اقل ضررا من معركة طروادة او حرب المائة عام. ولعل أحد الفوارق مع مرور الزمن هو ارتفاع اجر المشاركين. فقد كان التقدير العام هو كل ما يناله الرياضي اللامع. اما في المنافسة الحالية فإن قيمة اللاعبين في مباراة بريطانيا والارجنتين وحدها تقارب المائة مليون دولار. وهم على اي حال يكسبون رزقهم في العمل علنا تحت الاضواء وامام اعين الناس وبالعرق المتصبب والاصابات المتلاحقة. مع تسارع وسائل الاتصال، تخطى اللاعب حدود المربع المحلي الى مشاعر المتفرج في كل مكان. مع اتساع عوالم الاعلام وتنافس الاعلان اصبح ابطال الرياضة اكثر نجومية من اهل السياسة واكثر تأثيرا على الرأي العام. الملايين التي تجهل اسماء رؤساء الدول تعرف اسماء مواطنيها من كبار اللاعبين. اصبح هؤلاء مثالا يحتذى. سلوكهم داخل الملاعب وخارجها يدفع الشباب الى تقليدهم، على وهم محاكاة الابطال، بعضهم يدرس المسؤولية ومعظمهم مستعد للقيام بدور ما اذا كان واضحا وبسيطا وبعيدا عن التعقيد. لقد قدم مايكل جوردان لاعب كرة السلة مثالا ايجابيا في مهمة تشجيع الاطفال على الدراسة والابتعاد عن المخدرات. وقد اتفق بعض مؤسسات الامم المتحدة مع عدد من الرياضيين للمشاركة في دعم حملات مماثلة. ومما يشرف زين الدين زيدان ورونالدو ـ اغلى لاعبين في العالم ـ انهما وافقا مؤخرا على التعاون مع برنامج الامم المتحدة للتنمية لمساندة مجتمعات العوز التي انطلقوا منها، ودعم مشاريع التنمية في مواجهة التخلف.
في المونديال الحالي ظهرت عروض كروية شيقة وضاعت فرص مثيرة. غير ان الفرصة الكبرى التي ضاعت في اجواء عالمنا المشحون بالتوتر هي اشراك اكبر عدد من اللاعبين في لقطات حضارية تقدم باختصار جذاب البعد الانساني للدول المشاركة، وتشجع على التفاهم بين الشعوب. وقد احسن الكابتن البريطاني ديفيد بيكم، مثلا في المبادرة باللقاء المفتوح مع الاطفال والحوار الدافئ حول عياله واطفال بلاده. فليس المطلوب اطلاق التصريحات او القاء الخطب. انما بالاضافة الى مغريات الدعاية للمشروبات المنعشة او الوعود بترقيص الخصم، يمكن التوجه الى اكثر من مليار مشاهد، اي خُمس سكان الارض، بدقيقة لماعة تدلل على عراقة بلد اللاعب وشراكة الاهتمام بكرامة الحياة.
في ما عدا ذلك اثبتت المباريات ان النجومية الاستعراضية وحدها بلا مضمون تبقى فارغة، بل وفاشلة امام فريق متماسك. (عن "الشرق الأوسط" اللندنية)
كرة القدم، مثل الغناء والشعر، عاطفة مشبوبة كامنة عادة، جياشة عندما تسنح المناسبة.
بعد حضور اجتماع لمجلس الامن عقد الرئيس كارلوس منعم ندوة صحافية شرح فيها مواقف بلاده السياسية بتركيز متوازن. واستمر يتجاذب اطراف الحديث مع عدد من الحضور الى ان أثار احدهم مونديال كرة القدم في المكسيك، حيث كانت يد الله مع الجماعة ويد مارادونا في مرمى الانكليز. وعندها اندفع يناقش كأنه يخوض معركة عسكرية دفاعا عن الامن القومي الارجنتيني.
خلال غداء اقيم تكريما للفنان الاوبرالي لوشيانو بافاروتي في الامم المتحدة، قبيل مونديال باريس، تسابق عدد من المندوبين لاستكشاف تقديراته حول الفريق المرشح للفوز. وحاول الفنان الايطالي، الذي يشارك عادة في الحفلات الختامية لكل مونديال، ان يساير الجو الدبلوماسي. فاشار الى حظوظ البرازيل والمانيا والارجنتين الى ان لمح النظرات القلقة التي يرمقه بها السفير الايطالي النافذ باولو فولشي. وعندها أكد حتمية النصر للأزرق. وعلم ان عددا من السفراء قد نقل تلك التقديرات الى العاصمة. فمثل هذه المناقشة تهم رئيس الدولة مباشرة. وقد اثار الرئيس المكسيكي السابق ساليناس عاصفة شعبية عندما اقترح تشكيلته الخاصة للمنتخب الوطني مشيدا باللاعب هوغو سانشيز ومتجاهلا تصاعد شعبية مهاجم شاب معروف باسم "التوريادور". وعندما خسر فريق المكسيك الاسبوع الماضي امام اميركا، القى الرئيس فوكس خطابا مؤثرا بدأه بالقول انه عاجز عن الكلام.
في مباراة شبه النهائي بين المانيا وبلغاريا في مونديال اميركا كنت مع زميلي بينون سيفان المدير الحالي لبرنامج النفط مقابل الغذاء، نجلس في الوسط بين مشجعي الفريقين. وكان رئيس الدولة البلغاري يقود الهتاف الجماعي بحماس واضح. وعندما رفض الحكم احتساب ركلة لصالح الكابتن شتيويكوف خلع سعادته الجاكيتة وقفز مع مرافقيه الى حافة الملعب رافعا يديه وهو يصرخ معترضا على سوء التحكيم.
رئيس الوزراء الايطالي اكتشف تأثير الكرة منذ امتلاكه فريق ميلان وسيطرته على تلفزيون ميديا ست. واطلق على الحزب الذي خاض على رأسه الانتخابات نفس الاسم الذي يطلقه الايطاليون على فريقهم الوطني: "فورزا ايطاليا". وقبل ان يصبح رئيسا للولايات المتحدة كان حاكم تكساس جورج ووكر بوش يتابع اخبار الرياضة مثل اخبار السياسة. فقد كان شريكا في ملكية فريق لكرة القدم.
ان علاقة الرياضة بالشأن العام قديمة منذ بدأ الاولمبياد الاول في اثينا. لم يكن الهدف هو بناء العقل السليم بالجسم السليم. فذلك القول على شيوعه لم يثبت بعد. ولكنه مجال للتنافس والمبارزة الشعبية مع قدر مقبول من الأذى لا يتجاوز المصارعة الحرة او ركلات الجزاء. وهي تبقى اقل ضررا من معركة طروادة او حرب المائة عام. ولعل أحد الفوارق مع مرور الزمن هو ارتفاع اجر المشاركين. فقد كان التقدير العام هو كل ما يناله الرياضي اللامع. اما في المنافسة الحالية فإن قيمة اللاعبين في مباراة بريطانيا والارجنتين وحدها تقارب المائة مليون دولار. وهم على اي حال يكسبون رزقهم في العمل علنا تحت الاضواء وامام اعين الناس وبالعرق المتصبب والاصابات المتلاحقة. مع تسارع وسائل الاتصال، تخطى اللاعب حدود المربع المحلي الى مشاعر المتفرج في كل مكان. مع اتساع عوالم الاعلام وتنافس الاعلان اصبح ابطال الرياضة اكثر نجومية من اهل السياسة واكثر تأثيرا على الرأي العام. الملايين التي تجهل اسماء رؤساء الدول تعرف اسماء مواطنيها من كبار اللاعبين. اصبح هؤلاء مثالا يحتذى. سلوكهم داخل الملاعب وخارجها يدفع الشباب الى تقليدهم، على وهم محاكاة الابطال، بعضهم يدرس المسؤولية ومعظمهم مستعد للقيام بدور ما اذا كان واضحا وبسيطا وبعيدا عن التعقيد. لقد قدم مايكل جوردان لاعب كرة السلة مثالا ايجابيا في مهمة تشجيع الاطفال على الدراسة والابتعاد عن المخدرات. وقد اتفق بعض مؤسسات الامم المتحدة مع عدد من الرياضيين للمشاركة في دعم حملات مماثلة. ومما يشرف زين الدين زيدان ورونالدو ـ اغلى لاعبين في العالم ـ انهما وافقا مؤخرا على التعاون مع برنامج الامم المتحدة للتنمية لمساندة مجتمعات العوز التي انطلقوا منها، ودعم مشاريع التنمية في مواجهة التخلف.
في المونديال الحالي ظهرت عروض كروية شيقة وضاعت فرص مثيرة. غير ان الفرصة الكبرى التي ضاعت في اجواء عالمنا المشحون بالتوتر هي اشراك اكبر عدد من اللاعبين في لقطات حضارية تقدم باختصار جذاب البعد الانساني للدول المشاركة، وتشجع على التفاهم بين الشعوب. وقد احسن الكابتن البريطاني ديفيد بيكم، مثلا في المبادرة باللقاء المفتوح مع الاطفال والحوار الدافئ حول عياله واطفال بلاده. فليس المطلوب اطلاق التصريحات او القاء الخطب. انما بالاضافة الى مغريات الدعاية للمشروبات المنعشة او الوعود بترقيص الخصم، يمكن التوجه الى اكثر من مليار مشاهد، اي خُمس سكان الارض، بدقيقة لماعة تدلل على عراقة بلد اللاعب وشراكة الاهتمام بكرامة الحياة.
في ما عدا ذلك اثبتت المباريات ان النجومية الاستعراضية وحدها بلا مضمون تبقى فارغة، بل وفاشلة امام فريق متماسك. (عن "الشرق الأوسط" اللندنية)













التعليقات