برلين- سمير عواد:ربما نشوة الفرحة بالفوز بالانتخابات العامة في عام 1994 وحصوله على مقعد نيابي، كانت السبب في التغيير العاجل على حياة تشيم أوزدمير. فقد سارع عضو حزب الخضر وتحالف 90 المولود في ولاية بادن فورتمبيرغ من أبوين تركيين والبالغ اليوم 36 عاما من العمر أولا إلى شراء سيارة جديدة لوالده. ثم سعى إلى تجهيز مكتب خاص به. وحين طرقت مصلحة الضرائب في مدينة لوفيجسبورج بابه لمقاسمته الأرباح التي جناها نتيجة عمله في السياسة كانت جيوب أوزدمير خاوية وتعين عليه البحث عن حل سريع قبل أن يفتضح أمره وما لبث أن وجد هذا الحل فاستدان مبلغ 80 ألف مارك مقابل فائدة ضئيلة من شركة يملكها رجل أعمال ألماني يدعى موريتز هونسينغر.
أن يقع نائب في البرلمان الاتحادي يشكو من ضائقة مالية بيد رجل أعمال يدير شركة للعلاقات العامة تعمل في عقد صلات بين الاقتصاد والسياسة، مسألة حسابية رغم تأكيد أوزدمير أنه لم يقدم خدمات مقابل حصوله على قرض بخس لكن أوزدمير شارك في عدد من اللقاءات التي كانت شركة هونسينغر للعلاقات العامة تدعو إليها وتستغلها لهدف التأثير على اللوبي السياسي وترتيب لقاءات جانبية بين مدراء شركات ألمانية ومسئولين كبار في الحكومة والأحزاب.
وأقال المستشار جيرهارد شرودر وزير دفاعه رودولف شاربنغ بعد أن نشرت وسائل الإعلام الألمانية معلومات جاء فيها تقاضي الوزير الذي يمسك منصب نائب رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم، مبلغ 180 ألف مارك من شركة العلاقات العامة المذكورة. وحين رفض شاربنغ اتهامات بتقاضيه هذا المبلغ لقاء خدمات للشركة منها دعم لوبي السلاح الألماني والترويج له خلال زيارة قام بها في عام 1999 إلى مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة, قال الوزير السابق أنه حصل على هذا المبلغ الذي لم يصرح به إلى رئيس البرلمان الاتحادي عملا بالقانون، إضافة إلى أنه لا ينبغي على وزير القيام بعمل إضافي خلال توليه المسئولية في السلطة.
وسلطت الأضواء أيضا على يوشكا فيشر نائب المستشار ووزير الخارجية التابع لحزب الخر وتحالف 90، فقد نفت وزارة الخارجية الألمانية في برلين معلومات بثتها محطة التلفزة الأولى أي آر دي ورد فيها أن فيشر حصل من شركة هونسينغر التي ينتمي صاحبها إلى الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض، على عدة مئات من آلاف الماركات نظير حقوق كتابه (طريقي الطويل إلى نفسي). وقال الخبير في قانون الدولة أولريش باتيس في برنامج (حقائق) أنه لا يحق لوزير القيام بعمل إضافي خلال توليه منصبه كما أن فيشر ثبت ذنبه حينما صرح بالمبلغ الذي تقاضاه إلى مصلحة الضرائب. وكان فيشر قد ألقى محاضرة أمام ممثلين عن الشركات الألمانية نظمتها شركة هونسينغر للعلاقات العامة التي تبرعت على اثرها بمبلغ يزيد على 19 ألف مارك إلى حزب الخضر وتحالف 90 الذي ينتمي إليه فيشر.
يستدل من الأرقام التي نشرتها وسائل الإعلام الألمانية أن هونسنغر أغدق بتبرعات مجزية خلال السنوات الماضية على جميع الأحزاب الكبيرة الممثلة في البرلمان باستثناء حزب الاشتراكية الديمقراطية خليفة الحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية السابقة، وأن الحزب الذي انتفع على الأكثر من هذه التبرعات هو الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض. وليس من المعتاد أن تقوم صلة بين هونسينغر وسياسي بدون تبادل المصالح. ويجلس في حكومة شرودر عضو سابق في شركة هونسينغر هو هانز مارتن بوري الذي يتولى منصب وزير المستشارية منذ عام 1999.
وألقت هذه القضية أضواء على الدور الخفي الذي تقوم به شركات العلاقات العامة في برلين. ذلك أن الخدمات التي تقدمها شركة هونسينغر للعلاقات العامة، تدور حول عقد الاتصالات مع أعضاء البرلمان والحكومة والأحزاب وتنظيم لقاءات بعيدا عن انتباه الرأي العام. ويقول أحد المطلعين أن هونسينغر كان يعرض على أعضاء البرلمان مكافأة قدرها عشرون ألف مارك مقابل التوسط بين شركته وأحد أعضاء الحكومة لإلقاء محاضرة أمام ممثلي الشركات وكان يستعيد قيمة المكافأة إضافة إلى أجر التوسط العالي من الشركات الألمانية. وأضاف المصدر أنه في بعض الأحيان كانت فاتورة التوسط للقاء بين شركة ووزير تبلغ 150 ألف مارك. بعد الكشف عن قضية شاربنغ اطلع الرأي العام من خلال ما نشر حتى الآن على ما يدور وراء الكواليس في العاصمة برلين وأن القرارات السياسية عرضة للشراء باستخدام بعض الجهد ومدراء شركات العلاقات العامة. وتدرج على قائمة الشخصيات التي هي على صلة بشركة هونسينغر أسماء كبيرة. وسارع عدد من السياسيين بينهم وزير خارجية ألمانيا السابق كلاوس كينكل التابع للحزب الديمقراطي الحر المعارض إلى التأكيد أنه ألقى محاضرة تلبية لدعوة من شركة العلاقات العامة المذكورة لكنه لم يحصل على أجر.
وقد استطاع موريتز هونسينغر أن يؤسس لنفسه رصيدا وافرا في برلين، يتمثل في صلاته الوثيقة مع الوزراء وزعماء المعارضة وكبار المسئولين في الوزارات أما زبائنه فهم أصحاب ورؤساء كبريات الشركات الألمانية ومدراء ومصرفيون وصحفيون. ويزيد عدد الأسماء والعناوين المخزنة في حاسوب الشركة على خمسين ألف اسم وتفاصيل حول أسلوب حياة هؤلاء الأشخاص حتى نوع النبيذ المفضل عند الذين يحتسون الخمرة منهم أو نوع السيارة التي يتمنى أن يقتنيها. تدل القضية على الصلة الوثيقة بين الاقتصاد والسياسة ولعب هونسينغر همزة الوصل بينهما دون أن يعرض نفسه للظهور في وسائل الإعلام الألمانية على الرغم أن وظيفة عمله لها دور بارز على القرارات السياسية في ألمانيا. وحين كان فريقا من الموظفين يهتمون بزبائن الشركة الصغار كان موريتز هونسينغر البالغ 43 عاما من العمر يشرف بنفسه على الأسماك الكبيرة فيعقد لقاءات وأمسيات وحفلات كوكتيل في فندق (أدلون) الفخم في برلين قبالة البرلمان الاتحادي المجاور لبوابة براندنبورج تكون ملتقى لأصحاب الشركات وكبار المسئولين الألمان. يقول كلاوس كوكس الرئيس السابق لقسم العلاقات العامة بشركة فولكسفاجن في كتاب تحدث فيه عن أسرار مهنة الاتصالات التي تتم وراء الكواليس: إفعل شيئا ثم تحدث عنه. هذا هو الشعار الذي عمل به موريتز هونسينغر الذي يستثمر 23 مليون يورو سنويا في شركته ولم ينف مرة أنه يملك علاقات وثيقة مع أكثر السياسيين والصحفيين نفوذا في البلاد كما أنه صاحب فكرة أمسيات برلمانية يجري استغلالها لعقد اتصالات وتبادل المصالح بين ممثلي السياسة والاقتصاد.
بينما تركز قضية إقالة وزير الدفاع شاربنغ من منصبه على موريتز هونسينغر هناك ثلاثمائة شركة مماثلة تعمل بنشاط في برلين إضافة إلى 1400 رابطة يسعى المسئولون عنها إلى التقرب من صانعي القرارات السياسية. ويتقلد أعضاء في البرلمان الألماني مناصب مستشارين في عدد كبير من الشركات وحين ينظم هونسينغر أمسية برلمانية يظهر برلمانيون ألمان في الأمسية للقيام بدوردعائي للشركات التي يمثلونها وفي هذا الوقت ينسون أنهم يمثلون مصالح الشعب الذي انتخبهم وليس الشركات الاقتصادية.













التعليقات