جيمس كارسون
&
من بين جميع الحلفاء المسلمين لاميركا في الشرق الأوسط، ليس هناك شك بأن تركيا تصنف في واشنطن كأخلص حليف موثوق ومفيد ويعتمد عليه. ولكن ديمقراطيتها ليست مستقرة بالكامل واقتصادها غير مستقر ايضا وسجلها باحترام حقوق الانسان مشكوك به بخصوص قضايا حقوق الاقليات وتحرير المرأة واستعمال التعذيب وحرية الصحافة مما يجعلها بحاجة لعمل الكثير على طريق استكمال الديمقراطية، فالائتلاف الهش ليسار الوسط بقيادة بولنت أجاويد، انهار مؤخرا وسط تطبيق برنامج اعادة بنائها الاقتصادي المدعوم من قبل صندوق النقد الدولي، والانتخابات في شهر نوفمبر القادم تؤكد حصول الاسلاميين المعتدلين على النسبة الاعلى بين جميع الاحزاب من أصوات الناخبين. وعندما زار بول وولفو ويتز نائب وزير الدفاع الاميركي انقرة مؤخرا امتدح تركيا بقوله: ان تركيا احد حلفائنا الاقوى والاخلص والاكثر قدرة على الاعتماد على نفسه ويمكننا الاعتماد عليه، واشاد بدورها في افغانستان حيث تتولى حاليا قيادة قوة حفظ السلام الدولية في كابول. كما دعم وولفو ويتز رغبة تركيا بالانضمام إلى الاتحاد الاوروبي وانتقد اولئك الاوروبيين الذين يخافون من انضمامها ووصفهم بأنهم "انانيون ومحدودو الافق ورفضاويون" وقال انهم يخافون المنافسة من تركيا كما يخافون من التنوع ولكن الاتحاد الاوروبي الذي يضم تركيا سيكون اقوى واكثر امنا وأغنى تنوعا ثقافيا". فليس هناك شهادة اكثر حماسا لصالح تركيا، ومنذ ذلك الحين صادق البرلمان التركي على مجموعة من القوانين لاصلاح حقوق الانسان بما فيها إلغاء عقوبة الاعدام مما يمثل خطوة كبيرة، نحو تلبية الشروط السياسية المسبقة للحصول على عضوية الاتحاد الاوروبي واصبحت الكرة الآن في ملعب الاوروبيين ولكن الهدف الحقيقي من زيارة وولفو ويتز لم يكن لاعطاء مباركته لطموحات تركيا الاوروبية وانما سعيا للحصول على دعم انقرة لتدخل عسكري اميركي في العراق. وهنا يكمن المحك فالمشكلة ان الحكومة التركية، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، غير سعيدة بخطط واشنطن، فهي تخشى من عواقب إحداث تغيير للنظام بالقوة في بغداد واحتمال تسببه في زعزعة استقرار المنطقة بأسرها وحدوث تدفق فيضان من المهاجرين عبر حدودها،وفوق كل شيء تخشى انقرة من تسبب الاطاحة بصدام حسين في إعادة احياء طموحات الاقليات الكردية في العراق وايران وتركيا نفسها بدولة كردية مستقلة. فبرغم اللغة المعسولة التي استعملها وولفو ويتز، لم تكن هناك مؤشرات على أخذه بالاعتبار للمخاوف التركية وبصفته من ابرز الداعين للتدخل العسكري في العراق رفض فكرة "دولة كردية مستقلة" ولكنه لم يستبعد الحل "الفيدرالي" الذي تطالب به الجماعات الكردية العراقية المعارضة، واما انقرة فترى في ذلك عقبة واهية امام استقلالهم التام. فهذا الموقف الاميركي بالنسبة لتركيا الحليف الوفي للولايات المتحدة، موقف غير مريح على الاطلاق لانقرة، ويقول أوزدم سانبيرك الدبلوماسي سابقا ومدير مؤسسة الدراسات الاجتماعية والاقتصادية في استنبول حاليا: اخشى ان تكون الاحداث قد تجاوزتنا، فسياستنا تشبه قليلا سياسة بريطانيا، فنحن لا نريد تنفيذ عملية التدخل العسكري في العراق ولكن اذا ما وقعت، فليس لدينا أي خيار سوى المشاركة فيها وسوف ندفع ثمنا باهظا جدا. ولكن تركيا ليست بالتأكيد وحدها في هذه المعضلة فجميع حلفاء اميركا في الشرق الأوسط باستثناء اسرائيل، واقعون في هذه الورطة. فالملك عبد الله عاهل الأردن يعرف ما عانته بلاده عقب حرب الخليج بسبب اخفاقه في التحمس لدعم تلك الحرب ولكن شعبه معاد في غالبيته تجاه التدخل العسكري الاميركي في العراق، وخصوصا في الوقت الذي يرون فيه واشنطن غير متعاطفة مع القضية الفلسطينية، كما ان الملك مفزوع من احتمال تفكك العراق ونشوب حرب أهلية. والمملكة العربية السعودية، مثل تركيا، ليس لديها اسباب تدعوها لحب صدام حسين والرأي العام ليس منحازا للعراق ولكن يوجد شعور قوي بأن أميركا معادية للعرب ومعادية للمسلمين ومن هنا جاء تصريح وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل الاخير في طهران عندما قال: "لا يمكن حل مشكلة العراق عسكريا، كما ان التدخل في شؤون العراق.. مضر ببلدان المنطقة". فلماذا تصم واشنطن آذانها عن سماع الأصوات المحذرة من حلفائها خصوصا اولئك الذين سيعانون اكثر من غيرهم من عواقب التدخل العسكري الاميركي في العراق؟ أغلب الظن ان سياسة واشنطن تنطلق بدافع من الاعتبارات المحلية في المقام الأول بما فيها انتخابات الكونغرس القادمة في نوفمبر، وليس بدافع الرغبة لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.














التعليقات