إيلاف- في ما تراهن دوائر صناعة القرار على تحول القرار السوري في اللحظة الأخيرة، سواء بالتأييد الصريح أو الموارب، أو حتى الحياد تجاه ضربة أميركية مزمعة للعراق، فإن كثيرين من مراقبي شؤون الشرق الأوسط يرون إن لدى سوريا أسباباً منطقية لمعارضة شن هجوم اميركي للاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، يأتي في مقدمتها الخوف من ان تكون التالية اذا نجحت واشنطن في السيطرة على بغداد، وفرض نظام حليف لها هناك.
ورغم الخصومة التاريخية التي امتدت عقوداً بين جناحي حزب البعث الحاكمين في الدولتين الجارتين، فان سوريا تخشى ان تستغل واشنطن سيطرتها على الأمور في بغداد لقلب موازين القوى في منطقة الشرق الاوسط بأسرها.
ويقول المراقبون إن دوائر الحكم في سوريا قلقة من فرض نظام عراقي تابع للولايات المتحدة، ما يجعلهم بين مطرقة اسرائيل، وسندان هذا النظام الجديد المزمع تأسيسه في العراق.
كما أثارت سوريا المدرجة منذ عقود على لائحة أميركية لـ "الدول الراعية للارهاب"، غضب واشنطن بتأييد جماعات فلسطينية رافضة للتسوية السلمية مثل حركة المقاومة الاسلامية (حماس) والجهاد الاسلامي، فضلاً عن "حزب الله" اللبناني، المدعوم بشكل كبير من سوريا وإيران.
وتؤكد دوائر استخبارية غربية إنه منذ تولى الرئيس السورى بشار الاسد مقاليد الحكم فى دمشق تطورت العلاقات الامنية والعسكرية بين سوريا والعراق لدرجة غير مسبوقة من قبل.
&
مخاوف اقتصادية
وفضلاً عن الاعتبارات السياسية والاستراتيجية السابقة، فهناك مخاوف اقتصادية قد تترتب على كما يرى المراقبون ايضاً إن مساهمة العراق التي لا تقدر من خلال إمداد اقتصاد سوريا بالنفط على نفس قدر الاهمية بالنسبة لدمشق. كما ان تركيا والاردن ودولة الامارات العربية المتحدة ومصر تتمتع ايضا بأفضلية لدى العراق من خلال النفط او الصفقات التجارية.
وتقول مصادر صناعة النفط ان سوريا تحصل بشكل غير مشروع من خلال انتهاك عقوبات الامم المتحدة على نحو 150 الف برميل يوميا من نفط العراق بسعر خاص من خلال خط انابيب أغلق قبل عقدين الى ان أعيد فتحه عام 2000 .
ويقول مصدر دبلوماسي عربي إن "الاقتصاد السوري في حالة صعبة .. اذ يعاني من ركود لا يجعل امام سوريا خيار آخر. والنفط مكسب كبير للاقتصاد السوري. انه يشكل رافداً جيداً للحصول على اموال". واضاف "وعدم إثارة قلاقل والحفاظ على الوضع الراهن مع وجود الرئيس العراقي صدام حسين في موقعه يحقق لهم بالطبع مزايا اقتصادية كبيرة"
وتنفي دمشق انتهاك العقوبات التي فرضت على بغداد بعد غزوها للكويت عام 1990 وتقول ان تجارة النفط مع العراق تتم في اطار برنامج النفط مقابل الغذاء المبرم مع الامم المتحدة.
وبخلاف القلق من فقد مكاسب النفط تخشى سوريا تفجر الوضع الداخلي في العراق واحتمال انسحاب ذلك على جيرانه.
&
مخاوف البديل
وقال دبلوماسي غربي "لا تكمن مشكلتهم في الاطاحة بصدام حسين ولكن فيمن سيحل محله..اذ يرون في وجود نظام موال لواشنطن محل نظام صدام حسين تهديدا اكبر مما يمثله النظام العراقي حاليا، اذ يفضلون جارا يرفضه العالم) على مرشح ناجح موال للولايات المتحدة" والحديث عن الحرب يدور في واشنطن والشرق الاوسط منذ تعهد الرئيس الامريكي جورج بوش في اطار الحرب اتي تشنها الولايات المتحدة على "الارهاب" باستخدام "جميع الوسائل" للاطاحة بالرئيس العراقي الذي تتهمه واشنطن بمحاولة إعادة بناء برامجه للاسلحة الكيماوية والبيولوجية.
وتعتقد سوريا ان إنشغال الولايات المتحدة بالعراق يأتي في غير وقته مع إحتدام العنف بين الفلسطينيين واسرائيل التي تمتلك ايضا اسلحة دمار شامل.
ويقول السوريون ان خطة التحرك ضد العراق تأتي في اطار سياسة "المعايير المزدوجة" التي تنتهجها واشنطن في تعاملها مع اسرائيل ويشيرون الى ان عملا عسكريا من هذا القبيل قد يشعل الشارع العربي الغاضب بالفعل بسبب تأييد واشنطن لاسرائيل.
&
مخاوف
ويعتقد المحللون انه برغم المعارضة العلنية فعندما تأتي اللحظة الحاسمة فان سوريا ستتنحى عن الطريق، وتجلت الخصومة بين الجارين العربيين على مر سنين من الخلافات في تأييد بغداد لتمرد الاخوان المسلمين الذي سحقه الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد في الثمانينات.
ولهذا السبب ضمن أسباب أخرى يعتقد بعض المراقبين ان السوريين سيحاولون بطريقة ما ان يكونوا في الجانب الفائز، مؤكدين إنه "لن يذرف احد الدمع على الرئيس العراقي صدام حسين، فالسوريون لا يحبونه، فقد سبق ان تعرضوا لعدوانه، لكنهم مع ذلك لا يعتقدون انه يمثل تهديدا جدياً". واضاف "سيجد السوريون في آخر لحظة سبيلا لتقبل أي مكاسب يتسنى لهم الحصول عليها، وعندما تحل ساعة الضربة سيتكيفون بلا شك".
ويتذكر مراقبون كثيرون كيف فاجأ الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد العالم عندما قرر تأييد تحالف قادته الولايات المتحدة لاخراج القوات العراقية من الكويت، وهو ما فسره دبلوماسي اوروبي قائلاً "كان أمرا لا يصدقه عقل. وهذه المرة ايضا يحتمل حدوث نفس الشيء. فما زالوا قادرين على تغيير موقفهم في اللحظة الأخيرة".