روبرت رايت
&
كانت الشكوى الأميركية الرسمية بخصوص الرئيس صدام حسين انه لن يسمح بالتفتيش عن الأسلحة، ففي نوفمبر الماضي قال الرئيس الأميركي جورج بوش ان صدام حسين يجب ان يدع المفتشين يعودون إلى بلاده ليثبت لنا انه لا يقوم بتطوير اسلحة دمار شامل. ولكن المسؤولين الاميركيين بدأوا مؤخرا يتصرفون وكأن عمليات التفتيش عن الاسلحة مشكوك بها بنفس القدر الذي يشككون فيه بصدام حسين، فخلال هذا الشهر، ارجع وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد سبب نجاح الجولة الأولى من عمليات الأمم المتحدة للتفتيش عن الاسلحة في العراق الى "ضربة حظ". واما قبل تلك "الضربة" فلم يتمكن المفتشون من العثور على أية اسلحة دمار شامل، وبعد ذلك قال رئيس هيئة الأركان الاميركية المشتركة الجنرال ريتشارد مايرز ان بعض أسلحة الدمار الشامل، يمكن اخفاؤها بسهولة وان أي نظام للتفتيش قد لا يتمكن من الكشف عنها. وحتى وزير الخارجية كولن باول قال ان عمليات التفتيش ليست هي القضية وانما عملية نزع الاسلحة هي القضية، ورغم ان باول اعترف بأن الرئيس الأميركي سبق وأن أيد عمليات التفتيش "واننا نريد للعراق ان يلتزم بقرارات الأمم المتحدة" الا ان الولايات المتحدة تواصل الاعتقاد بأن تغيير النظام سيكون للصالح الافضل للشعب العراقي ولشعوب المنطقة والعالم أجمع. فما بدأ كإنذار نهائي "دعوا مفتشي الأمم المتحدة يعودون او اننا سنهاجمكم" تحول باختصار إلى "سوف نهاجمكم"!. ويمكن للمرء ان يتساءل: ما الفائدة من ابلاغ رجل يعتقد بأنه يملك أسلحة بيولوجية بانك ستقتله بكل الأحوال مهما فعل. انه سيقوم بترتيب خياراته في استعمال تلك الأسلحة اذا كانت لديه او الحصول عليها اذا لم يمتلكها بعد فصدام حسين لم يترك له الاميركيون الكثير ليخسره، فالخطأ الكبير الذي وقعت فيه الادارة الاميركية هو رفضها القبول بعودة المفتشين عن أسلحة الدمار الشامل كبديل للحرب. فالمشكلة بعيدة المدى تتمثل في اننا سنحتاج للاعتماد على الامم المتحدة للتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل، والمشكلة على المدى المباشر هي ان الاسلحة البيولوجية لا ترى والمعدات التي يمكن تصنيعها بها منتشرة في جميع مختبرات الجامعات والمرافق الطبية في المستشفيات ومصانع الأدوية في انحاء العالم. ومن هنا تفكر الولايات المتحدة بتغيير النظام وتنصيب نظام تثق به، واذا افترضنا نجاح هذه العملية فهل سيكون دور اميركا في بناء دولة جديدة على غرار ما فعلته في افغانستان. ان ادارة بوش تؤمن بأن ست دول على الأقل تقوم بتصنيع أسلحة بيولوجية سرا، فهل يخطط بوش لمهاجمة ايران وسوريا وكوريا الشمالية وغيرها من الكثير من الدول التي تمتلك أسلحة بيولوجية بعد ان تنتهي من تدمير العراق؟ ربما يأمل بوش ان تقوم هذه الدول بالتخلي عن تلك الاسلحة من تلقاء نفسها، واذا كان هذا ما يريده فكيف يخطط للتثبت من انها قد تخلت عن تلك الاسلحة؟ ليس هناك أية وسيلة سوى التفتيش بواسطة فرق تابعة للأمم المتحدة وهي الانجح برغم كل نواقصها، ولكن يمكن جعلها اكثر فعالية. كما ان الاسلحة البيولوجية سهلة التصنيع دون دعم الدولة وأسهل من تصنيع الاسلحة النووية، وحتى لو استطعنا الوثوق بالحكومات فقد نحتاج إلى ان نراقب الكرة الأرضية كلها بحثا عن الاسلحة البيولوجية، وعندما يرفض المسؤولون الاميركيون امكانية الاعتماد على فرق التفتيش باعتبارها جهودا عقيمة فهم ببساطة يتخلون عن امكانية تأمين مستقبل آمن. ولكي تنجح انظمة التفتيش الدولية عن اسلحة الدمار الشامل يجب ان يسبقها التوصل الى معاهدة دولية تتيح التفتيش في جميع الدول وفق انذار قصير المهلة، ورفض السماح من قبل اي دولة بالتفتيش سيعتبر تهديدا للسلام والأمن العالميين ويستدعي ذلك تدخلا عسكريا بموجب ميثاق الأمم المتحدة. ولابد من وضع قواعد جديدة للمعدات ذات الاستعمال المزدوج - مدني وعسكري - بحيث يعاد تصميمها لتشتمل على أجهزة رصد كمبيوترية تسجل كل مجالات استعمالاتها وتحريم استعمال الآلات التي تدخل في ترتيبها مثل هذه الاجهزة الكمبيوترية وذلك وفق قانون دولي تقر به جميع الدول. ولكن يبدو ان البيت الابيض منذ تولي جورج بوش الحكم لا يؤمن بالرأي العام العالمي وهذا الاعتقاد تفاقم أكثر منذ احداث 11 سبتمبر، فاذا اصبحت الاسلحة البيولوجية متاحة على نطاق واسع للارهابيين وهذا ليس مستحيلا فان التاريخ سيثبت خطأ تجاهل اميركا للرأي العام العالمي.













التعليقات