&
ليس مهما في هذه اللحظات التاريخية العصيبة أن نبحث ونتحاور ونختلف حول أسباب غزو النظام العراقي للكويت. وليس مهما في هذه اللحظات التاريخية الحرجة أن نبحث ونتحاور ونختلف حول العلاقة بين النظام العراقي وشعب العراق ومدى صلاحية النظام للاستمرار. وليس مهما في هذه اللحظات التاريخية الصعبة أن نبحث ونتحاور ونختلف حول العلاقة بين النظام العراقي والأنظمة العربية والخليجية على وجه التحديد وليس مهما في هذه اللحظات التاريخية الخطيرة أن نبحث ونتحاور ونختلف حول ما قدمه أو ما لم يقدمه النظام العراقي لقضايانا القومية وللقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.
ليس مهما كل هذا بل ليس المهم ما هو أبعد من ذلك طالما لا يمس السيادة القومية ولا يخرج عن نطاق البيت العربي، وإنما المهم في هذه اللحظات الحاسمة والدقيقة من تاريخ الأمة أن ننحي كل ذلك جانبا وأن نقف جميعا دون أن يتخلف أحد منا للدفاع عن العراق (أرضا وشعبا) في مواجهة العدوان الهمجي البربري القادم ــ ربما بعد أيام أو أسابيع ــ من صوب أعداء البشرية القوى الغربية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية التي نصبت نفسها ــ قسرا ــ الآمرة الناهية في مصائر شعوب العالم والمتحكمة في رسم وتنفيذ سيناريوهات المنطقة العربية. إن هذا العدوان لن يقف عند إسقاط النظام كما هو معلن وإنما هدفه الأكبر والأوسع هو الحيلولة دون أن يكون للعراق قوة، أو لأية دولة أو منظمة عربية أو إسلامية ذات قدر من الاستقلالية وتشكل (حسب اعتقادهم) خطرا مباشرا وغير مباشر على مصالحهم ومناطق نفوذهم، ولا نعرف حقيقة تحت أية حجة قانونية أو غير قانونية يستندون إليها في محاولة إسقاط النظام. وهم في الواقع لا يمتلكون حق استعاظه حتى وان ادعوا أن بحوزته أسلحة للدمار الشامل كما بحوزتهم جميعا. إن هذا التعطش الغربي لإسقاط النظام هو في الحقيقة يتضمن رسالة إلى الحكام العرب والمسلمين مفادها أن كل من سيحذو حذو العراق أو يفكر أن يحذو حذوه سيلقى نفس المصير. ثم أن هذا العدوان لن ينظر وهو يتجه صوب أهدافه إلى عدد الضحايا التي ستسقط من جراء ذلك ولن ينظر إلى فئاتهم العمرية أو مذاهبهم الدينية أو اتجاهاتهم السياسية أو انتماءاتهم الطبقية، إنما الجميع عنده سواء طالما أنهم يعيشون على أرض العراق، ويستنشقون هواءه، حتى ان زعموا ان الحرب ستكون نظيفة وسريعة كما حاولوا تضليلنا في السابق، وذلك أن ملجأ العامرية وغيره ليس منا ببعيد.
ولم يكتفوا طوال السنوات الماضية بما خلفته باسم الشرعية الدولية قيود وأغلال الحصار الظالم ووحشية العدوان العسكري المستمر من قبل القوات الأمريكية والبريطانية من قتل وتشريد مئات الألوف من العراقيين الأبرياء، فقد تحمل شعبنا العربي المسلم في العراق على امتداد تلك السنوات ما تعجز عن تحمله شعوب العالم كافة، اثنا عشر عاما كاملة ولايزال العراق الجريح ينزف دما في كل يوم وفي كل ساعة بل وفي كل لحظة وبعد هذا الليل الطويل المرير الحزين الذي كان يترقب بعده الخلاص والنجاة إذا به يستيقظ على ما لا نهاية له من التهديدات من قبل قوى الشر تحت مرأى ومسمع الأنظمة العربية والإسلامية التي لم يهتز لها جفن ولم ترتعد لها فريصة، بل ان الأدهى هو ان الطائرات الاستعمارية ستنطلق من الأراضي والمياه العربية وستمر عبر الأجواء العربية لتضرب شعب العراق العربي. غدا (لا قدر الله لهم) ستضرب بغداد.. ستضرب قلعة حصينة من قلاع العروبة والإسلام، وستستبدل حسب مخططاتهم الخريطة العراقية الحاضرة بخريطة أخرى تحقق مصالح القوى الغربية، وسيقسم العراق إلى دويلات صغيرة وهزيلة، وستسلب منه كل مصادر الدفاع عن النفس وستنهب خيراته وثرواته لتدفع ثمنا رخيصا لرفاهية الرجل الأبيض. هذا الرجل الذي ما انفك يحوك المؤامرات تلو المؤامرات وينفذ الجرائم تلو الجرائم في حق البشرية. وإذا كانت الآلة العسكرية الغربية قادرة على أن تخلف ملايين الضحايا من أبناء شعبنا وتلحق الدمار بأسلحتنا ومنشآتنا ومبانينا، وإذا كانت قادرة على تقسيم أراضينا ونهب خيراتنا، فإنها لن تستطيع أبدا كما لم تستطع في الماضي أن تهزم فينا روح الجهاد والكفاح من أجل استرداد كامل حقوقنا.
من هنا فإننا مطالبون كشعوب عربية وإسلامية بالمزيد من الضغط في اتجاه منع ضرب العراق والحفاظ على أمنه وسيادته ووحدة أراضيه ورفع الحصار عنه ورفض أي تدخل من أي نوع في شئونه الداخلية، ذلك أنه لا عزة ولا كرامة ولا أمن ولا استقرار لأي شعب عربي والعراق مهان ومحاصر ومقبل على عدوان وتقسيم. ثم ان هذه الظروف التي تمر بها الأمة لا تحتمل ترف العمل العشوائي المنفرد ولا الزعيق السياسي الأجوف لأننا في مواجهة أعداء أشراس يخططون ويعملون معا ضد ديننا وديارنا ومستقبلنا.