د. رياض الأمير :أخذت أعصاب أصدقاء النظام الفاشستي في بغداد تنهار كلما اقترب وقت إسقاطه على يد الشعب العراقي وقواه المعارضة، لوحدهم أو بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى ترى في وجوده تهديد على سلام منطقة الشرق الأوسط والعالم لما يجلبه من خطر لدول الجوار العربية وغير العربية. وكثرت وسائل الإعلام المتعاطفة مع النظام البعثي في جميع أشكالها ابتداء من الصحف التي لا يتعدى توزيعها على عدد الأشخاص الذين يطبعوها، وأسماء نكرة على الساحة السياسية العربية أو حتى المحلية في بلدانهم مرورا بصحف عربية أوسع وانتهاء بفضائية " الجزيرة "بعد أن بلغ صاحبها وزير الخارجية القطري سن الرشد بقراره زيارة النظام ورفض استخدام قاعدة " العديد " في بلاده لإسقاطه. وقرار الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني بزيارة العراق وعطفه على نظامه جاءت بعد ثلاثة أشهر من مطالبته الدول العربية التوسل للإدارة الأمريكية من اجل مساعدتها في موضوع القضية الفلسطينية. ذلك التصريح الذي أساء لرجال الانتفاضة& واستهجنوه كما استهجنه العرب في كل مكان. وكذلك بعد لقائه بوزير خارجية الدولة العبرية شمعون بيريز في باريس قبل مدة قصيرة. ولربما زيارته لأقطاب النظام البعثي العراقي تأتي في نقل رسالة إسرائيلية إلى صدام أبن أبيه وليس رسالة من الإدارة الأمريكية من اجل مساعدة النظام الخروج من احتضاره. وفحوى الرسالة الإسرائيلية إسكان ثلاثة ملاين فلسطيني كحل للقضية الفلسطينية وتحرير القدس حسب المفهوم الصدامي البعثي. وعلى الرغم من الدعوة تلك كانت بالون اختبار في الشارع العراقي والفلسطيني تصدى لها كلا الشعبين بالرفض والاستهجان عدا بعض المرضى الذين ينشدون رضى إسرائيل اكثر من الإسرائيليين أنفسهم وعن طريقهم الولايات المتحدة. وقرار السيد وزير الخارجية القطري بإغلاق قاعدة " العديد " الجوية& في حالة مباشرة الولايات المتحدة الأمريكية عملياتها العسكرية لإسقاط النظام الممقوت في بغداد، متصل& أصلا بقدرة قوات قطر الضاربة التي ستغلق مدرجات القاعدة، بعد أن تمرس الطيارون القطريون بشكل جيد أثناء حرب الخليج الثانية في إصابة أهداف مدنية عراقية راح ضحيتها الكثير من المواطنين العاديين وهم في سياراتهم التي كانت في طريقها من مسرح العمليات باتجاه وسط العراق. وسقط ضحايا تدريب الطيارين القطريين في تلك الحرب الكثير من الأسر العراقية. ولم يذهب وزير الخارجية القطري لزيارة أسر الضحايا الذين سقطوا برصاص طياريه المتدربين، وإنما لرئيس النظام القمعي يعلن تضامنه معه. وبقي سؤالا محيرا أين التقى الشيخ بصدام ابن أبيه، هل في حدائق القصر الجمهوري وأمام عدسات الصحافة العالمية والمحلية ؟ أم في أحد الأقبية السرية التي قال عنها السيد " محمد المسفر "أنها& قاعة بجوار فندق الرشيد التقى فيها أبن أبيه بدون تفتيش ولا إجراءات بروتوكولية سوى الحديث الودي مع عبد حمود التكريتي عن رسالة الدكتوراه التي حصل عليها، كما حصل عليها رئيسه أو ابن الرئيس عدي. وجاءت زيارة الشيخ وزير الخارجية على خطى " محمد المسفر"& مستشار السياسة القطرية وطليعة أصدقاء النظام البعثي العراقي في قطر. الكثيرون هم الذين يصرخون هلعا عن "ضرب العراق" وكأن المطالبة بإسقاط النظام العراقي المتسلط و الذي اجمع الكل، على الصعيدين العربي والعالمي على انه نظام خطر ومجرم أساء للشعب العراقي كما أساء لأشقائه العرب وجيران العراق من غيرهم هو ضرب العراق. أن النظام البعثي الحاكم في بغداد لا يمثل العراق وطنا ولا شعبا، وهو لا يمثل إلا نفسه بما يظم من أبناء العوجة وعائلة وعشيرة نكرة لدي العشائر العراقية، ومن قتلة مأجورين وعنصرين وطائفيين لا يمثلون خلق العراق والعراقيين. وبذلك إزالة هذا النظام لا يعني ضرب العراق قطعا، لان العراق اكبر كثيرا من أن يربط اسمه بمصير صدام أبن أبيه وعصابته. إن إسقاط النظام هو تخليص العراق وشعبه من شروره. فلا بد من التفريق بين العراق والنظام الصدامي. أن كل عراقي شريف لا يريد السوء لوطنه. لا الملايين الأربعة في الغربة ولا أولئك الذين يرزحون تحت ظلم النظام في الداخل والذين يطالبون بإزالته، لا يطالبون الإساءة لوطنهم وشعبهم عن طريق الإجهاز على الطاغية ومن يحيط به. أن إزالة نظام بني على منظمة سرية إستخباراتيه لا تعرف إلا الموت طريقا للبقاء في الحكم وقتل كل من ينبس ببنت شفة لا يتم فقط بالصمت والتغير السلمي، خاصة وان الشعب العراقي حاول اكثر من مرة عن طريق ذلك ولم يفلح. والنظام المتغطرس الذي شيد على جماجم العراقيين لا يزاح إلا بالقوة كما بني أركان حكمه بالقوة رابطا إياها بدماء العراقيين من كل القوميات والأديان. وأثبتت الأيام إن هذا لا يتم إلا بمساعدة الأشقاء والأصدقاء. وبما أن الأشقاء من العرب عيونهم تنظر في جيوب النظام وفي مصلحتهم الخاصة، فلم يبقى للعراقيين إلا طلب المساعدة من الأصدقاء، على الرغم من اختلافهم معهم في أمور غير قليلة، لكن مستقبل المنطقة وأجيالها، والعراق وماضيه ومستقبله تضع أولويات للتحالف وللعراقيين العذر. أن ما يطرحه حملة الشعارات حول "ضرب العراق" محض كذب، وباطل مزوق بإثارة عاطفية، فيه نصرة للظالم وافتراء على الحقيقة كي يصدقهم السذج من العرب في أن إسقاط النظام هو ضرب العراق. أما الحقيقة والواقع هي أن في إزالة النظام الصدامي الغاشم المقيت& الذي سام الشعب العراقي منذ ثلاثة عقود وأكثر من الزمن الأمرين وادخل العراق في حربين وأعاده إلى عصر ما قبل التصنيع وهدم جدار التضامن العربي وعرض المنطقة للاحتلال الأجنبي وأنهى القوة البشرية العراقية وإمكانات العراق المادية مما ساعد السفاح شارون ليصول قاتلا الشعب الفلسطيني، هو في مصلحة العرب والأمة العربية ومستقبلها. لقد أنهى النظام التعسفي إمكانات ثاني اكبر احتياطي للنفط في العالم، وأول احتياط كبريت في العالم أيضا واحتياط مختلف من المعادن النادرة& ومنها اليورانيوم، ولديه اخصب ارض زراعية " أرض السواد" كأغنى حوض زراعي في المنطقة وفي العالم التي كان من الممكن أن تكون عون للامة العربية والإسلامية. فليفرق الاخوة العرب بين العراق وشعبه من جهة وبين طائفة حاكمة غير شرعية. أن الواقفين اليوم في الدفاع عن الجلاد دون ان يتعضوا من الماضي كمن يساعد أفعى أن توجه سمومها لقتلهم وغزو الكويت غير بعيد. واستشهد بشعر الدكتور غازي القصيبي، سفير المملكة العربية السعودية في بريطانيا الذي قال فيه *:
&
من زعيم انتهازي حوى&&& &&خسة الخوف ومكر الخائفين
وله في كل يوم موقـف &&&& &وله منطلق في كل حــين
فهو يوما ثـائر منتفض&&&&&&& أعلن الحرب ونادى الثائرين
وهو يوما أرنب مستأنس&&&& &هام بالسلم وحيا القاعدين
السياسات التي يتبعـها &&&&&& &حيرت أدهى دهاة العارفين
صار ما بين الورى أضحوكة&&في زمان الرؤساء المضحكين
وزعـــيم طالما قال لنا &&&&& &أنه أقرب كل الأقــربين
طالما طارحـنا أشواقــه &&&& &فحسبناه كبير العاشقـين
ثم لما أحدق الغــزو بنا&&جاء، لكن في ركاب المعتدين
تصبح المحنة نعمى عندمـا&&تصهر النار قناع الكـاذبين
وله في كل يوم موقـف &&&& &وله منطلق في كل حــين
فهو يوما ثـائر منتفض&&&&&&& أعلن الحرب ونادى الثائرين
وهو يوما أرنب مستأنس&&&& &هام بالسلم وحيا القاعدين
السياسات التي يتبعـها &&&&&& &حيرت أدهى دهاة العارفين
صار ما بين الورى أضحوكة&&في زمان الرؤساء المضحكين
وزعـــيم طالما قال لنا &&&&& &أنه أقرب كل الأقــربين
طالما طارحـنا أشواقــه &&&& &فحسبناه كبير العاشقـين
ثم لما أحدق الغــزو بنا&&جاء، لكن في ركاب المعتدين
تصبح المحنة نعمى عندمـا&&تصهر النار قناع الكـاذبين
&
وعلى الرغم& مرور أثني عشر عاما على ما قاله الدكتور القصيبي، لكن خلق وعادات الموصوف لم تتغير. يتباكى البعض على الدمار الذي سوف يحل بالمنطقة إذا سقط النظام البعثي العراقي، وان دول مهددة مثل المملكة العربية السعودية وسوريا وغيرهما نتيجة ذلك. كما لوح الجهلة بالتأريخ، خدام النظام الصدامي المتخلف إن إسقاطه سوف يساعد على تقسيم العراق إلى ثلاثة أقسام وهذا ما ينتظر دول أخرى. أن العراقيين في الداخل والخارج وبجميع توجهاتهم السياسية وقومياتهم واختلاف أديانهم يريدون عراق موحدا ديموقراطيا يتساوى فيه الجميع. وان التقسيم هو حلم يراود مخيلة عقول مريضة وأخرى لتخويف الآخرين من اجل الدفاع عن قاتل الشعب العراقي. أن العكس هو الصحيح في أن المنطقة سوف تعيش بأمان واستقرار بعد رحيل النظام وستعاد للشعب العراقي حريته من اجل أن يساهم مع الشعوب الأخرى في بداية الألفية الثالثة بمداواة جروحه العميقة التي يخلفها النظام الفاشي ويساهم مع البشرية في بناء عالم خالي من الحروب والاستعباد. وبمناسبة بعبع تقسيم العراق ذهب أحد الكتاب العرب في صحيفة "الحياة" الغراء بأن الجنوب العراقي الشيعي سينظم إلى الوطن الأم إيران. أي هراء هذا؟ وأي وطن أم هذا ؟ ومن أعطى الكاتب المحترم الحق بتمليك إيران جنوب العراق حتى يتوقع عودته إلى الوطن الأم بعد سقوط النظام الفاشي فيه ؟ ومتى كان الجنوب العراقي إيرانيا؟ أليس الصحيح هو أن جزء من العراق (عربستان) هو جنوب العراق ظم لإيران في عشرينات القرن الماضي ؟ والنظام الحالي زاود على شعار إعادة الجزء السليب إلى الوطن كما هو الحال مع الكويت من اجل كسب أصوات السذج من العرب. ولكنه بعد حرب استمرت ثماني سنوات راح ضحيتها مليون مسلم من كلا البلدين عاد إلى الاعتراف بما رفضه العراقيون لمدة ست عقود من الزمان وتنازل النظام البعثي العراقي عن أرض عراقية اكبر من الأراضي المغتصبة في فلسطين لإيران وأنهى كون شط العرب عربيا. وهل ما قاله الكاتب المحترم فقر معرفي في الجغرافية ؟ أم في التأريخ ؟ وإن كان التأريخ فالمصيبة أعظم. أن ما يتفوه به بعض الكتاب في هذا المنحى باتهام الشيعة العراقيين بالتبعية لإيران، وهو نفس منطق النظام الطائفي المتخلف في بغداد الذي رد عليه اكثر من كاتب عراقي وتنظيم سياسي ما هو إلا إساءة للشعب العراقي والعرب الشيعة منهم تحديدا. لان وطنهم الأم هو العراق وليس غيره. ولأنهم عرب اكثر من أدعياء العروبة داخل العراق وخارجه. وان العرب الشيعة في العراق هم من سكنة وادي الرافدين قبل الفتح الإسلامي وهم من أرسى دعائم الفتح وحمى إنجازاته ووقفوا إلى جانب آل البيت المضطهدين من قبل السلطة الظالمة كما هو الحال في وقوفهم بعناد مع أخوتهم في الدين من السنة ضد السلطة الباغية في بغداد مقدمين التضحيات الكبار من اجل إعادة العزة لوطنهم لكي يكون قويا لمصلحة أمتهم. وكيف يفسر هؤلاء الكتاب استبسال الجيش العراقي في حربه البعثية العنصرية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي كانت فيه الغالبية العظمى من الجنود والضباط من شيعة العراق على الرغم من معرفتهم بعبثية الحرب وطائفيتها ؟ فهل حارب الجنود والضباط وطنهم الأم عند الدفاع عن " البوابة الشرقية " حسب الإعلام العربي المأجور ؟؟ قليل من الأنصاف. فعلى الأقل فليحلل هؤلاء لغيرهم كما يحللون لأنفسهم. وأن لم يريد العرب مساعدة العراقيين في محنتهم الخلاص من النظام الجائر ليتركوه دون مزايدة شعاراتية كي يختار الوسيلة التي تساعده على تحرير وطنه من اعتي نظام جائر مر بتأريخه الطويل الذي يمتد لأكثر من سبعة آلاف عام، حيث ولدت فيه الحضارة البشرية ووضعت أولى القوانين في التأريخ البشري وحدد مفهوم العدالة وحقوق المظلومين والاقتصاص من الظالم.
*كاتب عراقي يعيش في النمسا
* قصيدة تحت عنوان "يا أبا فيصل " نشرت في جريدة الشرق الأوسط الصادرة في لندن، يوم الجمعة العدد 4280 في السابع عشر من آب عام 1990، الأبيات عن صدام حسين.
* قصيدة تحت عنوان "يا أبا فيصل " نشرت في جريدة الشرق الأوسط الصادرة في لندن، يوم الجمعة العدد 4280 في السابع عشر من آب عام 1990، الأبيات عن صدام حسين.














التعليقات