ولد في بغداد عام 1963 بدأ بنشر الشعر أواخر السبعينات، وهو ينتمي لما يطلق عليه في العراق جيل الثمانينات الشعري. حاصل على بكالوريس علوم إسلامية قسم الدراسات الإسلامية في كلية الشعرية جامعة بغداد. سيق مجنداً للخدمة العسكرية خلال الحرب العراقية الإيرانية في صنف المدرعات.
عمل في تدريس اللغة العربية في المناطق الكردية في شمال العراق. غادر العراق في خريف عام 1991.. عابراً نهر الخابور إلى سوريا حيث يقيم فيها حتى الآن. صدرت له الكتب التالية: "غير منصوص عليه ـ ارتكابات" (شعرـ دار الحضارة الجديدة ـ بيروت 1992)، "المتأخر ـ عابراً بين مرايا الشبهات" (شعر ـ دار الكنوز الأدبية ـ بيروت 1994)، "محمد والذين معه" (شعر ـمنشورات كراس ـ بيروت 1996)، "النائم وسيرته معارك" (شعر ـ دار الكنوز الأدبية ـ بيروت 1998)، "خمسة شعراء عراقيين" (مختارات مع آخرين ـ دار الجندي دمشق 1998)، "عبد الوهاب البياتي ـ كتاب المختارات" (مقدمة في تجربته ومنتخبات من أشعاره ـ دار الكنوز الأدبية ـ بيروت 1998) و"أندلس لبغداد" (قصيدة ـ دار المدى ـ دمشق 2002)
لا أثر للشاعر في الصحراء فلا تطلبوه
لا اسم للشعر سوى نفسه ولا للشاعر سوى قصيدته.. لا الأشكال ولا المقايسات الوعظية ولا أي شيء خارجهما، التجربة والتأليف كلاهما، بتماهٍ طبيعي، يمنحان لكل اسمه. التجربة: أن نعيش ونختلف ونتخيل، والتأليف: أن نربي السر ولا نشيخ معه في الممر إلى جوهر الشعر!
هذا يجعلنا نهتم أيضاً بثنائية الجمال والموقف: الطريق الوعرة في رحلة الشاعر من مهده إلى لحده، الجمال:لا على وفق نموذج سابق، والموقف: بتركيبه إزاء الذات والعالم، الشعر بهذا المعنى يحمل فكرة الشهادة والمتعة معاً، فالشاعر كائن معني بأن يعترف، ومنهم من يضلل، في رحلته بزمن متواصل بلا حلقات مغلقة وفي شهادته على الراهن وبإعادة مساءلة الماضي، وكتابة رسائل إلى المستقبل الموحش بلا شعراء!.
التسميات من شأن المفسرين، لكن الشعراء يرتكبون حياتهم بشكل غير يقيني في أشعارهم، ويمرون في الجحيم دون أن يحترقوا وفي غابة الجذام دون أن ينقلوا العدوى، بل ينقلون معنى الجذام، برواية أخرى.
شخصياً أميل إلى كتابة القصيدة المركبة، سواء بالاستفادة من تعدد الأشكال المتاحة في الشعر العربي، الذي علينا القول إننا أبناؤه وإن كنا مهجنين، أو في السماح لدخول المرجعيات الحياتية والمعرفية بقدر تمثلها وهضمها، والحلول في جسد القصيدة الحي، دون أن تنتهكها أو تجعل منها وليمة معقدة البذور، فأنا لم أستطع حتى الآن هضم فكرة القطيعة المعرفية في الثقافة العربية، أقرأ أشعار امرأ القيس وأبا نؤاس وابن الرومي مثلاً، وأتواصل معها أكثر أحيانا من قصائد لشعراء من جيلي، اقرأ حياتهم في شعرهم، وأعيش حياتي، وثمة حياة، أخرى ينبغي التوغل في العتمة لكشفها.
لا شك أن الحرب في عراق الثمانينات، حفزتني وعدداً من أبناء جيلي، على التفكير ملياً بالمعنى العميق للتدمير والتقويض، ليس تقويض البنايات والأجساد، فحسب، بل في انهيار ما كنا نظنه ثوابت في الثقافة وعلاقتها بالبشر،هنا كان وعي المنفى مثلاًُ يعيد السؤال حول نفسه، وحول ارتباطه بالذهن، أكثر من ارتباطه بالمكان، وبالجغرافيا التي أعلنت هجرتها هي الأخرى!
من طبيعة الشعر أن ينحو إلى كتابة شاملة، دون أن يفقد وصفه الإجناسي، لا نستطيع والحالة هذه أن نستبدل الشعر في أي عصر، بجنس أدبي آخر، بعد أن نقيم تأبيناً مزعوماً لكائن لا يموت، الحديث عن أزمة شعر إذن، هو جزء من هذا التأبين الكاذب الذي يقام في حلقات السيرك النقدية هنا وهناك، أجل ما زال بمستطاع الشعر العربي، ذو العمر المديد، أن يحضر بقوة وفتوة في محفل الأجناس الأخرى، بل هو من يغذيها ويستفيد منها في الوقت نفسه، إنه شمس الحقول التي تديم للأشجار حياتها، ومن حق الشعر بعد ذلك أن يستلقي متأملاً تحت ظلال تلك الأشجار.
إنه كتابة إذن، كتابة تشبه المحو رغم التناقض الظاهر في العبارة، كأن الشاعر يسير في صحراء العالم، ولا يريد للآخرين أن يستدلوا على مآله إنه يمحو آثاره أينما حل، فقط ليحاول الوصول وحيداً. ليروي حكاية من شتى العصور.
أنقعُ خاتمي بعطرِ الوحدة
أنا غريبٌ يا الله
ومرضعاتي من شتى الأديان!
أنامُ مُضاءً بثمرِ أعدائي،
وأمشي حاضناً عدواي كوردٍ هائجٍ
وكجندي مشاة أحفرُ ـ في الأرضِ ـ حياةً لي
حتى أصلَ السماءَ!
لتخفيَني زُرقتُها من الطائرات!
كأنني أجدُ طريقي إلى اللهِ
إذ أُضيعُ ـ في الطريق إلى أعيادي ـ أنبيائي المسنِّين.
وكظلٍّ محروثٍ وآبارهُ تتشردُ،
أمكثُ في الوحشةِ،
بينما أشباحٌ عميانٌ ـ على دراجاتٍ ـ
يغادرون الينابيعَ المذعورةَ،
يصطدمونَ بي عند أول الصحراءِ،
ويستردُّون بصماتِهم.
مصباتٌ تائهةٌ أنتَ أيها المنفى
حولكَ رعاةٌ يأكلون نومَهم
ويُنسبونَ إلى فجرٍ معزول
أنا ثيابُ من غادروا مرآتهم
مكويين بعنايةٍ،
كذكرياتٍ تتقاعدُ في المقاهي
أنا كلُّهم،
يقرأون رسائلي إليه أجمعين!
حزينون،
كعاصفة متجهة إلى الصحراء،
ويائسون
كزجاج لا يترك عليه المارَّةُ
تواقيعَ أو منافساتٍ!
فليفرح الماضي بما لديه من سجناء!
غداً، ذاهبونَ ـ بلا روائحَ ـ
إلى سماءٍ بين خاصرتين.
بلا أصدقاءٍ
ذلك أنني كثيرُ الوشايةِ بأحلامي
سعادةُ النكراتِ أنهم نزوةُ حالِهم،
بينما المعرَّفون ينفخون آلامَهم
ويمشونَ بكاميراتٍ متوحشةٍ.
على عتمةٍ مهتاجة أنام
وأصحو على خيولٍ وفيرةٍ
تمسِّدُ لي تحت إبطيَّ،
وتمتص روائحي التي تتعاركُ في ما بينها
كأنني أذى في وردةٍ
سيفُ ترابٍ
يستنشقُ ماءً أخفَّ من شهقةٍ في عتمة.
هذا أنا،
نهار في معطفٍ
يقطعُ جسراً إلى الغابةِ،
وتمثالُهُ في المدينةِ،
شتاءٌ مهجورٌ يعِظُ المنتظرين!
الغابةُ ليلُ اللهِ،
والشتاء ناسٌ سرِّيون،
يتشافهونَ في الطوابقِ العليا
والمنزل رائحةُ الغابةِ
وزوجتي تعتني بالتراب كلَّ مساءٍ
لعلني أدخلُ الغابةَ من شتائها
وأكتب أسفاراً بلا أسلحة.
النهارُ يستلقي على ظلِّهِ
فتكنسُ الأشجارُ آثارَ الباصاتِ في المدينةِ!
كأنما الطوابقُ العليا تتأخرُ في الوصولِ
فتفزُّ قبلَ محطةٍ نائمة.
خلقتُ لي أعداءً في الذكريات
وصارَ نسياني موبوءاً بمخلَّفاتِ معاركَ
لم ينتصر بها أحدٌ
ذلك أنهم ذهبُ حزامي
ولمعةُ صرخاتي الضالّة.
أجنحة المنامِ بريشها الممتدِّ إلى الجنةِ
تعثرتُ بها في الشارع هذا النهار
الطريقُ من بيتي إلى الحربِ،
مضبَّبَة أيضاً،
بثرثراتِ مذياعاتٍ لم تُكنَسْ بعد.
يا ويلي يا ويل..
لعلها فترةٌ مشتقةٌ
من حربِ الحماماتِ بصدري
يا ويلي يا ويل..
أتُراها تحليقُ أمواتٍ موبوئينَ إلى أمهاتِهم؟
فلأصُفّ مياهي المتهدمة ككومةٍ من ظلالٍ منتحرة
إنها دعاباتٌ مرةٌ
والطريقُ إلى ثانويةِ "بور سعيد" إناثٌ مدرسياتٌ
وأنا هنا
حارثُ ليلِ الوحيدات،
أخلعُ غيمتي
بينما أمطارٌ أخرى تراقبُني متسللاً
إلى اللذةِ على ظلامٍ لزج.
شاشاتُ ذئابٍ تبزغ في داخلي،
كلما تخبَّطت رسائلي عبر النهر،
وها أنا منذ يومين،
أرطنُ في شارع لا أرى فيهِ
غيرَ أزقةٍ ترتجف
ودراجاتٍ محملة على شاحنات
كرحلةِ ريفٍ مهدومٍ،
ريف جريح، ويرجِّعُ التوبةَ في حنجرةِ ذبابةٍ!
في الجانبِ الآخر من النهرِ،
أطفالٌ مستعدّونَ لتقشير الندمِ
لا ينجحون في التقاطِ السماءِ التي تتساقطُ
من عيونهم يوماً بعد يوم.
شتاءٌ على رؤوس أصابعهِ
يحملُ جثةً مزروعةً منذ ستة آلاف سنة،
ستة آلاف سنةٍ،
ولم ينهض منها سوى محاربين يعودون مسرعين!
ستة آلاف سنة.
أما الجيوشُ فمزارعُ تهربُ من مواسمِها
وفلاحوها شجرٌ في ذكريات الأعداء.
شتاءٌ أبيض العينين، يجدرُ بي أن أحيِّيه
وأنا في طريقي إلى شتاءٍ ماضٍ
يجدرُ بي أن أعبرَ النهرَ،
تاركاً رائحتي تتوسل في الضفةِ الأخرى،
يجدرُ بي أن أجابهَ قلوباً من سحابٍ
تطحنُ برقَها وتستقرُّ
صرخةً على سرير الميتِ،
قلوباً مرةً كالملح، وتشربُ قهوةً مرة أيضاً!
صرتُ واحداً من الخريفيينَ
أضعُ على رأسي طائراً من طينٍ
وأدورُ في الأعراسِ،
بحثاً عن قامتي التي نحَتَها الانتظار
وأنا أتحدثُ ـ صحبةَ اليأس ـ عن
جرادٍ تائه يجرب أسنانه بسحابة واطئة
أقفلَ عليَّ المعنى،
فصِرتُ أُديرُ رأسي
كحصانٍ يتذكرُ صهيلَ سهوبِهِ.
irtikabat.tripod.com