رجاء النقاش
&
بعد الغزوة الأميركية القادمة والمؤكدة حتى الآن على العراق سوف تظهر على الفور اسئلة شائكة وصعبة، ولن تكون هذه الأسئلة مكتوبة على أوراق، بل سوف تكون أسئلة حية تمشي على الأرض، ولا أحد يملك الإجابة عن مثل هذه الاسئلة الآن، بل ولا أحد يعرف من الذي يمكن ان يجيب عنها أو يضع لها حلها المعقول. وهذه بعض الأسئلة التي سوف تنشأ بعد الحرب التي يتمنى الجميع ألا تشتعل، بينما يعرف الجميع على الأغلب انها سوف تشتعل ولا مفر منها. من هذه الاسئلة: ان هناك عشرات الآلاف من اللاجئين سوف يتدفقون على حدود الدول المجاورة للعراق، مثل ايران والسعودية وسوريا والأردن، وسوف يكون هؤلاء اللاجئون هم الهاربون من نيران المعركة من بين العاملين في العراق من الأجانب والعرب، بل لابد أن يكون من بين هؤلاء المتدفقين بالآلاف على الحدود عراقيون مدنيون لا يحملون السلاح وليسوا هاربين من واجبات ملقاة عليهم بل هم طلاب أمان لأنفسهم بعيدا عن النار المشتعلة، وهو ما يحدث في كل الحروب وكل الشعوب، فمن سوف يتحمل عبء هذا التدفق من جانب اللاجئين او الهاربين الباحثين عن ملجأ بعيدا عن النيران، ان هذا النشر البشري أو بالأحرى هذا الفيضان البشري سوف يحدث اضطرابات كبيرة على حدود الدول المجاورة للعراق، وهو ضرر أولي كبير لهذه الدول حتى لو كانت حريصة على ألا يكون لها دخل صغير أو كبير بالمعركة العسكرية. سؤال آخر صعب هو ان الدمار المبدئي الذي سوف يلحق بالعراق نتيجة الغارات الجوية وحدها يتم تقديره الآن بالمليارات، وقد قدرته احدى الصحف الألمانية في الاسبوع الماضي بما يتراوح بين خمسين مليار دولار ومائة وخمسين مليارا، وهي كلها خسائر عاجلة لابد من إصلاحها في سرعة شديدة لأنها سوف تمس شبكات الكهرباء والمياه والجسور والاتصالات وغيرها من شرايين الحياة المدنية، واصلاح ذلك هو أمر لا يحتمل التأجيل، أي ان هذا الاصلاح لابد ان يكون فوريا، فمن الذي يدفع هذه "الفاتورة الباهظة والعاجلة" لإعادة الحياة في العراق إلى طبيعتها ولو بالحد الأدنى لذلك؟ من سيدفع هذه المليارات الفورية التي لابد من دفعها؟ وهل يتم "رهن" البترول العراقي بالكامل لمدة عشر سنوات قادمة من أجل تسديد هذه الفاتورة؟ واذا حدث ذلك ألا يكون معناه ان يعيش شعب العراق في فقر شديد وهو في الأصل من أغنى شعوب الأرض؟ ومن الذي سوف يتحمل تحويل شعب غني تمتلئ الأرض بين يديه بالإمكانيات الطبيعية الموفورة إلى شعب فقير بهذه الصورة المفجعة. سؤال صعب ثالث هو من أين تأتي أميركا قائدة الغزوة المحتملة ضد العراق والتي أكرر انها اصبحت مؤكدة حتى الآن.. أقول من أين تأتي أميركا بالحكومة البديلة التي تريد ان تفرضها على العراق؟ هل تأتي بها عن طريق قرار من الأمم المتحدة؟ إن ذلك عسير بل ومستحيل، لأن الأمم المتحدة لم يسبق لها منذ انشائها سنة 1945 إلى الآن أن قامت بتعيين حكومات في أي بلد من بلدان العالم، ويبقى أمام اميركا ان "تخترع" حكومة عراقية جديدة، ومادة هذا الاختراع هي بالطبع المعارضة العراقية. وليس بين صفوف المعارضة العراقية حتى الآن اسم واحد له وزن داخل العراق، أو في العالم العربي أو على المستوى الدولي، فهل تقوم أميركا بانتداب سياسيين من بلاد العالم لحكم العراق حتى يمكنها العثور على سياسيين عراقيين صالحين للحكم في بغداد؟ ان من السهل القول بتغيير النظام في أي بلد، ولكن الصعب حقا وصدقا هو تقديم بديل يمكن ان يقنع الناس ويبقى في الأرض