الدكتور توفيق آلتونجي
&
قارئي الكريم هذا العنوان ليس نفس العنوان للرواية المعروفة ولا عنوان فلم سينمائي ولكن وبكل بساطة شديدة "الجمجمة السوداء" نعت نابي يطلقها السويديين على المهاجرين بصورة عامة وتلك الصفة جرى على لسان العامة حتى اصبح تسمية طبيعية فاقدة بعض معناه ومحتواه السلبي. المهاجر عادة شرقي شعرة اسود وعيونه عسليتان بالمقارنة مع الاسكندنافي الاشقر او "السوره" كما يطلق عليه العراقيين من الكرد والتركمان رغم ان الاحصائيات الرسمية "لمصلحة المستهلك" تبين بوضوح تام ان اصباغ الشعر خاصة تلك التي تغير لون الشعر الى الاشقر الاكثر مبيعا في اسواق ومحلات السوبر ماركت المنتشرة على طول البلاد وعرضها وعليك قارئي الكريم تخمين من هي الشقراء الحقيقية وتلك المزورة . اما المولود سعيد الحظ فهو بدرجة وزير.
اخيرا نطق رئيس الوزراء السويدي كلمة السر معلنا اسماء الوزراء في تشكيلة الحكومة الجديدة التي من المنتضر ان تقود البلاد خلال سنوات الاربعة القادمة كنتيجة مباشرة لنتائج الانتخابات البرلمانية التي اجريت في البلاد في الخامس عشر من سبتمر الماضي التي فاز فيها الكتلة اليسارية في البرلمان والتي تتالف من ثلاث احزاب: حزب الديمقراطيين الاجتماعيين, حزب اليسار وحزب البيئة ( الخضر).
كنت قد اشرت الى ذلك في سلسلة من المقالات التي بداتها قبل الانتخابات على صفحات "ايلاف". تشكيلة الحكومة الجديدة تتضمن ثمانية وزراء جدد وعلى الاقل ستة منهم من خارج اعظاء الكتلة البرلمانية الجديدة.
&انهال عليهم الصحفيين بالاسئلة ممطرة اياهم في اليوم الاول لجلوسهم في مقاعدهم كوزراء,& بما يجوب في فكر الناس من تساؤلات حول السياسة والاجرائات التي سوف تتخذها الحكومة الجديدة ووزرائها الجدد. الجدير بالذكر ان السويد تتصدر قائمة الدول التي تحاول تطبيق العدالة والمساوات بين الجنسين وقد تكون التشكيلة الجديدة مثال على ذلك حيث تتبوء تسعة سيدات وزارات مهمة من بينها وزارة الدفاع والخارجية والاسرة والتكامل ووزارات اخرى.
السؤال الذي كان اكثر الحاحا بالنسبة لرئيس الوزراء "كوران برشون" جاء من مذيع قناة التلفزيون الحكومية الاولى:
لماذا تخلو تشكيلة الحكومة الجديدة من وزير ذو اصول مهاجرة؟
فجاء الجواب دراميا وكان ممثلا كبيرا يؤدي دورا تراجيديا من اعمال الكاتب الكبير شكسبير.
- انه ليؤسف له باننا لم نجد الشخص المناسب.
هكذا عزيزي القاري يجيب رئيس وزراء السويد على سؤال مهم للمجتمع السويدي وعلى الاقل لنسبة كبيرة من الشعب السويدي تصل تعدداها الى اكثر من مليون نسمة من المهاجرين في دولة كبيرة مترامية الاطراف يكاد يصل عدد نفوسها التسعة ملايين نسمة وبعد عقود& من سيطرة الاشتراكيين على مقاليد الحكم في دولة ديمقراطية تعددية ملكية يكاد فيه الملك حاكما على افراد عائلته حيث لا يحق له التدخل في السياسة بل هو رمز للدولة وابا روحيا للشعب بهذه البساطة.
كنت قد ذكرت في مقالتي السابقة عن الفقر في المجتمع السويدي موجزا لتاريج نزوح المهاجرين الى السويد حيث كان في البدا من دول الجوار ومن اوربا وتغير نوعية المهاجرين وعددهم مع الحربين العالميين وخاصة الحرب الثانية حيث لم يتم احتلال السويد من قبل الجيش النازي الالماني كما حصل مع الدنمارك والنرويج وقد كان للدبلوماسي الجليل "رائول فالنبرج" دورا كبيرا في انقاذ اروح مئات اليهود وتخليصهم من محرقة النازيين وحربهم القذرة وقد اختفى هذا الدبلوماسي في ضروف غامضة مع دخول الجيوش السوفياتية الى " المجر" حيث قبض عليه بتهمة التجسس واختفى بين متاهات اقبية السجون وبقى مصيره مجهولا لحد يومنا هذا.
اليوم يعيش في السويد اكثر من مليون مهاجر يتمتع معظمهم بالجنسية السويدية والعديد منهم يدخلون ضمن الجيل الثاني والثالث من المهاجرين ويتبوؤن مناصب رفيعة في الدولة والقطاع الخاص ولهم مؤهلات جامعية ودراسات عالية جامعية سويدية. هناك اساتذة جامعات وعلماء وكتاب ومثقفين بينهم ناهيك عن وجود الالوف من المهاجرين من الاكاديمين حملة شهادات من خارج السويد وذو تجربة حياتية وعملية وعلمية طويلة من وطنهم الام.
&الجدير بالذكر ان النسبة الكبيرة من هذه المجموعة لا تزال تدير محلات تجارية صغيرة كالمطاعم ومحلات بيع المواد الغذائية ومطاعم الكباب والبيتزا وسواق التكسي وعدد قليل منهم قد اصابه الحظ فتحول الى تاجر صغير يدير شركات استيراد وتصدير. هنا علينا عدم الاندهاش عندا نشاهد طبيبا يدير محلا ومهندسا يبع المقانق في عربة على جانب الطريق وحتى جنرال وظابط قدير يدير محلا تجاريا والاكثرية الساحقة من هذه المجموعة من المهاجرين المثقفين يعيشون في اشكالية وتناقض كبيرين يدفهم الى العمل في المصانع وقبول اي عمل يخرجهم من الدورة الجهنمية للبطالة...... اليس العمل هو قمة السعادة الانسانية؟
اما آن الاوان ان يختار من بين هذ الحشد من الاكاديمين والعقول العلمية والاحد عشرة& من النواب المنتخبين من قبل الشعب من البرلمانيين من اصول مهاجرة, و يجد السويد&من يليق بدرجة وزير في الحكومة مع العلم ان هناك معلمة ابتدائية لا تتجاوز عمرها الثامنة والعشرون بين الوزيرات. رغم ان ذلك يعتبر مفخرة للسياسة السويدية المعاصرة لسيدة بعمر الزهور ان تتبوء اعلى سلطة في البلاد ولكن المقارنة جائزة للباحث.
فهل ياترى ان حجة عدم وجود الشخص المناسب يمكن تصديقة ام ان ليس هناك رغبة صادقة في البحث عن ذلك المولود المسعود بين ملايين المهاجرين وابنائهم واحفادهم؟ اسئلة كثيرة اولى بنا لنتركها للزمن كي تجد لها اجابات مقنعة وانتظارا حتى ذلك اليوم نتمنى للحكومة السويدية بتشكيلتها الجديدة الموفقية في اداء مهامها والنجاح في سعيها الدؤب لاكتشاف صاحب الحظ الوليد السعيد ذو الجمجمة الذهبية.