&
إن الحيوانات والماكينات كالكمبيوتر تكتفي بتمرير الإشارات أو المعلومات إلى غيرها أو فيما بينها، لكنها لا تمارس قط ما يفعله الإنسان باللغة عندما يتلاعب بالكلمات لإخفاء مقاصد ورسائل هدفها الرئيسي إقناع الآخرين والكذب عليهم. ومنذ أن وضع اليونانيون الأوائل في أثينا قواعد وأساليب التلاعب بالخطاب أثناء المداولات في المحاكم وذلك من أجل إقناع القضاة بأية صورة حتى ولو أدى ذلك إلى تبرئة الجناة أو الحكم على الأبرياء، تطورت أساليب تزييف الخطاب شيئا فشيئا إلى قمة نضجها في بدايات القرن الماضي. عند ذلك أصبح التلاعب بالكلمات عن طريق الإعلان لإقناع الناس بشراء شتى المنتجات، وتزييف الخطاب السياسي من أجل كسب أصوات الناخبين أو قبول ايديولوجيات الأفكار والممارسات الفاشستية العنصرية أو الشمولية.. أصبح ذلك من سمات ذلك القرن ومنجزات الإنسان الشريرة.
إلا أنه لا توجد مجتمعات تتجسد في حياتها السياسية ظاهرة الإقناع بامتهان الكذب والرسائل الخفية أكثر من مجتمعاتنا العربية. فغياب شفافية الديمقراطية وضمور حق محاسبة المسئولين من قبل الناس والمجتمع يجعل تلك الظاهرة تنمو وتزدهر بامتياز. لنعط أمثلة. في أيامنا التي نعيشها نسمع السياسيين والإعلاميين الغربيين يصرحون همسا، وأحيانا جهارا، بأن القادة العرب الذين يجتمعون بهم في السر يعبرون عن عدم ممانعتهم لضرب العراق، بل إنهم سيقدمون الدعم اللوجستي غير المباشر للجيوش والأساطيل الغازية، في الوقت الذي يصر فيه الخطاب الرسمي العربي، دون أي استثناء، بمعارضته لضرب العراق. هذا نوع من ممارسة الخطاب المخاتل الكاذب الذي أصبح ظاهرة مرضية في الأرض العربية. لكن الخطاب الأخطر هو الذي يكتفي بتمرير رسائل خفية من خلال خطاب يبدو معقولا. خذ الخطاب العربي الرسمي الذي يدعي مناصرته للوحدة العربية أو أي وحدة أصغر على مستوى الإقليم بشرط أن تكون متدرجة وعقلانية. إن الرسالة الخفية هي في كلمتي التدرج والعقلانية الغامضتين، واللتين ستعنيان مرور عشرات السنين قبل الانتقال من حال إلى حال أفضل منه وعدم اتخاذ خطوة قد تغضب هذه الدولة الأجنبية وتلك وعدم التضحية بأية منافع مؤقتة من أجل المنافع المشتركة على الأمد الطويل.. أي الانتظار لقرون طويلة في الوقت الذي تموت فيه الأمة بسبب تمزقها وتشرذمها.
خذ الخطاب العربي الرسمي الذي يتحدث عن أهمية وحدة المجتمع وعدم انقسامه. إن الرسالة الخفية هي في عدم انقسامه والتي ستعني عدم المساس بامتيازات مالية أو سياسية أو دينية لبعض جماعات المجتمع. خذ الخطاب العربي الرسمي وهو يتحدث عن إيمانه بحرية الإعلام المسئولة. إن الرسالة الخفية هي في الكلمة المسئولة، التي ستعني اعتبار كل نقد حقيقي وصادق للسلطة انتقادا غير مسئول، مع قبول الانتقاد، بل وتجريح كل القوى الأخرى غير المحسوبة على السلطة. هذا الخطاب، المملوء بالغموض والرسائل الخفية، لا علاج له ولا منجى منه إلا بشفافية الديمقراطية والمزيد من جرعاتها.
رئيس مجلس الأمناء ـــ مركز البحرين للدراسات والبحوث