&
نبيل عمـر
قادتني المصادفة إلى سهرة غير مرتبة، في باخرة عائمة من تلك التي تنتشر على ضفاف النيل، كنا ما يقرب من خمسة عشر شخصا، أطباء وصيادلة وكتاب وصحفيين وضباط شرطة ورجال أعمال من غير المتعثرين ولا الهاربين ورجال إدارة عليا في الحكومة، وما كدنا نجلس حتى سأل رجل الإدارة العليا: لو حاولنا أن نشكل "عقلا جمعيا مفكرا" يبحث عن أزمة مصر وكيفية الخروج منها، كي نلحق بالعالم المتقدم..فمن أين نبدأ؟!
السؤال - بالرغم من صعوبته الشديدة -فهو يلح على الأذهان بشدة ودون توقف، ويكاد يكون هو الشغل الشاغل لقطاعات عريضة في المجتمع المصري، من المثقفين إلى البسطاء، من الأغنياء إلى الفقراء، من الحاصلين على درجة الدكتوراه إلى الذين يفكون الخط بصعوبة، من الانتهازيين في حزب الحكومة إلى المتعاونين معه في أحزاب المعارضة، من المحظوظين بالانتساب إلى السلطة يتحكمون في العباد والرقاب إلى الجالسين في الهواء الطلق يا مولاي كما خلقتني، من شيوخ على مشارف الرحيل إلى فتيان يبدأون أول خطواتهم على الطريق، من ربات بيوت يصنعن معجزات بمرتبات مصابة بالكساح إلى سيدات صالون يتمرغن في الرياش..
يكاد كل المصريين أن يكونوا مهمومين بسؤال واحد: كيف نعبر مستنقع التخلف الذي "أنغرزنا" فيه سواء بالمشاركة أو بالصمت أو بالانزواء؟!
عدد قليل فقط هو الذي لا يري الأزمة ولا يحس بها، وليته لا يراها ويحفظ لسانه أو قلمه عن الغش والشهادة الزور، بل يصرخ أو يكتب عن النعيم المقيم الذي نعيش فيه!
أصابني السؤال بالصمت، كنا نلقي بيوم عمل شاق خلفنا، ولا نود أن نفتح على أنفسنا أوجاع إجابة معروفة نهرب منها جميعا، فنحن نفتش عن إجابات مريحة في الغالب، عن حلول تهبط علينا من السماء دون عناء، وقلت في نفسي: ضاعت الليلة في ثرثرة فوق النيل، كتلك الثرثرة التي كتب عنها كاتبنا العبقري المبدع نجيب محفوظ في روايته التي تحمل نفس الاسم، واستدركت وعاتبت نفسي قائلا: كانت ثرثرة فوق النيل تتحدث عن مجتمع منتصف الستينيات، فهو يبدو في الظاهر متماسكا، ينمو ويتطور ويخوض معارك في الشرق والغرب، لكنه تحت السطح ينهار ويضرب فيه السوس ويتفتت مثقفوه ونجومه ومتعلموه بين الحشيش والجنس..كانت ثرثرة نجيب محفوظ نبوءة بالانكسار القادم وهزيمة 1967 المهينة..أما ثرثرة الليلة فيدل عليها سؤال البداية الصعب، وأنها تدرك أن المجتمع في أزمة صعبة والسوس يسبح في شرايينه والطحالب تتكالب عليه كما تتكالب الذئاب على فريسة مهيضة الجناح، وتحاول أن تعثر على دواء وترياق وهواء نقي يعيد للمجتمع عافيته!
طار السؤال فوق الرؤوس دون أن يمد أحد يده للإمساك به، فأعاده رجل الإدارة العليا بصيغة استفزازية: هل فيه أمل في أن تجد مصر طريقا أم لم يعد هناك أمل؟!
أجبته على الفور: بالقطع الأمل موجود..والسؤال نفسه أكبر دليل عليه، وإذا كنا أحيانا نقسو في نقد الذات وإظهار العيوب، فليس الهدف هو دفع الناس إلي اليأس، بل إلى الحركة، نريد أن نقول لهم إن ظهورنا صارت إلي الحائط ولم يعد أمامنا مسافات!
فسأل أحدنا: أولا علينا أن نحدد المشكلة..هل هي في ضآلة الدخل القومي وضعف مستوى المعيشة أم في عجزنا عن التنمية بشكل مؤثر أو فشلنا في التصدير أو..أو..!
رد كاتب كبير: نحن لا نعرف ماذا نريد بالضبط أو من نحن أو ما هو وضعنا الاقتصادي بدقة أو ماذا يجرى..ما نملكه هو "شوية" تصريحات وأرقام أزعم أنها غير دقيقة!
وتحدث ثالث من أصحاب الخبرات عن قيمة العمل المهدرة في مصر، ولأنه زار اليابان أكثر من ثلاثين مرة روي هذه القصة: لي صديقي ياباني..حين وصلت إلى طوكيو صباحا كلمته في التليفون..فرد على بأدب واقتضاب وأنا مسترسل في الشوق والسلامات، ثم قاطعني قائلا: مع السلامة سأمر عليك فيما بعد..وجاءني في المساء يعتذر عن عدم الإفاضة في الحديث معي في التليفون وقال: لا يمكن أن أبدد وقت العمل في الثرثرة..ماذا يقول عني زملائي..عيب جدا في بلادنا الكلام الشخصي في التليفون من العمل!
وأضاف المتحدث: إذا مرض العامل بالأنفلونزا يأخذ إجازة من تلقاء نفسه ولا يذهب إلى العمل حتى لا ينقل العدوة إلى الآخرين، وإذا أضطر للنزول إلى الشارع.. يضع كمامة على فمه ليعرفوا أنه مريض!
واستمر الراوي في حكايات عن التزام الياباني نحو مجتمعه من أول جيرانه وشارعه ومصنعه إلي وطنه الأكبر!
قال أحدنا: نحن تجاوزنا السؤال كثيرا..وسافرنا إلى اليابان..مصر حاجة ثانية..التزام هناك وفساد هنا..فلنهبط على أرض الواقع ونترك اليابان في حالها!
أمسك الكاتب الكبير ناصية الحديث وقال: عندك حق..فشلنا سببه الأول هو الفساد..الفساد ليس مجرد أموال منهوبة من البنوك أو فرص ضائعة في التنمية فقط، الفساد تكاليف تضاف إلى عناصر الإنتاج والخدمات تجعل ثمن السلعة في مصر أغلى من مثيلتها في أي مكان في العالم، لقد اشتريت بنطلون كتان بخمسين دولارا من أمريكا، ووجدت ثمنه في مصر 300 جنيه، ولهذا لا نستطيع أن نصدر سلعنا للعالم، ونفقد أي مزايا تنافسية في المنتجات التي نتفوق فيها، فالفساد عبء رهيب على الإنتاج ويقتل قدرتنا على المنافسة سواء داخليا أو خارجيا، إذا أردت فتح مطعم أو بناء مصنع أو تشييد كوبري أو رصف طريق أو إنشاء شركة..فالفساد جزء من دراسة الجدوى، وتقديره مجهول غامض وغير مضمون، فيرفع معدل المخاطرة في الاستثمار ويقلل من نسبة الاطمئنان، وبالتالي هو طارد إلى رأس المال الشريف، جاذب للنصابين واللصوص والناهبين القادرين على دفع المعلوم، وطبعا لن يكون المعلوم من جيوبهم بل في الغالب من قروض البنوك!
وقال: قبل عشر أعوام نبهنا إلى الأزمة العقارية الحالية قبل أن تقع أزمة جنوب شرق أسيا، حين بدأ رجل أعمال ( ذكر اسمه) في الاستثمار العقاري، فأفسد خطواتنا الصناعية الصغيرة والناجحة في المدن الجديدة، مثل العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر، وفساد الدولة وتخبطها ساعده على ذلك، إذا منحته ما يقرب من 11 مليون متر مربع بعشره جنية المتر، ثم رفعت السعر إلي أربعين جنيه بعدها، أي كسب أربعة أضعاف ما دفع،فلماذا يستمر أصحاب الصناعات في مصانعهم وهم لا يحققون أكثر من 20% ربحا، وهي محملة بمشكلات العمالة والتأمين والضرائب وشروط السلامة وتقلبات السوق، والأهم أن رجل الأعمال هذا ذهب إلى البنوك واقترض خلال السنوات العشر الأخيرة ما يقرب من خمسة مليارات جنيه، وأخذ يشيد ضواحي مكونة من فيلات وشقق فخمة، فاقتفى آثره كل رجال الأعمال الجادين من أصحاب المصانع والشركات في المدن الصناعية الجديدة، وأخذوا أراض من الدولة وبنوا أحياء راقية، ونقلوا الاستثمار من الإنتاج إلى العقار!
الفساد غول له ألف رأس ولكل رأس ألف ناب، كلها مغروسة في اللحم الحي تمتص منه الدم النقي، فكيف يعيش اقتصادنا صحيحا؟!
قلت: كل ما قيل هو عوارض أزمة، الإفراز المر لنظام عام لم يعد قادرا على رؤية الحل الصحيح، لأن الحل الصحيح يبدأ من إصلاح النظام نفسه أو استبداله بنظام أكثر كفاءة وقدرة علة تلبية احتياجات الناس!
فسألني رجل الإدارة العليا: باختصار من أين نبدأ؟!
قلت: من النظام العام!
فسأل: وإذا كنا غير قادرين على تغييره أو إصلاحه؟!
قلت: لا نحن قادرون..والبدء من تقوية المجتمع المدني ليمارس ضغطا متواصلا على مؤسسات الدولة لإصلاح النظام العام أو تعديله، وبالقطع ستكون المقاومة عنيفة ولها ثمن، لكن لا طريقا آخر أمامنا، نحن في حاجة إلى نظام عام يكرس حقوق الإنسان والديمقراطية والشفافية وحرية الصحافة وحرية تكوين الأحزاب، وتكون فيه سيادة القانون مبدأ يخضع لها كل المواطنون بلا استثناء مهما كانت مناصبهم أو مراتبهم، نظام يشعر فيه المواطن العادي أنه صاحبه وليس مجرد فرد من رعاياه، حتى يعود له إحساسه بملكية الوطن وليس خادما فيه!
فرد أحدنا: لسنا أقل من إسرائيل!
فسأل رجل الإدارة العليا: ألا يوجد في مصر بضعة ملايين من العلماء والمثقفين والمتعلمين والعمال المهرة يمكنهم أن يصنعوا مجتمعا أكثر تقدما من إسرائيل!
قلت: بالقطع فيها..لكن هؤلاء أدوات في نظام عام، إما أن يصعد بهم إلى القمر أو يغوص بهم في المستنقع..وقد ضقنا زرعا من البقاء في المستنقع..وعلينا أن نخرج منه فورا!
السؤال - بالرغم من صعوبته الشديدة -فهو يلح على الأذهان بشدة ودون توقف، ويكاد يكون هو الشغل الشاغل لقطاعات عريضة في المجتمع المصري، من المثقفين إلى البسطاء، من الأغنياء إلى الفقراء، من الحاصلين على درجة الدكتوراه إلى الذين يفكون الخط بصعوبة، من الانتهازيين في حزب الحكومة إلى المتعاونين معه في أحزاب المعارضة، من المحظوظين بالانتساب إلى السلطة يتحكمون في العباد والرقاب إلى الجالسين في الهواء الطلق يا مولاي كما خلقتني، من شيوخ على مشارف الرحيل إلى فتيان يبدأون أول خطواتهم على الطريق، من ربات بيوت يصنعن معجزات بمرتبات مصابة بالكساح إلى سيدات صالون يتمرغن في الرياش..
يكاد كل المصريين أن يكونوا مهمومين بسؤال واحد: كيف نعبر مستنقع التخلف الذي "أنغرزنا" فيه سواء بالمشاركة أو بالصمت أو بالانزواء؟!
عدد قليل فقط هو الذي لا يري الأزمة ولا يحس بها، وليته لا يراها ويحفظ لسانه أو قلمه عن الغش والشهادة الزور، بل يصرخ أو يكتب عن النعيم المقيم الذي نعيش فيه!
أصابني السؤال بالصمت، كنا نلقي بيوم عمل شاق خلفنا، ولا نود أن نفتح على أنفسنا أوجاع إجابة معروفة نهرب منها جميعا، فنحن نفتش عن إجابات مريحة في الغالب، عن حلول تهبط علينا من السماء دون عناء، وقلت في نفسي: ضاعت الليلة في ثرثرة فوق النيل، كتلك الثرثرة التي كتب عنها كاتبنا العبقري المبدع نجيب محفوظ في روايته التي تحمل نفس الاسم، واستدركت وعاتبت نفسي قائلا: كانت ثرثرة فوق النيل تتحدث عن مجتمع منتصف الستينيات، فهو يبدو في الظاهر متماسكا، ينمو ويتطور ويخوض معارك في الشرق والغرب، لكنه تحت السطح ينهار ويضرب فيه السوس ويتفتت مثقفوه ونجومه ومتعلموه بين الحشيش والجنس..كانت ثرثرة نجيب محفوظ نبوءة بالانكسار القادم وهزيمة 1967 المهينة..أما ثرثرة الليلة فيدل عليها سؤال البداية الصعب، وأنها تدرك أن المجتمع في أزمة صعبة والسوس يسبح في شرايينه والطحالب تتكالب عليه كما تتكالب الذئاب على فريسة مهيضة الجناح، وتحاول أن تعثر على دواء وترياق وهواء نقي يعيد للمجتمع عافيته!
طار السؤال فوق الرؤوس دون أن يمد أحد يده للإمساك به، فأعاده رجل الإدارة العليا بصيغة استفزازية: هل فيه أمل في أن تجد مصر طريقا أم لم يعد هناك أمل؟!
أجبته على الفور: بالقطع الأمل موجود..والسؤال نفسه أكبر دليل عليه، وإذا كنا أحيانا نقسو في نقد الذات وإظهار العيوب، فليس الهدف هو دفع الناس إلي اليأس، بل إلى الحركة، نريد أن نقول لهم إن ظهورنا صارت إلي الحائط ولم يعد أمامنا مسافات!
فسأل أحدنا: أولا علينا أن نحدد المشكلة..هل هي في ضآلة الدخل القومي وضعف مستوى المعيشة أم في عجزنا عن التنمية بشكل مؤثر أو فشلنا في التصدير أو..أو..!
رد كاتب كبير: نحن لا نعرف ماذا نريد بالضبط أو من نحن أو ما هو وضعنا الاقتصادي بدقة أو ماذا يجرى..ما نملكه هو "شوية" تصريحات وأرقام أزعم أنها غير دقيقة!
وتحدث ثالث من أصحاب الخبرات عن قيمة العمل المهدرة في مصر، ولأنه زار اليابان أكثر من ثلاثين مرة روي هذه القصة: لي صديقي ياباني..حين وصلت إلى طوكيو صباحا كلمته في التليفون..فرد على بأدب واقتضاب وأنا مسترسل في الشوق والسلامات، ثم قاطعني قائلا: مع السلامة سأمر عليك فيما بعد..وجاءني في المساء يعتذر عن عدم الإفاضة في الحديث معي في التليفون وقال: لا يمكن أن أبدد وقت العمل في الثرثرة..ماذا يقول عني زملائي..عيب جدا في بلادنا الكلام الشخصي في التليفون من العمل!
وأضاف المتحدث: إذا مرض العامل بالأنفلونزا يأخذ إجازة من تلقاء نفسه ولا يذهب إلى العمل حتى لا ينقل العدوة إلى الآخرين، وإذا أضطر للنزول إلى الشارع.. يضع كمامة على فمه ليعرفوا أنه مريض!
واستمر الراوي في حكايات عن التزام الياباني نحو مجتمعه من أول جيرانه وشارعه ومصنعه إلي وطنه الأكبر!
قال أحدنا: نحن تجاوزنا السؤال كثيرا..وسافرنا إلى اليابان..مصر حاجة ثانية..التزام هناك وفساد هنا..فلنهبط على أرض الواقع ونترك اليابان في حالها!
أمسك الكاتب الكبير ناصية الحديث وقال: عندك حق..فشلنا سببه الأول هو الفساد..الفساد ليس مجرد أموال منهوبة من البنوك أو فرص ضائعة في التنمية فقط، الفساد تكاليف تضاف إلى عناصر الإنتاج والخدمات تجعل ثمن السلعة في مصر أغلى من مثيلتها في أي مكان في العالم، لقد اشتريت بنطلون كتان بخمسين دولارا من أمريكا، ووجدت ثمنه في مصر 300 جنيه، ولهذا لا نستطيع أن نصدر سلعنا للعالم، ونفقد أي مزايا تنافسية في المنتجات التي نتفوق فيها، فالفساد عبء رهيب على الإنتاج ويقتل قدرتنا على المنافسة سواء داخليا أو خارجيا، إذا أردت فتح مطعم أو بناء مصنع أو تشييد كوبري أو رصف طريق أو إنشاء شركة..فالفساد جزء من دراسة الجدوى، وتقديره مجهول غامض وغير مضمون، فيرفع معدل المخاطرة في الاستثمار ويقلل من نسبة الاطمئنان، وبالتالي هو طارد إلى رأس المال الشريف، جاذب للنصابين واللصوص والناهبين القادرين على دفع المعلوم، وطبعا لن يكون المعلوم من جيوبهم بل في الغالب من قروض البنوك!
وقال: قبل عشر أعوام نبهنا إلى الأزمة العقارية الحالية قبل أن تقع أزمة جنوب شرق أسيا، حين بدأ رجل أعمال ( ذكر اسمه) في الاستثمار العقاري، فأفسد خطواتنا الصناعية الصغيرة والناجحة في المدن الجديدة، مثل العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر، وفساد الدولة وتخبطها ساعده على ذلك، إذا منحته ما يقرب من 11 مليون متر مربع بعشره جنية المتر، ثم رفعت السعر إلي أربعين جنيه بعدها، أي كسب أربعة أضعاف ما دفع،فلماذا يستمر أصحاب الصناعات في مصانعهم وهم لا يحققون أكثر من 20% ربحا، وهي محملة بمشكلات العمالة والتأمين والضرائب وشروط السلامة وتقلبات السوق، والأهم أن رجل الأعمال هذا ذهب إلى البنوك واقترض خلال السنوات العشر الأخيرة ما يقرب من خمسة مليارات جنيه، وأخذ يشيد ضواحي مكونة من فيلات وشقق فخمة، فاقتفى آثره كل رجال الأعمال الجادين من أصحاب المصانع والشركات في المدن الصناعية الجديدة، وأخذوا أراض من الدولة وبنوا أحياء راقية، ونقلوا الاستثمار من الإنتاج إلى العقار!
الفساد غول له ألف رأس ولكل رأس ألف ناب، كلها مغروسة في اللحم الحي تمتص منه الدم النقي، فكيف يعيش اقتصادنا صحيحا؟!
قلت: كل ما قيل هو عوارض أزمة، الإفراز المر لنظام عام لم يعد قادرا على رؤية الحل الصحيح، لأن الحل الصحيح يبدأ من إصلاح النظام نفسه أو استبداله بنظام أكثر كفاءة وقدرة علة تلبية احتياجات الناس!
فسألني رجل الإدارة العليا: باختصار من أين نبدأ؟!
قلت: من النظام العام!
فسأل: وإذا كنا غير قادرين على تغييره أو إصلاحه؟!
قلت: لا نحن قادرون..والبدء من تقوية المجتمع المدني ليمارس ضغطا متواصلا على مؤسسات الدولة لإصلاح النظام العام أو تعديله، وبالقطع ستكون المقاومة عنيفة ولها ثمن، لكن لا طريقا آخر أمامنا، نحن في حاجة إلى نظام عام يكرس حقوق الإنسان والديمقراطية والشفافية وحرية الصحافة وحرية تكوين الأحزاب، وتكون فيه سيادة القانون مبدأ يخضع لها كل المواطنون بلا استثناء مهما كانت مناصبهم أو مراتبهم، نظام يشعر فيه المواطن العادي أنه صاحبه وليس مجرد فرد من رعاياه، حتى يعود له إحساسه بملكية الوطن وليس خادما فيه!
فرد أحدنا: لسنا أقل من إسرائيل!
فسأل رجل الإدارة العليا: ألا يوجد في مصر بضعة ملايين من العلماء والمثقفين والمتعلمين والعمال المهرة يمكنهم أن يصنعوا مجتمعا أكثر تقدما من إسرائيل!
قلت: بالقطع فيها..لكن هؤلاء أدوات في نظام عام، إما أن يصعد بهم إلى القمر أو يغوص بهم في المستنقع..وقد ضقنا زرعا من البقاء في المستنقع..وعلينا أن نخرج منه فورا!












التعليقات