بقلم: سيد نصار*
ما يراه البعض انفرادا باللقاء والحوار لمدة ساعتين وربع الساعة مع الرئيس العراقي صدام حسين الذي لم يلتق مع أحد من الصحفيين والكتاب عربا أو أجانب وسبقا صحفيا عالميا، دفع بالصحافة ووكالات الأنباء العالمية والفضائيات لأن تسعي إلي لقائي لعلها تحصل علي شيء لم أنشره هنا في 'الأسبوع' فالرجل واسمه وبلده العراق أصبح محور الحديث ونقاط الخلاف والاتفاق بين دول العالم وأصبحت المنظمة الدولية بمجلسها التنفيذي لا عمل لها سوي البحث عن اصدار قرار مناسب حول المسألة العراقية يمنع الحرب التي تصر عليها الولايات المتحدة والسلام الذي يؤكد عليه العراق ممهدا لذلك بقبول عودة المفتشين الدوليين عن أسلحة الدمار الشامل وبدون أي شروط إلي العراق من جديد بعد أن سحبتهم المنظمة الدولية عام 1998 وبعد اعتراف رئيسهم باستكمال مهمته بنسبة 95 % .
&
هذا الذي يعتبره البعض انفرادا لا يراه جيلي ممن تعلموا الصحافة علي يد أساتذة كبار ورواد عظام في الصحافة العربية اختفوا للأسف من الساحة بالموت، لا يراه جيلي سوي أنه عمل تعودناه والفضل في ذلك أننا تعلمنا فن العمل الصحفي في مدارس صحفية تضم (أساتذة وتلاميذ) أما الآن فالصحافة تختلف فهي إما أساتذة بلا تلاميذ أو تلاميذ بلا أساتذة!! والأسباب كثيرة ومتعددة ومع ذلك فنحن لا نفقد الأمل في حدوث التغيير. لكن لأنه لم يحدث منذ نحو 12 عاما أن أحدا من الكتاب أو الصحفيين التقاه، كان لقائي معه مفاجأة للجميع من رجال الصحافة والإعلام العرب والأجانب خاصة هؤلاء الذين ألحوا علي وزير الإعلام الدكتور محمد الصحاف بطلب اللقاء.. كانت وكالة الأنباء العراقية أول من أذاع الخبر ووزعته علي الصحف العراقية التي نشرته جميعها بالصورة في صدر صفحتها الأولي مع تعليق في (1200) كلمة عن مضمون ما دار من حوار تاركة التفاصيل لي.. وقد زاد من رغبة الصحفيين في معرفة ما دار في هذا اللقاء أنه قد استمر أكثر من ساعتين وحضره الأستاذ طارق عزيز نائب رئيس الوزراء والدبلوماسي العريق ورجل المهام الصعبة. والفريق عيد حمود المستشار العسكري للرئيس وكذلك مستشاره الصحفي ورئيس البروتوكول.
&
هذا الحدث هو الذي دفع بصحيفة هامة عالميا مثل الواشنطن بوست الأمريكية لأن يسعي مدير مكتبها في القاهرة مستر راجيف شاندرا للقائي والحديث معي حول هذا اللقاء.. كما جاءني التليفزيون الألماني القناة الأولي A. R. D بطاقمه الأجنبي والعربي ومصوريه كاملا بعد أن بحث عني في بغداد وعمان وليسجل معي 26 دقيقة عن الأحداث الجارية في الشرق الأوسط.. كذلك اذاعت قناة الجزيرة الفضائية القطرية مقتطفات طويلة من حواري مع الرئيس العراقي علي مدار الساعة في اليوم التالي والثالث لنشره في وكالة الأنباء العراقية وبعد نشره في (الأسبوع) واتصلت بي صحيفة أساهي اليابانية ثم جاء إلي لقائي مدير مكتب صحيفة (ماينتشي) اليابانية في القاهرة مستر تاكابسو أوجرا ويجري معي حوارا طويلا مصورا حول هذا اللقاء.. وأصبحت فجأة محور اهتمام الصحافة العالمية وموضع اهتمام الذين سعوا إلي لقاء الرئيس صدام حسين ولم ينجحوا جاءوا لمقابلتي لعل في ذلك ما يعوضهم عن هذا اللقاء ولو بالنيابة!
&
هذا الاهتمام يوضح مدي الاهتمام بما يقوله الزعيم العراقي خاصة في مرحلة ينشغل فيها العالم الآن بالحديث عن الحرب والسلام. الحرب المؤكدة أمريكيا والسلام الراغب في تأكيده العراق.. الحرب الراغبة فيها واشنطن كبداية لتفتيت المنطقة وإعادة تقسيمها من جديد علي نمط (سايكس بيكو) جديدة.. وما بين الحرب المؤكدة والسلام المراوغ كان حواري مع هذه الصحف العالمية التي طلبت مني في نهاية اللقاء التعاون بالكتابة بها.
&
كنت أعرف بداية أن مهمتي مع مراسلي هذه الصحف العالمية صعبة للغاية فهم أصحاب خبرة وحرفيون وإلا ما كان يمكن لصحف بهذا الحجم وتلك الشهرة أن تعتمدهم وتعتمد عليهم.. وما توقعته حدث كانت الاسئلة في غاية الذكاء وهي تعتمد علي التدرج من البسيط إلي الصعب للحصول علي إجابات لعل يكون من بينها ما جاءت الجريدة بحثا عنه.
&
فالإشاعات تملأ الصحف العالمية الأمريكية والبريطانية والفرنسية والايطالية بعضها يدعي أن هناك أكثر من شبيه للرئيس العراقي يلتقي بالمواطنين ويتجول وسطهم في المدن والقري وبعضهم يدعي أن من يقابل الرئيس لابد أن توضع عصابة سوداء علي عينيه وهو في الطريق إليه حتي لا يعرف أين ينام وأين يجلس ويزاول عمله.. هرطقة وأكاذيب بلا حدود فلم توضع عصابة سوداء أو حتي بيضاء علي عينيٌ وأنا في الطريق إليه ولا أنا التقيت به في مكان تحت الأرض.. ولا أنا التقيت بشبيهه ولا رأيت حراسة غير عادية مما نراه نحن ومع الآخرين بل علي العكس كانت أقل مما يجب فالرجل مؤمن بربه وبشعبه ويكفي هنا أن أقول إن العراق بعد قراره بفتح أبواب كل السجون العراقية والافراج عن كل المساجين بمن فيهم السياسيون والجنائيون ما يؤكد إيمانه وثقته بشعبه وحبهم له وحبه لهم.. الرئيس العراقي لمن لا يعرف مؤمن بالله وبالقدر وهو شديد الإيمان بعروبته وبقوميته: لذلك فهو غير قلق من المستقبل ولا يقلقه سوي اغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين وعاشق ولهان.. وأكرر عاشق ولهان لمصر وشعبها ويعرف قدرها ومقدر لدورها.. وهو لا يري تقدما في المنطقة حسب فهمي لسياسته إلا وكان لمصر دور قائد ورائد فيه.. كما يعتقد أن هناك من يعبث عند وجود تقارب بين مصر والعراق في المياه الجارية بينهما.
&
كانت الاسئلة التي وجهت إليٌ خطيرة وملغمة وكان عليٌ أن أتفادي هذه الألغام بقدر الإمكان.. سألني وزير مصري كان علي العشاء معي في نادي السيارات منذ أيام.. سألني إن كانت حمامات القصر الجمهوري قواعدها أي التي يجلس عليها الإنسان لقضاء حاجته مرصعة بالأحجار الكريمة من عدمه.. ونظرت إليه باستغراب لسذاجة السؤال من رجل عمل وزيرا لمصر 22 سنة في وزارة هامة للخدمات.. إذا كنت أنت لم تر فأنا قد رأيت واخرج علي طريقته الشعبية مصحفا صغيرا من جيبه ليحلف عليه بصدق ما يدعيه وضحكنا وضحك من بجواري وهمس في أذني قائلا الوزير الآن يعمل بعد احالته إلي التقاعد مستشارا لرجل أعمال كويتي.. هذه الاشاعات وغيرها مما يقال ويشاع ضد العراق أصبح له أنصار في مصر خاصة لتسميم المياه بين القاهرة وبغداد.. وقال لي وزير آخر: هل أنت متأكد من أن الذي قابلته هو الرئيس صدام حسين الحقيقي؟! وتجاهلت السؤال والجواب عليه وغرقت في أسي وأسف عن سؤاله الملغم.
&
وإذا كنت قلت إن الصحفي هو الرجل الذي يعرف كثيرا ولا يقول إلا القليل فقد جاءوا إليٌ لمعرفة شيء من هذا القليل! لعله قد يكون من بينه ما يبحثون عنه!
كم ساعة ينام الرئيس.. في فيلا. في قصر.. مع من يقضي وقته في اجتماعات رسمية أم مع أصدقاء.. ومن تعرف من هؤلاء الاصدقاء.. أقارب له.. من قبيلته.. من أعضاء مجلس قيادة الثورة.. ماذا يقرأ.. كتبا.. صحفا.. عربية أجنبية تقارير.. هل تزوج؟
الرئيس جلس معك ساعتين وربع الساعة هل تركك وذهب إلي الحمام؟ وكم مرة إن كان قد حدث؟.. ماذا يشرب من مشروبات؟ وهل يضع في مشروبه شايا أو قهوة أو عصائر السكر؟ وكم ملعقة في الكوب أو الفنجان؟ هل يلبس ساعة بيده وهل استيكه من الجلد أو من المعدن؟.. الحذاء الذي يلبسه هل حذاء عادي أم طبي؟ هل لاحظت وهو يدخن السيجارة أو السيجار أنه ينفث ضاغطا الدخان.. مضموم الشفتين أم مفتوح الشفتين؟ وهل كان هادئ التنفس أم بطيئه.. سريعا.. متسارعا وعابس الوجه.. منبسطا.. يبدي مظاهر الألم؟.. هل كان يضع إحدي يديه علي امعائه أو في وسطه أو يمسح بها علي جبهته؟.
&
وعندما أبديت امتعاضي من نوع الأسئلة تلقيت اسئلة من نوع آخر مثل:
لماذا حضر اللقاء طارق عزيز نائب رئيس الوزراء ولم يحضره وزير الإعلام الدكتور محمد سعيد الصحاف؟
لأنني صديق للأستاذ والدبلوماسي العريق طارق عزيز وعضو في لجان يرأسها دفاعا عن الشعب العراقي.
لماذا اختصك أنت الرئيس دون غيرك من رجال الصحافة والإعلام العرب أو الأجانب ورجال الأحزاب والسياسة باللقاء؟
هذا السؤال يوجه له شخصيا!
أين التقيت الرئيس في فيلا .. في قصر وعلي بعد كم دقيقة من خروجك من فندق الرشيد الذي كنت تقيم فيه؟!.
هل وضعوا عصابة سوداء علي عينيك بعد صعودك إلي السيارة حتي لا تري معالم الطريق؟
ما هو الحديث الذي دار بينك وبين مرافقيك من الفندق وحتي تركك للسيارة؟
وهل سألك الرئيس عن الشارع السياسي في مصر ومشاعر الناس نحوه؟ وهل لاحظت أثناء حديثك معه نطقه لمفردات دينية أو آيات قرآنية بشكل غير معتاد؟
هل شعرت بإمكانية استسلامه لأي قرار جديد يصدر عن مجلس الأمن ومدي معارضته لذلك؟
هل شعرت أثناء جلوسك والحديث مستمر بينكما أنه يركز علي شيء محدد؟
وهل هو راض عن موقف الزعماء العرب من المسألة العراقية أم أنه كانت له بعض الملاحظات علي بعض هؤلاء الزعماء؟... وما هي؟
ما هو موقفه في حالة ما إذا وقعت الحرب وانطلقت الطائرات الامريكية والصواريخ من قواعدها في دول الجوار؟ ماذا يمكن أن يكون رد فعله علي هذه الدول؟ ما هو رأيه في المشاريع المقدمة لمجلس الأمن؟وهل سيقبل المشروع الامريكي إذا ما فرضته الولايات المتحدة علي أعضاء مجلس؟
هل هو واثق من معارضة موسكو للولايات المتحدة بشأن قرارها في مجلس الأمن؟ وهل هو واثق من أن موسكو يمكن أن تستعمل حق الاعتراض (الفيتو) ضد المشروع الامريكي؟ وما هو رأيه في الموقف الفرنسي والصيني؟ ما هو شعوره من الكيل بمكيالين.. فبينما تعترف كوريا الشمالية بامتلاكها لبرنامج نووي والعراق ينكر وجود مجرد أسلحة تدمير شامل مثل البيولوجي أو الكيميائي تهدد الولايات المتحدة العراق ولا تفعل ذات الشيء مع كوريا.. فما هو تفسيره لذلك؟
هل يمكن أن يضرب اسرائيل بالصواريخ في حالة شن الولايات المتحدة حربا ضده؟ وعلام يعتمد الرئيس العراقي في تصديه بصلابة لواشنطن؟ ما الذي يتوقعه لو قامت الحرب ضد العراق أن يحدث في المنطقة العربية؟
ما هو رأيه في المعارضة العراقية؟
ما هو رأي الشارع العراقي في رئيسه ونظامه؟
كيف يتصور خروجه من الأزمة؟
كان عليٌ أن أجيب علي بعض هذه التساؤلات ضمن إطار حددته لنفسي من الحفاظ علي ما يمكن أن يضر بالأمن القومي العربي وبصفة خاصة الأمن العراقي فأنا لست مجرد كاتب صحفي فقط وإنما أنا من المؤمنين بالفكر القومي الذي رضعنا حليبه كل جيلي من الكتاب والصحفيين وأصبح يعيش فينا ونعيش له.
* الصحافي الذي أجرى الحوار مع صدام حسين