قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الوضع في الشرق الأوسط تفاقم كثيرا بعد حرب الأيام الستة في يونيو (حزيران) 1967. فالضربة الاسرائيلية الاستباقية الحاسمة شلت القوات العسكرية العربية قبل ان تغادر ثكناتها تقريبا.
وغنم الجيش الاسرائيلي شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة من مصرن وهضبة الجولان من سورية، والقدس الشرقية وكامل الضفة الغربية من الأردن. وذلّ القادة العرب الذين طالما تباهوا وتشدقوا لسنين بأنهم سيدمّرون اسرائيل، وجاء رد فعلهم حادا وعاجلا. فهم نظروا الى اعادتنا تزويد اسرائيل بما تحتاجه حربيا ابان الحرب تصرفا عدائيا، وعلى الفور بادروا الى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة.
&
زيارة شارل مالك
بعد فترة قصيرة من توقف القتال زارني في مكتبي ببنك تشايس شارل مالك، احد وزراء الخارجية اللبنانيين السابقين واحد الرؤساء السابقين للجمعية العامة بالأمم المتحدة. مالك رجل فاضل كنت احترمه كثيرا، وقد اخبرني ان العرب غاضبين كثيرا من الولايات المتحدة لموافقتنا على ضم اسرائيل الأراضي العربية واهمالنا الظاهر معاناة مئات الالوف من اللاجئين الفلسطينيين الجدد الذين شردتهم الحرب. وتابع مالك ان الأميركيين يدعون انهم شعب مشاعره الانسانية عميقة، غيى ان معظم العرب ينظرون الينا على اننا لا نهتم الا باسرائيل.
زيارة مالك هذه جعلتني افكر بتأثير الحرب على الشعب في الشرق الاوسط وبصورة خاصة على اللاجئين. وبالفعل اتصلت بجيمس لينن ناشر مجلة "تايم" وآرثر واتسون مدير شركة آي بي ام التجارية العالمية ورئيس غرفة التجارة الدولية وابلغتهما بزيارة مالك، فاتفقا معي على وجوب شيء ما يشير الى وجود اهتمام وتعاطف في الولايات المتحدة مع محنة اللاجئين الفلسطينيين الجدد.
&
تبرعات برعاية ايزنهاور
ولكن بما ان ايدي الادارة الأميركية كانت مغلولة بسبب قطع العلاقات الدبلوماسية وجدنا ان علينا التحرك من تلقاء انفسنا. وهكذا أسسنا هيئة "تبرعات الطوارئ للشرق الادنى" (نيد) واقنعنا الرئيس الاسبق دواتيت ايزنهاور بتولي رئاستها الفخرية، وحصلنا على دعم من عدد من كبار الشخصيات اليهودية على رأسها ادغار برونفمان رئيس مجلس ادارة شركة سيغرامز (للمشروبات)، للتأكيد على ان جهودنا عريضة القاعدة وتتجاوز الخلافات الفكرية والدينية.
وفي الواقع استطعنا خلال أكثر بقليل من أربعة أشهر حوالي 8 ملايين دولار، معظمها من شركات النفط الأميركية الكبرى. وانا اسهمت بمبلغ 250 الف دولار واسهمت بمثلها مؤسسة الأخوة روكفلر باسم الاعضاء الآخرين في عائلتي. وقدمنا الأموال للأونروا (هيئة تشغيل واغاثة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة) لكي تتولى توزيعها.
وفي وقت مبكر من العام التالي قمت بجولة في مخيمات اللاجئين بالأردن للاطلاع عن كثب على الاحوال هناك. كان احد هذه المخيمات جاثما في منحدرات جرداء كئيبة فوق غور الأردن.
&
مخيمات اللجوء في الاردن
كن ذلك في منتصف فصل الشتاء، عندما وصلت بطائرة هليكوبتر من عمّان، وكانت تهب علينا من الشمال ريح قارسة البرودة. اما الأرض فكانت موحلة بفعل ذوبان الثلج.
لم تكن في المخيم مبان دائمة بل خيام لا ارضية لها منصوبة فوق بحر من الوحول، يعيش فيها اكثر من ألف شخص محرومين من المرافق الصحية اللازمة او مياه الشفة الجارية وبالكاد يوجد لديهم ما يكفي من الطعام. وما زلت اتذكر تماما منظر طفلة صغيرة جالسة تحت الشمس مرتدية معطفا بقبعة برنسية، لا تتحرك من مكانها حتى عندما كان المتزاحمون المتدافعون يصطدمون بها.
هؤلاء الناس كانوا يعيشون وامامهم قراهم التي شرّدوا منها في الضفة الغربية والتي يحظر عليهم العودة اليها. وكان باديا عليهم الشعور باليأس، ولكن مع شعور بالغضب الشديد ايضا.
ان مشاعر الغضب واليأس في اوساط اللاجئين هي الارث الأكثر ديمومة من حرب يونيو (حزيران). ووهي التي ضخت الراديكالية في الفلسطينيين وبروز ياسر عرفات على رأس منظمة التحرير الفلسطينية.
&
قوة منظمة التحرير
قبل الحرب كانت محنة اللاجئين قابلة للتدبّر، ولكن في ما بعد صارت منظمة التحرير الفلسطينية قوة منفصلة ناشطة لديها اهداف واضحة في مقدمها تأسيس دولة فلسطينية مستقلة. وما عاد عرفات واتباعه مستعدين للسماح لمصر وغيرها من الدول العربية للكفاح بالنيابة عنهم، أو كما كانوا يرون، بيعهم حين يكون في ذلك مصلحة لتلك الدول.
وبذا دخل عنصر اضطراب آخر الى المعادلة الاقليمية جعل تسوية النزاع العربي الاسرائيلي اكثر استعصاء وصعوبة.
بعد بضعة ايام من زيارتي مخيم الاجئين توجهت الى بيروت. وهناك كان قد اعد خفل اسلّم خلاله شيكا من "نيد" بقيمة مليون دولار الى ايان ميتشلمور المفوض العام للاونروا. ولكنني لتأثري بما كنت قد شاهدته في المخيم، تخليت عن كلمتي المحضرة سلفا، وقلت:&"عندما تنادى مواطنون اميركيون لتأسيس "نيد" التي يقوم دورها على تقديم تبرعات اغاثية طارئة للاجئين، لم نكن محيطين تماما بطبيعة المشكلة ولا بحجمها ولا بشدتها.
لكن بعضنا شاهد الأمور الآن كما هي على الأرض، ونحن الآن نعي بجانب التحدي الانساني الذي تمثله هذه المشكلة، الحاجة الملحة لايجاد حل عاجل للمشكلة. اللاجئون هؤلاء، الذين شرد بعضهم للمرة الثانية في غضون عشرين سنة انما هم ضحايا لظروف سياسية أكبر منهم و خارج نطاق قدراتهم. ان في معاناتهم توبيخا لعالم عاجز عن ايجاد وتطبيق حل عادل لمشكلتهم. انني واثق من انه ما لم تحل هذه المشكلة لن تعرف منطقة الشرق الأوسط السلام".
ولئن كانت "نيد" بقواها الذاتية عاجزة عن تحقيق الكثير لتخفيف معاناة اللاجئين، فان جهدنا اظهر على الأقل ان هناك مواطنين اميركيين راغبون بالمساعدة. كما اننا ارسلنا الى كل من القادة العرب والساسة الأميركيين رسالة توضح الحاجة الماسة لموازنة كل المصالح المتضاربة داخل المنطقة قبل ان يتدهور الوضع أكثر. ولكن لمزيد الأسف، بعد مضي اربعة عقود، ما زالت السياسة المتوازنة بعيدة المنال.