قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عادل جندي

&
لا شك أن هامش حرية التعبير في مصر قد اتسع بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة للدرجة التي تسمح بمناقشة موضوع هذا المقال الذي كان يعتبر "تابو" يمتنع الاقتراب منه لأسباب واضحة (ربما كان معظمها وهميا). ومناسَبة هذه المناقشة هي دخول الرئيس مبارك النصف الثاني من فترة رئاسته الرابعة في شهر أكتوبر.
تولي الحكم في مصر منذ عام 1805 وحتى اليوم 15 حاكما، بين والي وخديوي وسلطان وملك ورئيس جمهورية، من بينهم 11 من أسرة محمد علي وحتى إعلان الجمهورية في 1953. وباستثناء محمد علي الذي حكم لمدة 43 سنة، فقد تراوح طول فترات الحكم بين 23 سنة (عباس حلمي الثاني)، و بين سبعة أشهر (إبراهيم) وذلك بمتوسط عام قدره 13,1 سنة لكل حاكم. وانتهت فترة حكم ستة بالموت الطبيعي وستة بالعزل واثنان ( عباس حلمي الأول والسادات) بالاغتيال.
ونحن نتمنى للرئيس مبارك طول العمر والصحة والعافية وأن يمنحه الله "أزمنة سالمة وهادئة ومديدة" (كما يقول الأقباط في صلواتهم من أجل بطاركتهم)، ولكننا نظن أن الوقت ربما قد حان لنتساءل عما يمكن أن يحدث بعد نهاية ولايته الحالية (في 2005).
ليس هناك أدني شك في أن الشعب، مباشرة وخلال مجلس الشعب، سيبدأ قبل موعد التجديد بوقت كاف في مبايعة الرئيس مبارك ومطالبته بالتجديد لفترة خامسة. وقد يجد الرئيس مبارك نفسه مضطرا للنزول على رغبة الشعب ويحقق له أمله. ولكننا، وهذا محض توقع واستقراء شخصي بحت، نعتقد أن الرئيس مبارك سوف يُصرّ على أن يكون أول حاكم لمصر في العصور الحديثة يتنازل عن سُدّة الحكم بإرادته، ليعيش بعدها كمواطن عادي، مُعزَّزا ومُكرَّما. ونعتقد أن احتمال اتخاذ هذا القرار يزيد عن 75%.
والسؤال هو ماذا يمكن أن يحدث في مثل هذه الحالة؟ وأهمية السؤال تنبع من أنه في دولة مركزية مثل مصر يحتل "الرئيس" منذ أيام الفراعنة موقعا فريدا في تأثيره، مهما كثر القول عن "دولة المؤسسات" أو عن "الفصل" بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. ومن هنا ضرورة أن نتأمل فيه قليلا...
يجعل الدستور الحالي ترشيح وانتخاب رئيس الجمهورية من سلطة مجلس الشعب، بينما يبدي الشعب "رأيه" بنعم أم لا، عبر استفتاء تالٍ. ومعنى ذلك بصفة عامة هو، أولا، أنه ليس للشعب دور مباشر في عملية انتخاب رئيسه، إذ ليس له حق الاختيار بين مرشحين متنافسين على المنصب. ومعنى ذلك، ثانيا، أن اختيار "الرئيس القادم" سيخضع "لتأثير" الفئة أو المجموعة أو الطبقة الحاكمة التي ستتكاتف معا بدوافع الاستمرارية والمصالح والمنافع المشتركة (وكلها دوافع بشرية متوقعة تماما)، بالإضافة إلى دافع الحرص على مستقبل مصر بالطبع، مقللة للحد الأدنى احتمال أن تخترق الدائرة أية شخصية من خارجها. ومعنى ذلك، ثالثا، أن الرئيس "الحالي" له، فعليا، دور أساسي في تحديد اسم خلفه أو خليفته.
وبما أننا لا نتوقع إمكانية حدوث أية تغييرات في الدستور (الذي يحتاج، في الواقع، إلى مراجعة شاملة) لأن الرئيس مبارك يحبذ بشدة الاستقرار والاستمرارية، فليس لنا إذن غير أن نتوقع أن عملية اختيار الرئيس المقبل، ما لم تكن هناك مفاجئات غير محسوبة، ستتم في الإطار الذي ذكرناه.
ونحن بالطبع نثق في حكمة الرئيس مبارك في اختيار خلفه، أو في توجيه عملية الاختيار، ولكنه ليس من غير المفيد أن نناقش ما هي احتمالات هذه العملية، على الأقل من باب إحداث نوع من التشويق والاهتمام بين جموع الشعب ...
هناك أولا أسلوب "التوريث العائلي". ومع أن هذا كاد أن يصبح أسلوبا معتادا في بلدان كثيرة بالعالم الثالث، الذي لا يبدو أن شعوبه تعارضه على أساس أنه يوفر بديلا، أو "كَمّا"، معروفا مسبقا (مثلما يحدث في الملكيات) وموثوقا به، بدلا من المخاطرة في المجهول كما تفعل الديموقراطيات الغربية الواثقة من نفسها، إلا أن الرئيس مبارك قد أعلن أكثر من مرة في رفضه لمثل هذا المنطق في دولة كمصر عندما تداولت الأوساط المختلفة اسم السيد "جمال مبارك".. ومع ذلك، نعتقد لأسباب مختلفة أن احتمال اختيار السيد "جمال مبارك"، وخصوصا بعد ما حدث في المؤتمر العام الأخير للحزب الوطني الديموقراطي، نسبته لا تقل عن 60 %. وهناك اسم آخر يُتداول أحيانا، بصورة ضيقة، وهو اسم السيدة "سوزان مبارك" التي تعطيها شخصيتها القوية وانغماسها في العمل العام مؤهلات مناسبة. ولكن بما أن السؤال لم يُطرح من قبل على الرئيس مبارك بصورة مباشرة، فلا نعلم إذا ما كان رفض منطق "التوريث العائلي" يمتد أيضا إلى السيدة سوزان.
ومن ناحية أخرى، يرى البعض (مثل الأستاذ هيكل) أن أسلوب "التوريث العائلي" ينبغي أن يُستبعد تماما كمسألة مبدأ وبغض النظر عن كفاءة وأهلية الاسم المطروح. لكن هذا "البعض" لا يبدو أنه يمثل إلا أقلية صغيرة...
هناك ثانيا أسلوب "التوريث المؤسسي" الذي يعنى اختيارا من "مؤسسة الجيش" التي مازالت، منذ قيام الثورة، هي الأقوى تأثيرا في الدولة، مما يجعل هذا الأسلوب مازال هو الأكثر احتمالا، بنسبة قد تزيد عن 70%. والسؤال هو: "من يا ترى"؟& الإشارة الوحيدة الواضحة في هذا الاتجاه هي ازدياد عدد المهام المحددة التي توكـَل، بصورة أكثر فأكثر علانية، إلى السيد "عمر سليمان" رئيس المخابرات العامة. والرجل شخصية غير معروفة على الصعيد العام، وهو ينبغي أن يكون كذلك بحكم منصبه، مما يجعل تكوين أي صورة أو تصور عنه أمرا شبه مستحيل. وقد يكون هناك اختيار لواحد خرج من المؤسسة العسكرية ثم أجاد في منصب مدني، كمحافظ نشط (مثل محافظ الإسكندرية). ولكن لا توجد شخصية واضحة ممن يمكن أن يخمن المراقب باحتمال تصعيدها إلى قمة السلطة بناء على أسباب منطقية.
وهناك ثالثا إمكانية الاختيار من الدائرة الحاكمة من خارج "مؤسسة الجيش". وتوجد بالطبع العديد من الشخصيات المدنية التي انغمست في العمل العام لسنين طويلة مما قد يؤهل بعضها "نظريا" للصعود إلى قمة السلطة، كما يحدث في بلاد أخرى. وإن كان منصب "رئيس الوزراء" هو من أكثر المناصب تعرضا "للتدريب" على مهام الرئاسة، إلا أنه من الصعب العثور على شخصية من بين من تقلدوا هذا المنصب& "تقفز" أمام العين، إذ كلهم من التكنوقراط التنفيذيين الذين لا يمكن أن يستشف المرء عند أي منهم أي نوع من الرؤية السياسية. كما أن طبيعة نظام الحكم تجعلهم دائما مثل "الفيوز" الذي ينبغي أن يحترق عند ارتفاع حدة "التيار".. ولذلك نرى أن احتمال اختيار أي من رؤساء الوزارة هي ما يقرب من الصفر.
&ومن الممكن أن تتسع الدائرة لتشمل "شخصيات مدنية مؤثرة" مثل الوزير "حسين كامل بهاء الدين". وتشمل هذه الدائرة أيضا "عمرو موسى" الأمين العام للجامعة العربية، الذي يرى الكثيرون أنه لا يوجد سقف لطموحاته الشخصية، ويلاحظون كيف "يُزايد" كثيرا على المواقف السياسية المصرية من موقعه الجديد حتى تتسع شعبيته. ولكن تصرفاته هذه لابد أن تنفر منه من يمكنهم ترجيح الاختيار...
و يوجد هناك عدد قليل جدا من الشخصيات العامة من خارج دائرة الحكم الضيقة،& من بين رجال الأحزاب السياسية أو المجتمع المدني ممن قد يصلحون. ولكن لا أمل لأي منهم في ظل التركيبة الحالية.
وهناك رابعا، وبعد كل ما ذكرنا، إمكانية، قد تبدو غريبة للبعض، وهي انتقال رئاسة السلطة في مصر للتيار الإسلامي. وليس وجه الغرابة هي حدوث هذا بحد ذاته، ذلك أن هذا التيار هو الوحيد المنظم والمتغلغل في مصر شعبا ودولة بصورة لا تخطئها أي عين (وقد ساهمت الدولة في العقود الثلاثة الأخيرة في تنميته واكتماله بهدوء وبأقل عنف ممكن)، كما أن حدوثه لا يتعارض مع كثير من الاختيارات السابق ذكرها؛ إذ يكفي اختيار الشخصية المناسبة "المتعاطفة" مع هذا التيار بقدر كاف، خصوصا إذا قام هذا التيار باستعراض عضلاته عن طريق استثارة وتهييج جموع الشعب في "الوقت المناسب". ولكن وجه الغرابة قد يكون في الصورة: ألا وهي رجوع "الخلافة" مرة أخرى ! وبالطبع ليس سرا أن هذا هو حلم الإسلاميين الذي لا يخفونه، وقد أعلنه على أخيرا الأستاذ الشيخ مصطفى مشهور، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، في حديث لصحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ 9 أغسطس. والمثير للانتباه حقا هو أن عددا من المراقبين السياسيين الدوليين (مثل ألكسندر أدلر، المحلل السياسي ونائب رئيس تحرير "لو موند" في كتاب له صدر في شهر يونيو الماضي) يرون أن المد الإسلامي السياسي ما زال في طور التصاعد، وأن هذا قد يؤدي إلى أن يحاول العالم الإسلامي الائتلاف في شكل "خلافة" في المستقبل القريب. والمثير أكثر للانتباه، أن تلك التوقعات تشير إلى أن الخلافة، عند عودتها، قد لا تكون عاصمتها "اسطنبول" أو "مكة" أو "طهران"، بل.... "القاهرة". على أي حال، نعتقد أن احتمال حدوث هذا، في الظروف العادية، في المستقبل القريب جدا، لا تزيد عن 40%.
.......
في النهاية، لسنا هنا بالطبع إلا محاولين مجرد المشاركة في التأمل والتفكير تاركين أمر التدبير لله ولحكمة السيد الرئيس ومعاونيه. وإن كنا نرى أنه قد يكون من المفيد أن يقوم الرئيس مبارك في وقت قريب بتعيين شخصين أو ثلاثة، يراهم مناسبين، في موقع نواب للرئيس حتى يمكن تأهيلهم واختيار أفضلهم، وحتى يمكن للشعب أن يراقبهم أو, على الأقل، أن يتعرف على رئيسه المقبل بدون أن يفاجأ به ذات يوم بعد اختياره في دهاليز الحكم. غير أن هناك الكثير من الكلام الذي يُنقل عن عدد من كبار المسئولين من أن الرئيس مبارك لا ينوي أصلا تعيين نائب له، مُفضلا ترك الأمر "للسيستم" ليقوم به عندما يأتي الأوان.& وإن كان هذا قد يعني أن الرئيس مبارك يثق في قدرات هذا السيستم ولا يريد أن يفرض إرادته عليه وعلى الشعب، إلا أن هذا الطريق قد يزيد الأمور تعقيدا، إذ لا يعرف أحد كيف يمكن أن تجري الأمور عمليا في تلك الحالة، وهل سيقوم بالمهمة "صنّاع الملوك" داخل دائرة الحكم وحدهم؟ وكيف؟
وأخيرا، وبما أننا نعرف صغر الدور المتاح لنا كأفراد عاديين من الشعب في عملية الاختيار، فليس أمامنا إلا أمران: أولهما أن نتمنى أن يُـفتح باب نقاش حُر وبنّاء حول هذا الموضوع الحيوي، يُمنع من الدخول في حلبته المنافقون بكافة صورهم وألوانهم وأشكالهم (حتى لو أدى هذا، واقعيا، إلى أن يكون الباب بالكاد مواربا لا أكثر...).
وثانيهما أن نحلم بما نتمنى أن تكون عليه "مواصفات" الرئيس القادم الذي تحتاجه مصر: نتمنى أن تكون له من أتاتورك ونهرو ومانديلا إدراك أن الوطنية تعني ربط بلاده بالحضارة العالمية، ومن نابليون العبقرية التنظيمية، ومن مبارك هدوء الأعصاب وعدم الانفعال والجهد الدائب، ومن عبد الناصر طهارة اليد والتقشف الشخصي، ومن ديجول الرؤية التاريخية، ومن ثاتشر الوضوح والإرادة الحديدية.
والله ولي التوفيق.&