قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

جواد عبدالوهاب
&
(2 ـ 3)
&
قلنا في الحلقة الماضية أن العبرة ليست في القدرة علي القول إن للديمقراطية بذورا وجذورا في الاسلام، بل هي في ازمة الثقة المفقودة بين الاسلاميين من جهة، وسائر المفكرين والمواطنين من جهة أخري، وقد سببت تلك الازمة في بعض الأوقات صراعا عنيفا ودمويا بين الفريقين. والواقع ان كلا الفريقين ينظر الي الآخر بعين الشك والريبة، ويخطئ بعضهما الآخر، ولا بد من معرفة اسباب ذلك الوضع ان اردنا تجنب مخاطر ما يحدث. وعلي الرغم من المسؤولية في ازالة سوء الفهم تقع علي عاتق كلا الفريقين، إلا ان القسط الأكبر منها يعتبر مسؤولية الاسلاميين انفسهم، فهم البادئون بطلب التغيير، ولا بد للطالب ان يحمل الآخرين علي الثقة بما يدعو إليه. وتعود معظم اسباب فقدان الثقة من مواقف الاسلاميين عند منافسيهم من الليبراليين والعلمانيين، الي ان العلمانيين اجمالا يعتقدون ان الاسلاميين يعتبرون الشرع مقدسا، وان من كان علي ذلك الاعتقاد فلا يمكنه ان يقبل بسيادة ممثلي الشعب في سن القوانين، وبالتالي يشّكون في كل ما يعلنه الاسلاميون خلافا لذلك الموقف، خاصة ان بعض ممارسات بعض الاسلاميين ومواقفهم تخلق حالة من القلق لدي تلك الاطراف. الحقيقة ان مشكلة الاسلاميين المعتدلين الداعين الي الديمقراطية لا تقتصر علي الاقوال او حل الاشكاليات الفكرية، بل تتعداها الي ما ينسب إليهم من ممارسات نقيضة للديمقراطية ولما يعلنون. الآخرون يريدون منهم موقفا حازما يتفق مع اقوالهم. وما حصل في السودان في التسعينيات تحت رعاية المفكر المجدد الشيخ حسن الترابي، من انتهاكات لحقوق الانسان والحقوق السياسية والمدنية، مثالا واضحا علي تلك الازدواجية المقلقة، وهي في السودان اشد منها في الحوارات الفكرية، خاصة ان الترابي ادعي في كتاباته بتبني الأفكار الديمقراطية. فالترابي كان قد ارتضي مجاراة النظام العسكري وخدمته في عهد النميري، ثم سار في ركاب الانقلاب العسكري الذي قام به عسكريون مقربون من جبهته الاسلامية التي حكمت في المرحلة الاولي من عهد العقيد عمر البشير والذي اثبت بما لا يدع مجالا للشك انه نظام استبدادي. كذلك هناك سبب مهم لدعم ثقة العلمانيين بالاسلاميين، وهو انه لا يزال عدد من الاسلاميين يفرضون حدودا قاسية علي حرية التشريع البشري ويرفضونه ان هو تعارض مع أفكارهم، خاصة ان هذا الموقف يرتطم مع مبدأ الامة مصدر السلطات التي تؤمن به الديمقراطية. لكن بعض المفكرين الاسلاميين ينفون ذلك، ويقولون انهم يدعون الامة الي رفض التعارض مع الحلال والحرام، وليس رفض الديمقراطية، حيث ان المسلم الديمقراطي هو الذي يقدم برنامجا اسلاميا للناخب املا في ان يقبل به، فإن أقر الناخب برنامجا آخر يلتزم به الاسلاميون وان كانوا مخالفين له في الرأي. وهذا الموقف من بعض المفكرين الاسلاميين بالغ الأهمية، فهم يطرحون الشريعة علي المواطن كبرنامج انتخابي يعمل به ان اختاره الشعب، ولا يعمل به ان رفضه الشعب، مضيفين ان كل ما تأتي به الامة نخضع له، مع اختلافنا اذا كان يخالف الدين ، في اشارة واضحة الي ان الاختلاف هو موقف مبدئي وليس رفضا للانصياع لحكم الناخبين او النظام. وبعبارة اخري، انهم يخضعون لارادة الامة، فلا يعمل باحكام الشريعة، انما يظلون مؤمنين بها وساعين الي اقناع الامة بها، وهو ما تفعله دائما الانظمة الديمقراطية. لكن فريقاً آخر من المفكرين الاسلاميين لا يدهبون الي هذا المذهب ومن ضمنهم الشيخ القرضاوي، حيث يصرون علي انه لا يحق للمجلس النيابي ان يصدر قوانين مخالفة لمبادئ الاسلام معتبرين ان هناك حقوقا لله تسبق وتعلو ارادة الامة، اما هويدي فيبدو ان يعطي المشرع حرية اوسع، انما يحرم فقط الطعن في الدين، وهو امر لا يصطدم بالضرورة مع الممارسات في الانظمة الديمقراطية. ومن الامور الأخري التي تثير قلق العلمانيين من الاسلاميين، هو تحفظ الاسلاميين عامة حول التشريع البشري الذي يثير أسئلة خطيرة لدي العلمانيين منها: هل يري الاسلاميون ان المجلس النيابي هو فعلا مجلس تشريعي؟ أي ان له مطلق الحرية في سن القوانين مهما كان مصدرها؟ او ان الشريعة هي المصدر الوحيد من دون ان يكون للناخبين دور في تقرير مصادر التشريع؟ والأدهي من ذلك ان بعض الكتاب الاسلاميين المحدثين يتركون الناس في حيرة حول مفهوم الاسلاميين للديمقراطية. فمثلاً الشيخ حسن الترابي يدعو الي الديمقراطية وحرية الرأي والعمل السياسي، ثم يمنع الناس من حق تشكيل الاحزاب عندما وصل الي السلطة. أما محمد سليم العوا فيقول ان كل حزب تناقضت مبادئه مع مبادئ الاسلام او تعارضت معها، فإن الاصل هو منعه من العمل في الدولة الاسلامية حفاظا علي نظامها العام ومثلها العليا . فكيف يجيز العوا والترابي لنفسيهما منع حرية الرأي والعمل في مسألة هي من صلب حقوق الانسان، كتشكيل الاحزاب لمجرد انه يخالف مفهومهما الشخصي للشريعة. وكيف يميز العوا موقفه هذا عن موقف الحكومات في الحجر علي الاسلاميين ومنعهم من تشكيل احزاب سياسية؟ كيف يريد هؤلاء المفكرون الاسلاميون ان يقتنع الآخرون بانهم ينشدون الديمقراطية؟ لا يجوز القول برأي وبضده في وقت واحد، فمنطقيا يؤدي ذلك الي حالة من العبث والتخبط، ويجر صاحبه سياسيا الي الفوضي والتضليل. ويقترح العلمانيون علي الاسلاميين ان يأخذوا لا اقل بالحد الأدني للديمقراطية الذي يأخذ به المفكر الاسلامي محمد عمارة الذي اقر بوضوح ان المبادئ الاسلامية التي يؤمن بها ويدعو إليها، انما تصبح في الحلبة السياسية مصدرا لبرنامج سياسي من صنع البشر، مثله مثل غيره من البرامج، ولا تكتسب أية قوة رسمية إلا باختيار الناخبين لها، فإن رفضها الناخبون تظل برنامجا سياسيا يسعي اصحابه لتبني الناس له، لا غير. ان علي الاسلاميين ان يعملوا علي إلغاء حالة الالتباس وأخذ الموقف الحازم الصريح من دون ازدواجية، وذلك من أجل ان يساعدوا علي ازالة حالة فقدان الثقة وتصويب الممارسة السياسية في بلدانهم (عن "الايام" البحرينية)