قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

نضال حمد
&
&
الحلقة الرابعة
من محاسن الصدف أن تلتقي في هذه البلاد بعباد لا يشغلهم المال و المادة ولا تسرق وقتهم الأزمات التي تعصف بمن تطول بهم الحياة هنا في وحدتهم وسط الجميع لكن بعيدا عن الاختلاط بأبناء الجلدة الواحدة واللغة الواحدة. فهناك من الذين كانوا يعملون معنا في مخيم بيستوم من كانوا لقبل شهور قليلة أيضا من اللاجئين. هؤلاء كانوا منوعين فمنهم من كان ظريفا وخفيف الدم كما نقول نحن أهل المشرق العربي, ومنهم من كان غليظا وقليل الحياء وعديم الكبرياء ويطلع الذم كما يقول إخواننا أهل المغرب العربي. التعامل مع الصنف الأخير كان متعبا, لكننا في نهاية المطاف استطعنا تدجينه بطرق مختلفة, والتدجين في تلك الحالة وذاك الوضع الصعب والمقيت كان أفضل من التدخين أو الحرق أو الضرب لأنه لا يمكن تجاوز المشاكل الشبيهة بما كنا نواجهه بطريقة "القبضايات والشبيحة" والعنا تر, كان علينا استخدام العقل وهذا ما جعلنا ننجح في عزل قليلي الحياء وعديمي الوفاء من السفهاء. المهم تم تجاوز تلك المرحلة من خلال إقامة تفاهم مع الآخرين يقضي بنشر الوفاق بين المقيمين في المخيم والموظفين والعاملين هناك. في تلك الفترة كنا نتلقى مبلغ بسيط من المال نستلمه مرة :كل أسبوعين. كنت شخصيا مضطرا لتقاسمه مع زوجتي وطفلي, حيث كنت أرسل لهم كل شهر نصف المرتب حتى يستطيعا العيش. كنت أنا هنا وزوجتي وطفلي خارج هذه البلاد, لكني وزوجتي كنا قد شغلنا البريد وعماله في نقل رسائلنا التي كانت تأتي وتذهب بالاتجاهين كما الفراش المنتشر في عز الصيف. كنت أحاول أن أفعل أو أعمل بأي عمل يساعدني على العيش ومساعدة عائلتي الصغيرة. كان الشوق لأبني الصغير والوحيد ولحبيبتي وزوجة قلبي أكبر من أن يطاق وأكبر من أنتظر في المجهول. لكن لحسن حظي أن الاتفاقيات التي وقعت بين الدول الأوروبية سرعت في لقاءهما فكان لي معهم موعد في بيستوم وفي أوسلو قبل أن أحصل على الإقامة بأسابيع قليلة. عشنا سوية خمسة أسابيع جميلة, كانت الدنيا تغيرت والحال كذلك, ذهبت لاستقبالهما في محطة الباصات ,وصلت قبل الموعد بربع ساعة وكم كانت فرحتي عظيمة عندما رأيت ولدي وهو يلعب مع طفل آخر. لقد تركته ابن السنتين فقط, لكن ها هو الآن يعرفني, يركض باتجاه أمه ويخبرها بأنه شاهدني. التقينا وكان العناق طويلا بطول السنة والنصف من الغياب القسري والمنفى الاختياري. مكثوا هنا ستة أسابيع ويوم ودعتهم وهم في طريق عودتهم قلت لهم, سوف أنتظر حتى نهاية العام الحالي, وكان الكلام وقتها نهاية سبتمبر 1994 ووعدتهم بأنني إذا لم أحصل على الإقامة سوف أغادر النرويج بلا عودة. سافرا في الباص الذي يعبر السويد ومن ثم البحر حتى يوصلهما. وعندما عدت من وداعهما متعب البال والقلب والعقل,وجدت البريد ينتظرني في بيستوم وكانت المفاجئة الكبيرة من العيار الثقيل,إذ أن البريد حمل معه الموافقة على منحي الإقامة. لكنني حزنت لأنني لم أستطع الفرحة بها مع عائلتي الصغيرة. وددت لو أنني أستطيع الطيران لأسبقهما إلى مالمو وأبلغهما بالنبأ وأعيدهما معي إلى أوسلو.. لكنهما كانا في الطريق إلى بيت العم هنري.&&&&&
من محاسن المخيم أن الجميع كانوا يعانون تقريبا من نفس المشكلة, كلهم تقريبا بانتظار الإقامة والحصول عليها, كان الكل ينتظر البريد يوما بعد يوم, عله يأتي برسالة تحمل موافقة سلطات الهجرة أو وزارة العدل على حق اللجوء أو الإقامة. وكانت الإقامة أنواع, منها إقامة لاجئ سياسي وهذه تعتبر أفضل الإقامات لما فيها من حقوق ومكاسب وامتيازات, لكن هذا النوع من الإقامات لم يطبق سوى على عدد قليل جدا من الفلسطينيين, لأن السلطات النرويجية لم تكن تعترف بنا كلاجئين سياسيين بحكم عدم وجود دولة فلسطينية تطاردنا أو تلاحقنا وهذا كان عذر أقبح من ذنب. أما الأنواع الأخرى فكانت مثل اللجوء الإنساني , إقامة عمل , إقامة رحمة أو إقامة مؤقتة. وباستثناء الحاصل على اللجوء السياسي لم يكن بإمكان أي مقيم آخر أن يجمع أو يلم شمل عائلته قبل حصوله على عمل ثابت ومرور ثلاثة سنوات على الإقامة, أي بعد أن يحصل على الإقامة الدائمة. وهذه القوانين كانت صعبة خاصة لمن عنده عائلة في الخارج وتنتظر لم الشمل. كنا نقضي الساعات الطويلة في الأحاديث عن كل شيء, ونلعب الورق لساعات طويلة وأحيانا حتى الفجر, كنا نصل الليل بالنهار, نضحك ونلعب ونتعارك بالكلام وتشتد حدة الملاسنات, لكنا كنا ننهض في اليوم التالي ونلتقي أحباء كأن شيئا لم يكن.
في شهر نوفمبر 1994 غادرت بيستوم إلى بيتي الجديد في العاصمة أوسلو, وكان يتوجب علي بداية الدورة الحياتية من جديد وبشكل جديد, كان ينتظرني فرش البيت وتجهيزه تجهيزا يليق باليوم الذي سيأتي لي بزوجتي وطفلي. حصلت على مساعدة من بلدية أوسلو فاشتروا لي ثلاجة وكنبة ومائدة سفرة للطعام وغسالة وسرير ولمبة وأعطوني مبلغ بسيط من المال لشراء ما أريده من حاجات منزلية, كان المبلغ يقدر بخمسة آلاف كراونة وهذا يعتبر مبلغ بسيط جدا إذا ما قارناه بغلاء المعيشة المخيف في النرويج. في النهاية قررت أن أسافر إلى بولندا وأن لا أعود دون زوجتي وطفلي وليكن ما يكن.. في تلك الفترة التي قضيناها معا في أوسلو كانت زوجتي قد حملت بطفلتنا وردة. وعندما قدمنا طلب لم شملنا كانت أصبحت في شهرها السابع.
تم رفض طلب لم شملنا يوم ولادة ابنتي وردة في إحدى مستشفيات العاصمة أوسلو, لكنهم عادوا وقبلوا لم شملنا بعد أسابيع طويلة. بعد حصول زوجتي وأطفالي على الإقامة& بدأت حكايتنا مع النرويج من جديد.
&يتبع
&
&