قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

باريس - مونتريال: باتت البيانات الوراثية البشرية منتشرة في كلّ مكان. فهي توفر الإجابة على أسئلة محددة تطرحها العدالة وأجهزة الشرطة - كإثبات أبوّة أو معرفة هوية الجانحين جنسياً - بعد جمعها من خلال العيّنات البيولوجية (الدم، الأنسجة، اللعاب، المني، وغيرها). وقد بدأ الباحثون يدركون مسبقاً، بفضل هذه البيانات، الأمراض التي ستصيب كلّ واحد منا، مع ما يحمل ذلك من وعود جديدة بالشفاء. فالبيانات الوراثية (1) تفصح عن أمور كثيرة وتعِد دائماً بالكشف عن المزيد. ومع ذلك، فهي تثير جملة من المشاكل بقدر ما تجد حلولاً للبعض الآخر، شأنها شأن سائر جوانب الثورة الوراثية الراهنة.
تكثر الأمثلة حول النجاح الذي حققته البيانات الوراثية. ويفيد إحصاء مجلة "فوروم" الصادرة عن جامعة مونتريال (29 كانون الثاني/ يناير 2001) بأنّه جرت تبرئة 76 محكوماً عليهم بالإعدام في الولايات المتحدة الأميركية بفضل البصمات الوراثية منذ العام 1987. بيد أنّ الكثيرين بدأوا بالتعبير عن قلقهم إزاء التهديدات التي تنطوي عليها بعض هذه الوعود. وتلك هي حال جاك تيستار، "أب" أوّل طفل-أنبوب فرنسي، والذي يعتبر في كتابه "رجال محتملون" أنّه " ليس من المؤكد أن تكون المجتمعات الحديثة قادرة على تجنب الوقوع في زلاّت جديدة إذ أنّ ثمّة احتمالاً بأن تحلّ عنصرية الجينة محلّ عنصرية البشرة أو المنشأ، وإِن بصورة علمية هذه المرّة".
وفي هذا المجال الذي يشهد تطوراً سريعاً، أصبحت الحاجة إلى المرتكزات الأخلاقية جلية اليوم. وقامت اليونسكو، التي سبق أن أعدّت نصّ وثيقة الإعلان العالمي بشأن المجين البشري وحقوق الإنسان، المعتمد منذ العام 1997، بصياغة نص حول البيانات الوراثية في العام 1993 من خلال لجنتها الدولية لأخلاقيات البيولوجيا. وكرّست اللجنة تقريرين لهذا الموضوع: السرية والبيانات الوراثية (يونيو/حزيران 2000) والبيانات الوراثية البشرية: دراسة أولية للجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا حول الجمع والمعالجة والحفظ والاستخدام (أيار/مايو 2002)2.
وبدأ أعضاء فريق تحرير هذه اللجنة منذ بضعة أشهر بإعداد وثيقة دولية تقنينية بشأن البيانات الوراثية البشرية. وسوف تقوم اللجنة بأكملها، وللمرّة الأولى، بإعداد مشروع أولي للوثيقة خلال انعقاد دورتها التاسعة في مونتريال (كندا) من 26 إلى 28 نوفمبر/تشرين الثاني. ويعقب ذلك جملة من الاستشارات قبل اقتراح نصّ الوثيقة ليصار إلى اعتماده في الدورة المقبلة للمؤتمر العام لليونسكو في خريف العام 2003.
ومن المؤكد انّ البيانات الوراثية البشرية بدأت تحتلّ حيّزاً آخذاً في الاتساع في حياتنا، ليس فقط في الحقل الطبي، وقد يحصل ذلك من دون إدراكنا في بعض الأحيان. فلقد عمدت بعض البلدان - كإيسلندا، وإستونيا في فترة مقبلة، ولتوانيا وتونغا في غدٍ ليس بالبعيد -& ببساطة، إلى إجراء إحصاء وراثي لسكّانها، كما باتت بنوك المعلومات في كلّ مكان تزداد عدداّ وحجماً يوماً بعد يوم. وإذا كنا لا نزال نجهل عددها الإجمالي، إلا أنّ جميع المؤشرات تفيد بأنّ حوالى 50 بنكاً للمعلومات قد تجاوزت اليوم عتبة المليون معلومة. حتى أنّ المستشفيات الصغيرة أصبحت تتمتع بمجموعة على الأقل من عينات الحمض النووي المعدّة لمعالجة البيانات الوراثية، هذا في حال لم تكن قد انتهت بعد من معالجتها.
كيف يمكن تفسير هذا التراكم من البيانات الوراثية؟ يقول الباحثون إنّ الهدف من تلك الظاهرة هو الوقوف على بنى التسلسل الوراثي لدى فئات معينة، وكشف الدور الذي يلعبه التنوع الوراثي على مستوى الأفراد وبين الشعوب (تعدّد الأشكال الوراثية). من الأبحاث الأساسية إلى الأبحاث التطبيقية، نجد الطلب نفسه على هذه البيانات الكفيلة بتفسير آليّات محدّدة أو إلقاء الضوء على وسائل علاجية جديدة. وفي سعيهم إلى فهم مرض محدّد بصورة أفضل، لنقل داء السكّري على سبيل المثال، يطلب الباحثون الحصول على عينات من العائلات المصابة على نطاق واسع، أو أنّهم يقومون ببحثهم في الاتجاه المعاكس، من خلال دراسة بيانات المجموعات التي تتميز بعدم تعرّضها لهذا المرض.
وبدأ الأطباء أنفسهم يصفون أكثر فأكثر الاختبارات الوراثية. وهم لا يفعلون ذلك فقط انطلاقاً من قرار مرضاهم بالإنجاب. وقد أدّى تضاعف الاختبارات على البالغين إلى إنتاج كمّ هائل من البيانات المحفوظة في المستشفيات وفي مراكز الأبحاث. وترمي هذه الاختبارات بالأخص إلى البحث عن التحوّلات الوراثية التي قد تقف وراء الإصابة بأمراض معينة. فقد بتنا نعلم مثلاً أنّ العوامل الوراثية تلعب دوراً بين 5 و 10 في المائة من حالات الإصابة بسرطان الثدي - وهو مرض يهدّد امرأةً من أصل إحدى عشرة تقريباً - كما تمّ تحديد الجينات المتحوّلة BRCA1 وBRCA2& ومنذ فترة وجيزة& BRCA3، مع العلم أنّ وجودها لا يعني تلقائياً الإصابة بالسرطان وإنّما يزيد بنسب عالية من خطر الإصابة به. ويذكر أنّ آلاف النساء في الولايات المتحدة الأميركية طلبن إلى أطبائهنّ الخضوع إلى اختبارات لمعرفة مدى تعرّضهن للإصابة بعدد من الأمراض.
&تبدي الشركات الصناعية بدورها اهتماماً بالبيانات الوراثية البشرية، وخير دليل على ذلك المعركة القضائية القائمة بين مؤسسات أوروبية متنوعة، مثل معهد كوري (فرنسا)، وشركة "ميرياد جينيتيكس" الأميركية الشمالية. وتدور هذه المعركة تحديداً حول اختبارات التعرّض للإصابة بســرطان الثــدي والمبيض، المرتبط بجينة BRCA1. ويعتــرض الأوروبيون على
البراءات التي تمتلكها "ميرياد جينيتيكس" والتي تمنحها نوعاً من الاحتكار، ويشدّدون على أنّ الشركة الأميركية الرافضة لإعطاء أي رخص للاستعمال، سوف تتلقى مجمل عينات الحمض النووي في مقرّها في سولت لايك سيتي، ممّا يؤهّلها لإنشاء بنك للبيانات هو الوحيد من نوعه حول النساء المعرّضات لخطر الإصابة بهذا المرض بنسب عالية.
ومن المرجّح أن ينمو اهتمام الصناعة الصيدلية في هذا المجال نظراً إلى ضعف تجاوب بعض الأشخاص - أو عدم تجاوبهم على الإطلاق - مع الوسـائل العلاجية المتوفرة (20 في المائة من حالات داء ارتفاع ضغط الشرايين مثلاً). وتسعى هذه الصناعة إلى الإحاطة تماماً بالتنوع الوراثي بين الأفراد والذي يفسّر عدم التجاوب أحياناً. ومَن يدري ما إذا كان الغد يحمل لنا إمكانية الخضوع لاختبار وراثي مسبق لتحديد العلاج الملائم لنا؟ وإذا كان الانتقال إلى عصر العلاج "المُعَدّ على القياس" ممكناً في يوم من الأيام، فسوف ندين بذلك من دون شك إلى البيانات الوراثية المحفوظة حالياً.
إلى ذلك كلّه تضاف الدراسات الوراثية السكانية المشتملة على كميات كبيرة من البيانات التي تسلّط الضوء على نسبة تواتر خصائص وراثية معينة، إلى جانب الاستخدامات غير الطبية للبيانات الوراثية التي تلبّي احتياجات الشرطة والعدالة. حتى أنّ الدول بدأت تحاول أكثر فأكثر امتلاك هذا النوع من البيانات. وقد رأينا أنّ البعض منها ذهب إلى حدّ إجراء إحصاءات وراثية على المستوى الوطني، ممّا قد يمكّنها من استخلاص معلومات قيّمة من خلال البيانات المتوفرة بهدف تحسين سياساتها الصحية. ولنفترض أنّ إحصاءً وطنياً لحظَ تواتراً كبيراً في تحوّل وراثي معيّن يؤدي إلى استعداد للإصابة بأمراض القلب؛ فسوف يتيح هذا الاكتشاف إعداد سياسة وقائية بإعطاء الأولوية - لا سيّما عملية تمويل الأبحاث - إلى الوسائل العلاجية الضرورية.
واللافت أنّ البيانات الوراثية البشرية لا تشهد تراكماً فحسب وإنما تلك ظاهرة لا تنفك تأخذ في الاتساع. ومن هنا تنشأ ضرورة التطرّق إلى الانحرافات الممكنة. فثمّة مشاكل أخلاقية تظهر في جميع مراحل العملية، بدءاً من الجمع، فالمعالجة، فالاستخدام، وصولاً إلى الحفظ. ومن السهل تخيّل بعض هذه الانحرافات لخطورتها على حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.
في مرحلة الجمع، نجد مشكلة منح الموافقة التي ليست بالجديدة في المجال الطبّي. ذلك أنّ الطابع "الحرّ والمتنوِّر والصريح" للموافقة ليس مضموناً في حالات معينة. ولنتصوّر أنّ الباحثين العاملين في بلدان غنية قرّروا الحصول على عينات من الحمض النووي لدى فئات تعيش في بلدان أقلّ غنىً من الناحية الاقتصادية وأقلّ تطوراً من الناحية القانونية. فلا شكّ أنّ تلك الشعوب التي تفتقر للتشريع في مجال البيانات الوراثية تكون غير قادرة على بلوغ الحدّ الأدنى من المعلومات بشأنها. فأيّ موافقة، والحال هذه، يمكن أن تصدر عنها؟
كما أنه توجد مشاكل أخرى على مستوى سحب الموافقة والحق (أو عدمه) في الحصول على المعلومات (الذي سبق أن تطرّق إليه الإعلان العالمي بشأن المجين البشري وحقوق الإنسان في المادة 5 جيم). فقد يرفــض البعـض في حالات محددة الخضوع لاختبار وراثي أو الاطّلاع
على نتائجه. ولنأخذ مثال شخص أصيب والده بداء "هانتينغتون"، وهو مرض عصبي نادر يصيب شخصاً واحداً من أصل عشرة آلاف. سيكون هذا الشخص معرّضاً للإصابة بدوره بهذا المرض بنسبة 50 في المائة. وعلى الرغم من توفر اختبار تقصّي المرض المذكور3، فقد لا تكون لديه أيّ رغبة على الإطلاق للخضوع له لِما قد ينطوي عليه من صدمة نفسية بالنسبة إليه ولأفراد أسرته في حال ظهور النتيجة غير المرتجاة. ألا يخضع الشخص إذاً، بشكل أو بآخر، إلى نوع من الإرغام؟ وإذا أراد مثلاً التأمين على حياته، وفرضت شركة التأمين عليه أحد أمرين: إمّا الخضوع للاختبار (الذي يجب أن تكون نتيجته سلبية بالطبع لنيل رضا الشركة) وإمّا تسديد قسط إضافي وباهظ الثمن من التأمين؟
في مرحلة المعالجة، تبقى المشكلة الكبرى مسألة السريّة. هل يتمّ التعريف بهوية أصحاب العينات والبيانات أم لا؟ وفي حال جرى التعريف، كيف يُصار إلى احترام مبدأ السرية بعد ذلك؟ إذا كان التعريف عن بيانات معينة ضرورياً في بعض الحالات (ملفّات أجهزة الشرطة، الاختبارات الوراثية، إلخ..)، إلا أنّه يتعين بذل جميع الجهود الكفيلة باحترام أقصى درجة من السريّة عموماً في سائر الحالات. وفي هذا السياق، وقبل الخوض حتى في مسألة الانحرافات الممكنة، لا بدّ من لفت الانتباه إلى وجود مسائل يصعب حلّها؛ فإذا كان الشخص الذي سيخضع لاختبار وراثي يعوّل أوّلاً على مبدأ السريّة، من الوارد أن يلجأ سائر أفراد عائلته بوصفهم من المَعنيين كذلك ببعض المعلومات التي يتمّ جمعها، إلى مبدأ التضامن للحصول على نتائج الاختبار. أكثر من ذلك، فلنفترض أنّ المرض& يترتب على انعكاسات مباشرة على طرف ثالث (إذا كان العارِض الأوّل ضعف في النظر مثلاً، في حين أنّ الشخص المَعني... يعمل مراقباً لحركة الطيران وتتوقف عليه سلامة العديد من الركّاب).
ومن البديهي، من جهة أخرى، أن تكون البيانات التي تجري معالجتها على درجة عالية من النوعية ومصدراً للثقة نظراً لجدية ومسؤولية الأوساط المهنية المَعنية. لكن يجدر التحذير بالأخص في هذا السياق من تهديد في مجال الوراثة السلوكية: فمثلما كان يخال لبعض العلماء لفترة من الزمن أنّ في استطاعتهم العثور على المجرمين انطلاقاً من شكل الجمجمة ليس إلا، قد يطيب للبعض الآخر اليوم اقتفاء أثر جينة الإجرام، أو الإدمان على الكحول، أو العنف، أو غيرها. صحيح أنّ وسائل الإعلام تهتمّ في العادة أكثر من الباحثين بهذا النوع من الاستنتاجات السريعة، غير أنّ بعض الدراسات العلمية أثارت ضجّة وسجالا ساخنا حولها بهذا الصدد. وفي واقع الأمر إنّ المشكلة لا تكمن في البيانات نفسها بقدر ما تتمثل في التأويلات الصادرة بشأنها. فلا يجوز السكوت عن هذا الخطر الكبير الذي يتخذ شكل رصد الأفراد "المعرّضين" أو ملاحقة "الجينات الفاسدة".
في مرحلة الاستخدام، إنّ السؤال الأول الذي يُطرح هو معرفة الغاية من جمع العيّنات. يحدّد مشروع وثيقة فريق تحرير اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا الغايات التالية: البحث الطبّي والعلمي؛ وسائل العلاج الطبية؛ الطبّ الشرعي واحتياجات العدالة في مجال الإجراءات المدنية أو الجنائية. فمن الواضح إذاً أنّ استخدام (أو مجرّد جمع) البيانات الوراثية بغرض إعداد برنامج قائم على التمييز من خلال استهداف مجموعة محددة من الأشخاص أمر لا يمكن القبول به. كما أنّه ليس من المقبول استخدام/جمع البيانات بهدف مواصلة برنامج لتحسين النسل.
لكنّ التمييز "العنصري" لا يمثل الشكل الوحيد من أشكال التمييز. ذلك أنّ البيانات الوراثية تخضع لممارسات من نوع آخر قائمة هي الأخرى على التمييز. فلنفترض مثلاً تطبيق سياسة التمييز عند التوظيف لدواعٍ قد تبدو منطقية جداً، أقلّه في البداية: تقترح شركة نفطية على العاملين لديها الخضوع لاختبار لتحديد الأشخاص المعرّضين من الناحية النظرية أكثر من غيرهم للإصابة بأمراض معيّنة لدى ملامستهم لمادة مُذيبة. وقد يندرج هذا النوع من الاختبارات تماماً في مجال الطبّ الوقائي وللمصلحة العامة للموظفين. غير أنّ اقتراح الاختبار بذاته، أو فرضه فرضاً (إذ يبقى الهامش ضيقاً بين العرض والفرض) على مرشحين للتوظيف قد يلعب في غير مصلحة البعض منهم. حتى أنّ ربّ العمل الذي يميل أكثر للإنتاجية على حساب الصحة أو العدالة قد يؤثر تدعيم معادلة العامِل-العمل، أي بكلام آخر الحدّ من الخسائر المرتبطة بالتغيب المحتمل عن العمل بداعي المرض، فيقوم بشطب أسماء جميع الأشخاص المتجاوبين مع اختبار المنتجات المستخدمة في قسم أو أقسام عدّة داخل الشركة.
كما يرتاب البعض في وجود نية لدى شركات التأمين بسلوك نهج قائم على هذا النوع من التمييز. وممّا لا شكّ فيه أنّ الاختبارات الوراثية تمثل بالنسبة إلى تلك الشركات فرصة لا تقدّر بثمن على اعتبار أنّها قد تسمح بتجنب "الزبائن غير المرغوب بهم" . وقد تعمد هذه الشركات إلى مطالبة مرشح التأمين على الحياة بالخضوع لاختبارات لتقصّي استعداده للإصابة بأمراض معينة، وفرض عقوبة (على شكل تسديد مبلغ إضافي للتأمين) على الرافضين بإجراء الاختبارات أو المعرّضين للإصابة بهذا المرض أو ذاك. وفي سيناريو من هذا النوع، يقع البعض على الرقم الصائب في اليانصيب الوراثي - فهم ليسوا عرضة للإصابة ويحصلون بالتالي على تأمينات بأسعار معتدلة - بينما البعض الآخر يراكم المعوقات: فبالإضافة إلى تهديدات الإصابة بمرض أو أكثر، يجري التعامل معهم على أساس النبذ من قِبَل شركات التأمين.
وإذا كنّا لم نبلغ بعد هذا الحدّ من التمييز، فذلك يُعزى أساساً إلى كون الاختبارات لا تشمل حتى الآن سوى عدد محدود من الأمراض، وإلى أنّه لا يمكن الوثوق دائماً بنتائجها. ويشار إلى أنّها توفر (باستثناء داء هانتينغتون) نتائج استعلامية بحتة (فهي تشير إلى التهديد المتزايد بنسب عالية للإصابة بالمرض لكنها لا تؤكّد إمكانية حدوثه). ويلاحظ في الحقيقة أنّ خطر اللجوء إليها قائم بالفعل إلا في بعض الحالات القليلة (النمسا، بلجيكا، النروج، هولندا، وجزء من الولايات المتحدة الأميركية حيث وُضعت بعض القيود). فإمّا أن يشكّل الغموض القانوني القاعدة التي لا تزال سائدة في كثير من الحالات إزاء هذا الاستخدام، وإمّا أن تصدر شركات التأمين بنفسها قراراً بإرجاء الاستعانة بالاختبارات الوراثية حتى إشعار آخر. وغالباً ما يجري إرجاؤها لمدد محدودة (خمسة أعوام في معظم الأحيان). واللافت أنّ هذا التأجيل لا ينبئ بشيء حول السياسة التي تعتزم شركات التأمين اعتمادها مستقبلاً، لا سيّما أنّ التطور سيتواصل على نفس الوتيرة في مجال الاختبارات الوراثية خلال المدد المذكورة، ممّا سيشجّع الشركات بالاستعانة بها أكثر من أيّ وقت مضى.
إذا أردنا المضي إلى أبعد من ذلك في عالم الوراثة-الخيال، يسعنا أن نتصوّر ظاهرة مماثلة في مجال التعليم. في بادئ الأمر، يقوم أطباء المدارس بجمع البيانات الوراثية الخاصة بالأطفال للدفاع حتماً عن المصلحة العامّة.. ولا تلبث أن تلي تلك الخطوة محاولة استخدام البيانات بغرض الإرشاد المدرسي. فبعد جينة الإجرام، هل تدق ساعة جينة الرياضيات؟ وقد يؤدّي الأمر ببعض المؤسسات المدرسية الراغبة في حصاد أكبر قسط من الأمجاد إلى ابتكار أسلوب انتقائي لقبول التلامذة بإعطاء الأولوية "للنوابغ" الذين يُعرّف بهم بوصفهم من حاملي "أفضل الجينات".&&&&&&&&&&&&&&& .../...
وفي سياق الاستخدام أيضاً، ينبغي التوقف عند المجموعات التاريخية من العينات البشرية والتغييرات الطارئة على الغايات منها. فلو أردنا مثلاً إجراء بحث وراثي على عينات ترقى إلى قرن من الزمن من أنسجة رئوية لضحايا وباء الأنفلونزا، مَن يكون المؤهَّل لمنح الإذن لهذا الاستخدام غير المتوقع والمجرّد من موافقة المَعنيين الأصليين بطبيعة الحال؟ يجري التطرّق إلى هذه الحالة بالذات في مشروع الوثيقة الذي سيقدّم في مونتريال وفيه اقتراح بمنح الإذن رغم غياب موافقة المَعنيين تحت شرط مزدوج: أن تمثل البيانات أهمية لا جدال فيها للبحث الطبّي والعلمي أو للصحة العامة، وأن يُصار إلى إخفاء هوية أصحابها بصورة لا عودة عنها. ويدافع أعضاء فريق التحرير عن الفكرة القائلة بانّ إحدى الغايات المعلنة للبيانات يجب ألا تخبّئ غاية أخرى. ففي الإمكان استخدام البيانات الوراثية البشرية بعد جمعها لأغراض البحث الطبي والعلمي، ووسائل العلاج الطبية، والطبّ الشرعي، واحتياجات العدالة في مجال الإجراءات المدنية والجنائية "لغاية أخرى شرط التأكّد مجدداً من الموافقة المسبقة والحرّة والمتنوِّرة والصريحة من قِبَل الشخص المَعني"، حسبما ورد في مشروع الوثيقة.
تستتبع عملية الاستخدام الإفادة من المنافع المرتقبة. لقد سبق أن ذكرنا في مرحلة جمع البيانات موضوع "تسوُّق" البيانات الوراثية في البلدان الفقيرة من طرف باحثين وشركات من البلدان الغنية. ويتعيّن من هذا المنطلق إعادة طرح مسألة الإنصاف على صعيد النتائج. ففي حال أنتجت البيانات الوراثية بعد جمعها لدى تلك الفئة السكانية منافع معيّنة (أدوية جديدة، اختبارات، إلخ..)، ألا يجب تأمين استفادة الفئة المشار إليها أيضاً؟
في مرحلة الحفظ، نواجه كذلك عدداً من الأسئلة الشائكة: أيّ نظام لإدارة البيانات الوراثية البشرية يمكن أن يضمن الحماية المناسبة لحقوق الإنسان وللحريات الأساسية؟ وما الذي يتعيّن حفظه، أو إتلافه، خصوصاً لدى جمع البيانات خلال تحقيق جنائي أو دعوى قضائية؟
ويندرج تقاطع البيانات ومقارنتها ضمن الشق الخاص بالحفظ وبمسألة الغايات المذكورة أعلاه. فنظراً إلى أنّ أيّ غاية معلنة يجب ألا تخبّئ غاية أخرى، يتعيّن إذاً عدم السماح بإجراء بعض التقاطعات أو المقارنات. وقد ورد في مشروع الوثيقة: " يجب ألا تتقاطع البيانات الوراثية البشرية التي جرى جمعها لأغراض البحث الطبّي والعلمي أو لأغراض علاجية، مع تلك التي جرى جمعها لاحتياجات العدالة في مجال الإجراءات المدنية والجنائية". فليس من الممكن على سبيل المثال استخدام بيانات جُمعت في الأصل لأسباب طبيّة& لغرض آخر هو اقتفاء اثر أحد الجانحين، ولا حتى استخدام البيانات الخاصة بإحصاء ورائي أجري على المستوى الوطني.
وإذا كانت بعض الأسئلة التي تطرحها البيانات الوراثية التي ستكون موضع اهتمام اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا في مونتريال على درجة عالية من التقنية، فهي تتسم بالتعقيد أيضاً. ويعود ذلك أساساً إلى الطبيعة المزدوجة للبيانات الوراثية. فهي توفر معلومات طبية وشخصية في آنٍ. وإذا كانت الخصائص الوراثية للفرد قادرة على تحديد استعداده للإصابة بعدد من الأمراض، فإنّ الطبّ الشرعي والأجهزة القضائية تلجأ إلى هذا الإرث الفريد لدى كلّ واحد منّا بغرض تحديد هويات معينة. كما أنّ مجمل المعلومات المستخرجة تتميز بالحساسية والاستدامة في الوقت ذاته: فهي تبقى صالحة طيلة حياة الشخص المَعني بها، فضلاً عن أنّها تأتي بمعلومات محتملة حول الأخوة والأخوات، والأبناء، والمجموعة التي ينتمي إليها الشخص بشكل عام.
إزاء هذا الوضع المعقد، قرّر فريق تحرير اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا خلال اجتماعاته الثلاثة الأولى اعتماد أسلوب عملي. وأشار على مستوى الشكل إلى إيثاره لأداة غير ملزِمة - أي إلى اعتماد إعلان وليس اتفاقية - إفساحاً للمجال أمام تكيّفها بصورة أفضل في مجال يشهد تطوراً سريعاً، وتسهيلاً للتوصّل إلى الإجماع في فترة لاحقة. ومن المنتظر أن تثمر نقاشات اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا في مونتريال عن تقدم جديد في هذا المجال.
&
هوامش:&
1ماذا تعني عبارة البيانات الوراثية؟
تشكّل البيانات الوراثية بمعناها الأولي معلومات تتعلّق بالرمز الوراثي (الحمض النووي وتسلسل البروتينات) للصبغيات البشرية المتواجدة في النواة وفي الهنيّات الخيطية لخلايا الإنسان. لكنّها تشير بمعناها الشامل إلى معلومات أكثر بساطة بكثير (محفوظات أرشيف طبيب قرية تغطي أجيالاً عدّة لعائلة معينة وتشمل معلومات حول أعمار أفرادها وأسباب الوفاة).
من الصعب إعطاء تعريف محدد بالبيانات الوراثية لأنّ الحدود القائمة بين المعلومات والبيانات والعينات عالية الدقة والتنوع.
2- يمكن مراجعة الإعلان العالمي بشأن المجين البشري وحقوق الإنسان فضلاً عن تقريري اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا على الموقع الإلكتروني التالي:www.unesco.org/ethics
3 - نتائج هذا الاختبار نهائية ومضمونة تماماً؛ فالإيجابية تعلن، وبشكل لا لبس فيه، أنّ المرض سيظهر بشكل مؤكّد بين الخامسة والثلاثين والأربعين من العمر. تجدر الإشارة إلى أنّ داء هانتينغتون خير مثال على مرض أفاد من التقدم المحرز في مجال العلم الوراثي. وقد بات معروفاً منذ عام 1993 أنّ مصدره متواجد على الذراع القصير للصبغية رقم 4. وكان هذا الاكتشاف ممكناً بفضل دراسة علامات الحمض النووي داخل عينات دم أفراد إحدى العائلات الفنزويلية الكبرى المصابة بهذا الداء بنسب عالية جداً.
&
الاتصال بـ:
Pierre Gaillard
Bureau de l'information du public, Section éditoriale
Tél. + 33 (0)1 45 68 17 40
e-mail : [email protected]