قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد حمزة غنايم
&
يذهب الإسرائيليون في 28 يناير المقبل الى انتخاباتهم التشريعية المبكرة انسجاما مع أصولِ وتقاليدِ لَعِبٍ ديمقراطيّ "قاتل"، يوحي منذ الآن بأنه سيجعل من هذه الانتخابات رافعة لنهج العدوان الاستيطاني المتواصل على الفلسطينيين. وإذا صدقت صناعة الاستطلاعات العامة المزدهرة هنا، فإن مواطني اسرائيل 2003 سيخوضون انتخابات اخرى معلنة النتائج، وزائدة عن الحاجة بالتأكيد، ولعلها في أحسن الحالات ستحمل "تجديدا" دراماتيكيا واحداً: أنها ستجعلهم يكتشفون عجزهم عن مواصلة "اللعب" بنفس الطريقة الدموية مع شركائهم في الحلقة الدامية، والتي لا تعني سوى تنامي الرغبة لدى صانعي القرار الإسرائيلي بمواصلة التلاعب بالمصير القومي للشعب الفلسطيني.
في عام 2001 أنزل الإسرائيليون باراك عن ظهرهم، وانتخبوا شارون، عارفين أنه يؤسس وجوده السياسي على التمسك بنهج "إدارة الصراع" وليس حلّه (كتب بعض المحللين ان الإسرائيليين عاقبوا باراك لأنه تظاهر بالقدرة على حل الصراع، وفشل، وأوصل الجميع الى هذه الأوضاع المأساوية). وبعد أن تنازلوا عن الحلم بـ "ديغول" جديد وقادر على صنع الإنعطافة الناقصة في العلاقة مع الفلسطينيين، والإنتهاء من الفصل المأساوي المتواصل في حياتهم المسمى "إحتلالا"، تراجع حلم الإسرائيليين "الواقعيين" في أجواء 2003 الساخنة إلى حدود جديدة وقريبة، يبدو الوصول اليها، على رغم قربها، شبه مستحيل.&
كان انتخاب ارئيل شارون في آذار 2001 مناسبة "نزِقة" لدى بعض المحللين، لتجديد الحديث عن القائد اليميني الذي صنعته مشاكل دولته المستعصية، والتأكيد على انه القائد الذي تحتاجه اسرائيل في الألف الثالث، والذي سيكون قادرا على تجديد الأمل بعودتها الى نفسها، والتراجع الى حدودها السياسية الواقعية، ورؤية جميع العناصر والأطراف والمتغيرات المحلية والإقليمية الجديدة المحيطة بها.
لكن شارون لم يوفّر البضاعة لهؤلاء، فهو لم يحد بتاتا عن نهجه، وحتى بعد أن أصبح "رسميا" إلى حد كبير، وخرج الى محادثات دبلوماسية مع الامريكان والروس وغيرهم، لم يثبت خلال حكمه سوى أنه ليس إلا "نابليون صغير" جديد، كان هناك من تنبأ له غداة الفوز أن يجلب الدمار الى "المشروع الصهيوني" برمّته. تماما كما فعل نابليون الكبير بالثورة الفرنسية، ملهمة الثورات كلها في العصر الحديث!
جاءت "بداية النهاية" معلنة سلفا، ولم يبق إلا الشروع بالتطبيق. وبدلا من مواصلة السير فوق المسار، والتأسيس على ما تم انجازه في أرض الواقع من "تفاهمات" مع الفلسطينيين، قام شارون بتدمير فعلي لا مجازيّ له، وخرج "يجتاح" الاتفاقات كلها، ويعلن موت اوسلو، إتفاقا إثر اتفاق. وبعد أن مات لديه الإتفاق الأم (الاتفاقات المرحلية)، واتفاق الخليل (بعد العملية الفدائية الأخيرة - وإن كانت بروتوكولات اتفاق الخليل "ميتة" من دون تصريح بالدفن، جراء اعتداءات الاحتلال والمستوطنين طيلة السنين الماضية)، أعلن غداة العملية الفدائية الأخيرة في القدس الغربية من الاسبوع الماضي (كريات مناحم)& ان "تفاهمات بيت لحم ماتت" هي الأخرى، وأنه لا أمل إطلاقاّ بالتوصل الى اتفاق مع قيادة الفلسطينيين.
بالتأسيس على "موت الشريك" الفلسطيني جاء شارون الى الحكم، مشيعاً اجواء العداء المسمومة، ومستفيدا من الدماء المراقة بالمجان في الجانبين. وبفضل شعارات من هذا النوع نجحت مغسلة الكلمات التي تعمل لديه ليل نهار في غسل دماغ الإسرائيليين وترويعهم مما ينتظرهم لو واصلت اسرائيل السير على نفس المسار. وكلما سقط مدني اسرائيلي جديد، وتفجر فدائي فلسطيني أخر، انكمش خطاب السلام الإسرائيلي، وعاد إلى حدوده الجديدة التي رسمها شارون وحلفاؤه من اليمين واليسار (الصهيوني)، لتحتل مصطلحات وتطلعات جديدة أحلام السلاميين الحقيقيين (المنكمشين).
تبددت "الحيرة" الإسرائيلية مع الوقت لتصبح انخراطا قوميا عاما في العمل الإجرامي، برؤية المزيد من الضحايا يتساقطون في الجانبين.
كانت تلك نهاية محزنة مؤسية، أسقطت بيد الجميع، وحالت دون العودة إلى الذات في ظل السلام المفقود، "إكسير حياة" الإسرائيليين الأعضاء في "قبيلة السلام". وهي نتيجة مباشرة لنهج المراوغة والتلوّن الذي تميز به حزب "العمل" على مدار عامين تقريبا من الشراكة مع سياسة تدمير السلام. وعندما جاءتهم الصحوة أخيرا وقرروا الأنشقاق عن هذا النهج المدمر، كان أقصى ما صنعته أنها منحت شارون فرصة جديدة لترسيخ أقدامه، في عودة ساخرة الى مقولة الصحفي اوري دان الشهيرة (في ضوء توصيات "لجنة كاهن التي حققت في مجزرة صبرا وشاتيلا 82) - لتصير على النحو التالي: "كل من لم يرغب به رئيسا لحكومة وحدة وطنية، سيحصل عليه رئيسا لحكومة يمين موسعة"!
يحدث ذلك كله على رغم وبسبب "الصحوة" المتأخرة في "معسكر السلام" الصهيوني، وإدراك استحالة مواصلة الجلوس في حكومة يقودها شارون. وقد كان عكيفا إلدار، المعلق في صحيفة "هآرتس"، يقرأ هذه الورطة المعلنة سلفا، في مقالته من يوم الاثنين (25 نوفمبر)، وهو يسأل الاسرائيليين الذاهبين الى انتخاباتهم المبكرة: إلى متى تصمتون؟
في مقالته المذكورة، تطرق إلدار إلى مذكرات دانيئيل إلسبرغ، موظف وزارة الدفاع الأمريكية من مطلع السبعينيات، التي نشرت أخيراً، وكشف النقاب فيها عن آلة الكذب والخداع التي عادة ما كان يلجأ إليها المسؤولون في الادارة الأمريكية بخصوص الحروب التي يخوضونها، كما حدث مع الحرب في الفيتنام. توقف إلدار عند الفصول التي خصصها إلسبرغ لاسرائيل، فكتب يقول:& "حسب رأي إلسبرغ فان سياسة محاربة الارهاب التي يتبعها شارون تكلف الاسرائيليين إزهاق أرواح أكثر مما توفر حياة". وبموجب إلدار، هناك شركاء في هذا الرأي لدى المستوى المهني في المؤسسة الاسرائيلية، لكن هؤلاء لا يجاهرون برأيهم علانية، ويعلن قسم منهم في أحاديث خاصة ليست للنشر أو الاقتباس إن احتمال القضاء على ما يسمى "البنية التحتية للارهاب" يشبه الأمل بتجفيف البحر المتوسط.
يختم إلدار مقاله باقتباس جملة كتبها إلسبرغ، تدعو الموظفين المسؤولين الى عدم الصمت على وثائق تثبت أن الحكومة تخدع الجمهور والرأي العام عندما تكون مشغولة بشن الحرب، حتى لو كان ثمن ذلك الاقصاء عن الوظيفة ودخول السجن!
كما نعلم، لم يدخل إلسبرغ السجن بسبب الوثائق التي سلمها الى "نيويورك تايمز" في حينه. وقد جاءت مذكراته لتبرهن مجددا على أن خمسة رؤساء على الأقل خاضوا على مدار 23 عاما حروبا في الشرق الأقصى (الهند - الصينية) لم يكونوا قادرين على الانتصار فيها.
كان ذلك الموظف في وزارة الدفاع الأمريكية جريئا للغاية في إقدامه على نشر "وثائق البنتاغون" العام 71، وهو الفرد الذي وقف في مواجهة ديناصورات كانت وما تزال تحكم أمريكا الى اليوم.
&
*
&
في مقاله المذكور يستلهم إلدار هذه الواقعة، في تذكير واضح ومباشر للإسرائيليين، ويسأل: أين دانئيل إلسبرغ الاسرائيلي؟ وحقا: إن لم يكن ديغول الفرنسي، فدانيئيل إلسبرغ الأمريكي، على الأقل!
طوبى للمؤمنين!