سليمان يوسف يوسف
&
دعيت بصفتي من مثقفي البلد أولاً، وكوني آشورياً ثانياً مع مجموعة من الشخصيات الثقافية والمهتمة بالشأن العام، مثلت مختلف الشرائح الاجتماعية والقومية والطيف السياسي في المحافظة.&إلى ندوة (ملتقى) ثقافي أقامته مجموعة من الفعاليات الثقافية والسياسية الكردية. موضع الحوار (المسألة الكردية في إطار تعزيز الوحدة الوطنية). أقيمت الندوة في مدينة القامشلي (عروسة الجزيرة السورية). هذه المدينة الجميلة تحتضن من جميع القوميات والأثنيات والطوائف التي يتكون منها الشعب السوري(العرب والآشوريين بطوائفهم(سريان/كلدان) والأكراد والأرمن واليزيد وبعض عائلات من الشيشان و التركمان،&وتتنشط فيها مختلف الأحزاب و التيارات السياسية والقوى الديمقراطية الوطنية الموجودة على الساحة السورية. بهذا تجسد القامشلي مقولة التعايش المشترك والتآخي القومي على قاعدة تعزيز الوحدة الوطنية وتقوية الجبهة الداخلية في سوريا. ومن لا يعرف تاريخ القامشلي نقول: إنها امتداد ديمغرافي وتاريخي وحضاري لمدينة "نصيبين" السورية المسلوبة، حيث تقع اليوم ضمن الحدود التركية، ولا يفصلها عن القامشلي سوى الخط السياسي الفاصل بين الدولتين(سوريا وتركيا)، لهذا نقول نحن السريان(الآشوريين) عن القامشلي بأنها(نصيبين الجديدة). (نصيبين) من المدن الآشورية القديمة جداً في (بلاد ما بين النهرين) حيث يعود تاريخها إلى عصور ما قبل الميلاد. وقد اشتهرت نصيبين بمدرستها الكبرى في القرن الرابع الميلادي واستمرت حتى القرن السابع، تخرج منها مشاهير الأدباء السريان، وقد ساهمت إلى جانب بقية المدارس السريانية في سوريا، مثل مدرسة الرها وحران وقنشرين بنقل الفكر اليوناني إلى العرب حيث يقول البريفسور الفرنسي جاك شغاليه: "بفضل سريان سوريا اتصل العرب بالفكر اليونان").
لا شك أن لهذه اللقاءات والحوارات أهمية كبيرة في تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف حول القضايا الوطنية. ففي هذه الندوة تم التعرض بوضوح، ولأول مرة إلى مسألة الأقليات القومية وحقوقها في سوريا، وكان هناك العديد من الأفكار و الآراء الجيدة والهامة في هذا الاتجاه تستحق التوقف عندها والبحث فيها. كان هناك إجماع من قبل الحضور على ضرورة الإقرار بالتعددية القومية والسياسية في سوريا، وأن يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات في الوطن الواحد وداخل البيت السوري، وبما يعزز من الجبهة الداخلية ويمكنها من مجابهة التحديات الخارجية والتصدي لها. وأجمع الحضور على أن التطرف في طرح الشعارات و المطالب من أي طرف لا تخدم الوحدة الوطنية،&بل هي تضر وتسيء للجميع. وتأتي أهمية هذا اللقاء من أنه أظهر كم نحن نحتاج إلى المزيد من اللقاءات لكي يفهم ويتعرف كل منا على الطرف الآخر ويتفهم مشاكله ومطالبه، حيث هناك ثمة خلل ما في العلاقة وفي كل الاتجاهات، خاصة بين الطرف العربي والأطراف الأخرى من الأكراد والآشوريين يعود هذا الخلل بالجزء الأكبر منه إلى الضعف في الحوار أو حتى غيابه بغياب القوى السياسية العربية المستقلة والفاعلة على مستوى المحافظة، وضعف مؤسسات المجتمع المدني، وضيق الهامش الديمقراطي و الحريات السياسية. لهذا جاءت معظم المداخلات خجولة غامضة،&تفتقر إلى الشفافية والوضوح في الطرح، وقد بالغ البعض من (العروبين المستعربين) من السريان في مجاملة الطرف الكردي إلى حد التأكرد, والتعدي على التاريخ بهدف جر الطرف الكردي لخندقه السياسي،&وجاءت الأجوبة من الطرف المحاور(الكردي) أكثر غموضاً وضبابية وناقصة أحياناً. وتغلب طابع السجال على الحوار أحياناً، حيث حاول كل طرف أن يدافع عن نفسه. لا شك أن تجاوز هذا الخلل في العلاقة لا يكون إلا من خلال المزيد من الحوار الوطني الديمقراطي المسؤول بين جميع القوى الوطنية والديمقراطية والحركات القومية في سوريا، في أجواء أكثر حرية وديمقراطية وبما يحفظ أمن الوطن والمواطن واستقرار المجتمع .&
تقدمت بمداخلة شفهية معقباً على بعض المداخلات، ولإبداء الرأي في بعض القضايا والأفكار التي طرحت وقد جاء فيها: "كنت أتمنى أن يكون هذا اللقاء في مكان عام مفتوح مثل "مركز ثقافي" كردي أو أشورى أو عربي، فبقدر ما أناصر وأطالب بحق كردي في سوريا، بقدر ما أطالب بحق أشورى و عربي وبحق كل مواطن سوري أيضاً في إطار حقوق المواطنة والإنسان...& وحده الاعتراف المتبادل من قبل الجميع بحقوق الجميع- قوميات وأحزاب- و بالحق في الاختلاف، هو الشرط الضروري لاستمرار التعايش المشترك بصورته الأمثل بين مختلف فئات وقوميات المجتمع السوري. فكما تخشى الأقليات على ذاتها من استبداد وهيمنة الأغلبية، كذلك الأغلبية تقلق وتخشى من تمرد الأقليات وتطرفها في مطالبها القومية. ولا يجوز النظر إلى الأقلية نظرة شك وظنون وإلصاق التهم بها لكونها أقلية،& بالمقابل أن حفاظ الأقلية على خصوصيتها يجب أن لا يعني استعداء الأغلبية بل الاعتراف بها والالتزام بأهدافها الوطنية. وأكدت على ضرورة أن تبنى المواقف على أسس وطنية مبدأية وليس على قاعدة توازن القوى ولأجل مصالح ومكاسب حزبية آنية ضيقة وعابرة. واقتران القول بالفعل في كل ما يطرح، لأن حقيقة ما طرح لا يعكس الواقع المعاش في الشارع وعلى الأرض. فمن الخطأ بقاء الحوار محصوراً بين النخب الثقافية والسياسية وحدها. بعيداً عن الوسط الشعبي العام... هذا وقد أشرت إلى ضعف الخطاب القومي الكردي السوري، وتضمنه تعابير ومصطلحات غير دقيقة مثل (المناطق الكردية في سوريا)، والذي يحاول دوماً إظهار بأن الأكراد وحدهم المتضررين والمحرومين من الحقوق القومية وحقوق المواطنة و تهميش حقوق الآخرين من الأقليات كالآشوريين و غيرهم... لهذا تم التأكيد على ضرورة أن يراجع الجميع خطابه ليكون أكثر واقعية وموضوعية، وبما يضمن احترام مشاعر وحقوق الأخر ويجسد القيم الديمقراطية ويعزز الأخلاق والروح الوطنية السورية، ويكرس التعايش المشترك ويعمق روح التآخي في المجتمع السوري...".&
بناءً على ما تقدم، ومن أجل أن يستقيم الحوار الوطني ويستمر ويتطور بين جميع الأطراف، نؤكد على ضرورة التخلي والتراجع عن سياسة الطمس والتحوير لتاريخ سوريا و المنطقة وشعوبها من قبل هذا الطرف أو ذاك من التيارات القومية العربية والكردية، وهنا نشير إلى ما يتردد في الأدبيات الكردية من حين لآخر مواضيع تبحث في تاريخ المنطقة وفيها العديد من المغالطات التاريخية والإجحاف بالتاريخ الآشوري بقصد تكر يدها،&تنبعث منها رائحة التطرف القومي و الشوفينية، مقلدين بذلك الخطاب القومي العربي القديم، مما يثير الحساسية والغبن ليس لدى الآشوريين فحسب وإنما لدى المثقفين والكتاب وأصحاب الأقلام النزيهة والمخلصة من العرب و الأكراد معاً، نذكر منهم& الكاتب والباحث الكردي (فرسد روز بياني) الذي كتب مقالاً في جريدة المؤتمر العدد 314 تاريخ 8 آب 2002بعنوان( افتراءات لايارد للمز وري... يمحو تاريخ الآشوريين لتكر يدهم) يرد على كتاب يحمل عنوان "افتراءات لايارد" لمؤلفه الكردي عبد الرحمن مزوري.
&يبدأ السيد (فرسد) مقاله بالقول: "هناك علاقة بين التطرف القومي والتاريخ، إذ نجد عبره كيف المتطرف القومي يبدأ بدراسة التاريخ وفهمه وإعادة كتابته حسبما يناسب مزاجه وأيديولوجيته... ويضيف نحن العراقيين ابتلينا بحزب حاكم قومي متطرف ونظام شوفيني وفاش، يهتم بالتاريخ اهتماماً خاصاً ويبذل كل ما بوسعه من أجل تحريفه وإعادة صياغته... من وجهة نظر بعثية شوفينية قومية ضيقة... ويضيف السيد فرسد "لا يمكن نكران الحقائق التاريخية لمجرد ترسب تلك النزعة القومية المتطرفة التي عانينا منها نحن الأكراد أكثر من أي شعب آخر حينما أراد البعث في العراق محونا وسحقنا،&فكيف نسمح لأنفسنا أن نجابه الأقوام الأخرى بالسلاح ذاته" ويضيف في سياق الموضوع "من الواضح إن الأستاذ ألمزوري قد وقع تحت تأثير أجواء هيئة إعادة كتابة التاريخ،& بل أنه ينافسهم في جعل الآشوريين أكراداً، وهم يجعلونهم عرباً قدماء، ثم يتساءل ؟" ويضيف السيد فرسد: "يستغرب الأستاذ ألمزوري بالقول:(لا نجد اليوم في كوردستان كلها أو خارجها طائفة أو عشيرة أو فئة أو حتى فرداً واحداً مسيحياً يقول بانتمائه القومي إلى الكرد؟) ولماذا تستغرب يا سيدي؟- والكلام للسيد (فرسد)- إنهم ببساطة ليسوا أكراداً،& لهم تاريخهم الذي يضرب بجذوره عمق أرض العراق... وللآثوريين لغة وكتابة خاصة بهم، واسأل عما إذا كان لنا ككرد كتابة خاصة بنا فنحن ولحد الآن نستخدم الحروف العربية أو اللاتينية في كتاباتنا... يقول الأستاذ ألمزوري: هناك من المصادر التاريخية التي تظهر لنا بأن المسيحيين والنساطرة اليعاقبة الساكنين في جبال كوردستان هم أكراد نصارى،& اتخذوا من لغة الكنيسة- الآرامية - لغة لهم وان اسم (الآثوريين) استخدمه المبشرون والمستشرقون والاثاريون...& ويضيف السيد(فرسد) قوله: وهنا أسأل الأستاذ ألمزوري: كيف عرفت إن الكرد يرجع أصلهم إلى الشعب الميدي ولا يرجع اصل الشعب الآثوري إلى الآشوريين ؟ ويضيف أليس الرأي القائل بان الكرد يرجع أصلهم إلى (الماد) قد جاء من قبل المستشرقين السوفييت فلماذا نقبل بهذا الرأي ونرفض الرأي القائل بان الآثوريين ترجع أصولهم إلى الآشوريين الذين عاشوا في العراق قبل أكثر من ألفي عام قبل الميلاد على الأقل". يختتم الكاتب فرسد مقاله بالقول: "في زمن العولمة والتطور الحضاري الذي نعايشه،&علينا أن نوجه تفكيرنا ليكون أكثر حضارياً وديمقراطياً،& وأن لا نفعل أسوأ مما فعل أسلافنا وأعداؤنا كما توجه إليه الأستاذ ألمزوري حين شطب الأمة الآشورية كلها بجرة قلم في كتيب صغير كهذا؟".
&
أخيراً
هل بات&الحديث عن مسألة الأقليات القومية في سوريا وطرح حقوقها&الثقافية والاجتماعية وحقها في التمثيل النيابي والإداري، كذلك حقها في تشكيل أحزابها السياسية ومؤسساتها القومية، للنقاش والحوار مسموحاً به ومقبولاً بعد أن كان من المحرمات والممنوعات طول الفترة الماضية. نعم هذا ما تؤكد عليه العديد من المعطيات والمؤشرات الإيجابية التي تشهدها الحياة السياسية في سوريا منذ بداية عهد الدكتور بشار الأسد رئيس الجمهورية، وقد جاءت هذه الندوة لتؤكد وتشهد على هذا النهج الانفتاحي والديمقراطي في سوريا.
الكاتب من "المنظمة الآثورية الديمقراطية" في سوريا. مهتم بمسألة الأقليات.
[email protected]. org