مصطفى احمد نعمان
&
طالعت بيانًا نشرته إيلاف وقعته مجموعة من "علماء ومفكِّرين ومثقَّفين عرب ومسلمين"، وتلخَّص محتوى البيان في الحديث عن التهديدات الأمريكيَّة للمنطقة، وتناول في مقدِّمته عددًا من مسلَّمات الموقِّعين الفكريَّة، تتلخَّص في الآتي:
إنَّ الإسلام هو المستهدف من قبل الإدارة الأمريكيَّة وحلفائها الغربيِّين والصهاينة.
أعتبر الموقِّعون أنَّ الأحداث الجارية في أفغانستان والعراق والسودان، وتهديد إيران و"الإشارة" إلى تقسيم بعض البلدان العربيَّة هو ما ظهر من خفايا الاستراتيجيَّة الأمريكيَّة.
محاولة تسخير الأمم المتَّحدة لتمرير ما تريده الإدارة الأمريكيَّة من قرارات.
التهديد بأنَّ إصرار الإدارة الأمريكيَّة على استخدام القوَّة والاعتداء على دول المنطقة سيفتح أبوابًا للجهاد والمقاومة الشرعيَّة العادلة التي ستنتهي بدحر المعتدين.
رغبة الإدارة الأمريكيَّة بتدمير هويَّة الأمَّة الإسلاميَّة ونشر الثقافة الأمريكيَّة والسيطرة على الثروات.
رغبة الإدارة الأمريكيَّة في التغطية على فشلها في تحقيق أهدافها المعلنة في أفغانستان.
محاولة الإدارة الأمريكيَّة القضاء على الانتفاضة الفلسطينيَّة التي أقلقت أمن إسرائيل وأضرَّت باقتصادها.
بعد تعداد "مسلَّماتهم"، يبدأ الموقعون في طرح ما يؤمنون بأنَّه الطريق للخلاص من هذا التهديد وإحباط النوايا الأمريكيَّة. ويوجِّهون حديثهم إلى الحكومات والشعوب وإلى زملائهم من العلماء والدعاة والمفكِّرين. ويختتمون حديثهم بتوجيه نداء إلى أهل الخير في العالم وفي الولايات المتَّحدة نفسها.
تمَّت صياغة البيان بأسلوب الوعظ الديني، لا الخطاب الذي يتحدَّث عن قضايا سياسيَّة ومواجهتها بخطاب سياسي محدَّد لا إبهام فيه ولا غموض. ويتَّضح الضعف الشديد في البيان من خلال التوجُّهات التي أراد الموقِّعون تمريرها متجاهلين أصل المشكلة والسبب الحقيقي لما نحن فيه من ضعف وتخلُّف.
العجيب، أنَّ الموقِّعين وجَّهوا جلَّ حديثهم إلى الحكومات لكي يوضحوا لها المخاطر التي تواجهها وكيفيَّة التصدِّي لها. وظهر الأمر كأنَّ القائمين على شؤون الحكم لا يعلمون بما يحيط بهم من مشاكل وأزمات. ثمَّ يتحدَّث البيان عن محاولات الدفع بتبنِّي "نموذج علماني يتناقض مع قيم الشعوب، ويؤدِّي إلى الصدام بينها وبين حكوماتها." هذه الدعوة فيها تسطيح وتجهيل واستخفاف بمفاهيم سياسيَّة، رغب الموقعِّون في اجتزاء ما يرون أنَّه يتناقض مع مصالحهم وأهدافهم. فالنموذج العلماني الذي يتحدَّث عنه هؤلاء يتمثَّل لديهم بقيمة واحدة من قيمه، وهي الفصل بين العمل السياسي والدعوة الدينيَّة. إنَّهم يريدون إطلاق آلة التكفير ضدَّ كلِّ من يتحدَّث في هذا الإطار.
يتطرَّق البيان إلى دعوة الحكومات لتحقيق "التلاحم مع شعوبها". لم يشرح لنا المفكَّرون والعلماء الموقِّعون كيف يكون ذلك التلاحم! ثمَّ يتحدَّثون عن "الاعتراف بالآخر"، طالما أنَّه "متَّفق مع مسلَّمات الأمَّة وثوابتها!" ولكي "يعمَّق الانتماء للبلد وأهله ويسدُّ الثغرات والفجوات. فالتهديد الخارجي الأمريكي لا ينفذ إلاَّ من خلال هذه الثغرات أو من خلال النخب الدائرة في فلك أميركا والملتزمة بمشروعها ونموذجها."
هذه المفردات، تحمل في طيَّاتها اتَّهامًا جاهزًا لكلِّ مَن يخالف رأيهم، لأنَّ "ثوابت الأمَّة" هم الذين يقرُّونها، كلاًّ حسب عقيدته الفكريَّة. والحقُّ أن ليس من ثابت في هذا الكون إلا الله سبحانه وتعالى وكتبه السماويَّة وأنبياؤه ورسله. وما عدا ذلك هو اجتهاد قد يخطئ أو يصيب، ولا يجب أن يفرضه نفر جوَّزوا لأنفسهم الحقيقة، وأعدُّوا لمخالفيهم قائمة الاتِّهامات التي تنتهي بـ "أمِّ الكبائر"، ألا وهي العلاقة بالولايات المتَّحدة التي كانت لوقت قصير مضى صديقًا حميمًا لأغلبهم عندما تطابقت المصالح في أفغانستان. لم نسمع حينذاك بمؤامرة أمريكيَّة على العالم العربي الذي يجعل هؤلاء من أنفسهم أوصياء عليه وعلى مواطنيه.
يواصل العلماء والمثقَّفون والمفكِّرون دعوة الحكومات إلى بناء علاقات شراكة جادَّة مع قوى أخرى غير الولايات المتَّحدة لكي لا تظلَّ المنطقة رهن تسلُّط الإدارة الأمريكيَّة. أي، أنَّهم يدعون إلى توزيع مراكز التسلُّط على عدَّة محاور، وهم بذلك يعملون بمنطق "المستجير من الرمضاء بالنار." ثم مَن هي تلك الدول، سواء من شرق آسيا أو من أوروبا التي تستطيع أن تزاحم الولايات المتَّحدة؟
أمَّا الشعوب، فقد خصَّتها "النخبة الموقِّعة" على البيان، بالتهنئة على ما قالت إنَّه "شئ من اليقظة". لم يفسِّر لنا هؤلاء كيف توصَّلوا إلى هذا الاستنتاج! هل المظاهرات التي لم تقدِّم شيئًا سوى تحطيم المنشآت العامَّة هي دليل اليقظة لديهم! هل التسبُّب في تحويل آلاف الأسر إلى مجموعات من العاطلين هو دليل اليقظة التي يلمسها الموقِّعون؟!
ثم يطالب الموقِّعون الشعوب "بالعودة الصادقة إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ ولزوم شرعه، والتوبة النصوح إليه من جميع الذنوب والمعاصي الفرديَّة والجماعيَّة." إنَّها مطالبة تنطوي على تشكيك كبير في إيمان هذه الشعوب، ووصمها بأنَّها تخلَّت في فترة من الفترات عن تمسُّكها بالشرع، ممَّا يستوجب التوبة على أيديهم، كأنَّ هذه الشعوب كانت تعيش في ضلال مبين وتدهور خلقي.
في الواقع، يريد الموقِّعون فرض ثوابتهم على الجميع، وكأنَّ المساجد التي يشرف بعضهم عليها خالية من المصلِّين الذين لم يتوقَّفوا عن الدعاء لرفعة شأنهم، وما انفكُّوا يصبُّون اللعنات على أعدائهم.
الحديث الذي يتكرَّر في البيان عن وحدة الكلمة ونبذ الشقاق وتغليب مصالح الأمَّة، هو حديث مبهم لا معنى له، وبلا ضوابط تتيح للجميع الحديث الحرَّ دون خوفٍ من تكفير أو تحقير أو نفي أو استبعاد. أمَّا حصر الأمر بمن يتَّفق معهم وينصاع إلى توجيهاتهم، فهو ضرب من التسلُّط الذي يدَّعون أنهَّم يحاربونه ويجاهدون ضدَّه. فما معنى أن يُلزم نفر بقيَّة الأمَّة بأفكارهم واجتهاداتهم وتفسيراتهم وتأويلاتهم، وما عدا ذلك فهو هرطقة و"علمنة"!
ينهي الموقِّعون البيان بتنصيب أنفسهم موجِّهين للأمَّة في الأزمات، كأنَّهم بُراءٌ منها. ويدَّعون بأنَّهم يكشفون ما التبس على الأمَّة من الحقِّ، وهم بذلك يضعون أنفسهم في موضع العصمة والسمو والابتعاد عن الرغبات الشخصيَّة، وكلُّ ذلك غير صحيح ولا مقبول. ولا ضرر في أن يكون لبعضهم رأي خاص وتفسير معَّين، ولكنَّ ذلك لا يعطيه الحقَّ في فرضه إلا على مَن يقتنع به.
إنَّ خلاف الفقهاء في الماضي كان أصل البلاء، وهو الذي أوصل الأمَّة إلى ما يريد هؤلاء أن ينتشلوها منه الآن، والتاريخ شاهد والقصص كثيرة والذاكرة حاضرة لدى الكثيرين. والموقِّعون أنفسهم يتحدَّثون عن "الاجتهاد في تقديم الحلول الشرعيَّة"، وأعتقد أنَّه لم يغرب عن بالهم بأنَّ باب الاجتهاد الشرعي متنازع فيه، ولم يحدث إجماع بين المجتهدين حتَّى على أداء الصلوات، وصيام رمضان وغيرهما من الأمور التي يراها بعضهم فرعيَّة ويراها آخرون سببًا للفرقة.
في الخاتمة، يتحدَّث البيان دونما تحديد أو إفصاح إلى "محبِّي العدل وأنصار السلام"، ويطالبهم بإظهار رفضهم لسياسات الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة. ثمَّ يتوجَّه إلى "أنصار العدل ومحبِّي السلام ومعارضي الحرب والمؤسَّسات وأفراد داخل الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة" خاصَّة بخطاب يفتقر إلى أدنى مقوِّمات الإقناع أو محاولة الحوار. هذا تبسيط للقضايا واستخفاف بالعقول وجهل بأبسط قواعد العمل السياسي.
ختامًا، أودُّ لفت أنظار العلماء والمفكِّرين والمثقَّفين الذين وقَّعوا البيان إلى قضايا عدَّة، أوجزها بالآتي:
&
* لم يتطرَّق البيان إلى غير المسلمين الذين يشاركوننا الأرض والموارد والحاضر والمستقبل. إنَّهم بذلك يتجاهلون قطاعًا هامًّا من إخواننا في الوطن الذين لهم حقوق وعليهم واجبات مساوية لحقوقنا وواجباتنا. كيف يستوي ذلك مع المطالبة بتوحيد الكلمة، إلاَّ إذا كان العقل الباطن قد أسَّس لنفي هؤلاء من وطنهم أو اعتبارهم مغتربين داخله!
&
* تجاهل البيان الحديث عن أصل المشكلة التي تكمن في مستوى التعليم والتخلُّف التقني الذي تقبع فيه الأمة بسبب الجمود الذي أصابها منذ أمد طويل سبق نشأة الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة. ليس لذلك علاقة بـ "التوبة النصوح والتزام الشرع".
&
* في بعض الأقطار العربيَّة المئات إن لم يكن الآلاف من المدارس التي تدرِّس القرآن الكريم وعلومه المختلفة، ولكن ذلك لم يمنع التخلُّف الذي نعيشه منذ مئات السنين. المسألة أعمق من ذلك بكثير وتحتاج إلى شجاعة لمواجهتها بعيدًا عن الروحانيَّات.
&
* لم يسعفنا البيان بتخصُّصات الموقِّعين عليه، ولا كيف تمَّ الاتِّفاق عليه، غير أنَّ صياغته توحي بأنَّه كان توافقيًّا، فأتى ركيكًا في فكرته وغير محدَّد في مفرداته، فانعكس ذلك على النتيجة التي يتوخَّاها من يقف خلف فكرة إصداره.