قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

المستشار محمد سعيد العشماوي
&
لفظ العولمة تصريف غير صحيح لغوياً للفظ العالم (بفتح اللام)، بما يعني المنسوب إلى هذا العالم. وقبل هذا الاشتقاق كان لفظ العالمية هو الذي يطلق على ما ينسب إلى العالم، غير أن التعريف المشتق حديثاً قصد إلى المعنى الذي شاع مؤخراً عن اللفظ الإنجليزي "Globalismس ليفيد معنى آخر غير الذي يفيده لفظ العالمية intemtionalism فبينما كان لفظ العالمية يشير إلى ما ينتشر على مدار العالم، فإن لفظ Globalism الانجليزي قصد إلى معنى ينظر إلى العالم كوحدة واحدة. وقد اضطرب الكتاب العرب (بتشديد التاء) في إيجاد لفظ يؤدي المعنى الجديد المقصود، فاستخدام بعضهم لفظ الكوني، وهو استعمال مخطىء، لأن الكوني يقابل لفظ Cosmical الانجليزي، أي المنسوب إلى الكون ولا تفيد المعنى المقصود. واستعمل بعضهم لفظ المسكونة وهو استعمال مخطىء كذلك، لأن المسكونة تعريف للفظ المسكوني، وهو لفظ له دلالة مسيحية تشير إلى مجال عمل النشاط المسيحي، واللفظ بالإنجليزية Ecumenical. وأخيراً، وعلى الرغم من الخطأ اللغوي في استعمال لفظ العولمة، فقد وجد الجميع فيه ضالتهم وبدأ استعماله ثم شاع هذا الاستعمال واستقر. وإذا كانت العولمة قد صادفت وواكبت ما يسمى بالنظام العالمي الجديد new worled order، الذي بدأت الإشارة إليه في أربعينيات القرن الماضي ثم تكرر الاستعمال بإلحاح منذ حرب الخليج الثانية، وفي التسعينيات من هذا القرن، فقد تخالط معنى العولمة، بالهيمنة الأميركية على العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتحول القطبين العالميين إلى قطب أوحد، يرى فيه البعض قوة استعمارية جديدة ومطلقة، أو يرى فيه صورة طاغية للرأسمالية المستغلة (بكسر العين)، وبهذا صار لفظ العولمة لفظاً قلقاً ومقلقاً، تحوطه هالات من اضطراب المعنى واختلاط الفهم، مما يدفع إلى التخوف منه أو على الأقل اتخاذ جانب الحذر. فما هي الحقيقة في ذلك الوضع وذاك اللفظ!؟
من الناحية السياسية، فقد زاد وتضخم دور المؤسسات الدولية، الأمم المتحدة ومجلس الأمن والهيئات والمنظمات المتفرعة عنها مثل البنك الدولي ومنظمة الزراعة العالمية ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة التجارة العالمية وغيرها، وبدأ من ثم دور أكبر لهذه المؤسسات على مستوى العالم كله. وكنا في شهر اغسطس 1997 قد نشرنا دراسة عن الغرب ودراسة الإسلام ورد فيها لأول مرة أن تزايد دور المنظمات الدولية لابد أن يؤدي إلى انحسار مفهوم وسلطان السيادة الوطنية لجميع الدول على مستوى العالم، وهو الأمر الذي شاع التعبير عنه في السنوات الثلاث الماضية. ولا مفر من قبول هذا الوضع لأنه نتيجة طبيعية للتحولات الدولية، التي لا يمكن معها حل كثير من المشاكل أو تنظيم مسائل مهمة مثل توزيع المياه الا على مستوى وبأسلوب يتجاوز النطاق الاقليمي، ويمتد إلى دول متعددة، بما قد ينال من سيادتها على نحو قليل أو كثير. ومن الجانب الاقتصادي فإن كثيرا من الدول الآسيوية مثل الصين عملت جاهدة على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وكذلك روسيا، مما يعني أن هذه المنظمة ليست منتدى أميركيا - غرب أوروبي، لكنها تعمل على تسهيل التجارة وترويج الصادرات، ومن ثم فإن دولة كالصين كانت شديدة الاهتمام بقبولها في هذه المنظمة حتى تحصل على تسهيلات مادية وقانونية تزيد من صادراتها، أو على الأقل تزيل القيود التي يمكن أن توضع أمام هذه الصادرات.
ولأن الدول العربية، في معظمها، لا تنتج سلعاً صالحة للتصدير، ومنافسة للسلع المماثلة لها من إنتاج دول أخرى، وتقتصر تصدير هذه الدول (العربية) على المواد الخام كالنفط أو الغاز أو المعادن أو المنتوجات الزراعية، فإنها لا ترى المزايا التي يحققها الانضمام إلى منظمة التجارة الدولية، ومن ثم تتخوف أن تكون هذه المنظمة وسيلة استعمارية للسيطرة على اقتصادها. ولو أن الأمر كذلك حقا ما سعت الصين وروسيا إلى الانضمام إلى هذه المنظمة. أما المظاهرات التي تندفع في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا ضد العولمة فهي تصدر عن أناس، معظمهم من الشباب، ذوي النزعة الاشتراكية الإنسانية التي ترفض سيادة الاتجاه الرأسمالي الذي لا تخفف من غلوائه اتجاهات إنسانية، تتمثل في الضمان الاجتماعي ومعاش البطالة والتأمين الصحي وتخفيف قيود العمل الصارمة (واللاإنسانية) حتى لا تكون الرأسمالية استغلالا ممن يملك لمن لا يملك. يضاف إلى ذلك أن التقدم الالكتروني أدى إلى تقليص الوظائف عامة، مادام يمكن لجهاز واحد (كمبيوتر أو حاسب أو حاسوب) أن يقوم بعمل عشرة أشخاص أو أكثر. هذا فضلا عن أن دخول الصين إلى منظمة التجارة الدولية يعد في نظر المتظاهرين ضد العولمة عدوانا على حقوقهم في العمل ببلادهم ذلك أن العمالة الصينية عمالة رخيصة وماهرة، خاصة وأنها محكومة بنظام شمولي يتحكم في الأجور ويمنع أية مطالبة بزيادتها ويسحق أي تظاهر أو اضطراب يهدف إلى الوصول إلى حصول العمال الصينيين على أجور حقيقية تكافىء أجور المماثلين لهم في البلاد الاوروبية والأميركية. ونتيجة لذلك فإن المنتوجات الصينية تكون على الدوام منافسة بسعرها لأي منتوجات مماثلة في أوروبا وأميركا لقلة التكاليف بقلة أجر العمال، مما دفع الرأسمالية في هذه البلاد إلى استثمار أموالها في الصين وزيادة الإنتاج فيها، بدلاً من الإنتاج في بلادها، حتى يحصلوا على مزايا السلع الأرخص فيحققوا بذلك أرباحاً أكثر، هي في الواقع تعد خصما من قوة العمل في بلادهم، ونشراً للبطالة بين عمال هذه البلاد.
العولمة نظام ضخم مركب تظهر آثاره مرحلة إثر مرحلة ويوما بعد يوم، وهو اتجاه لا مهرب منه لأنه نتيجة طبيعية للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طالت العالم بأكمله، فصار كالإعصار الكاسح، لا يمكن تلافي آثاره إلا بفهم عناصره وتحليل دوافعه، ثم التعامل معها عن علم وبينة، دون وضع الرؤوس في الرمال، كما تفعل النعامة ذات الجسم الكبير والعقل الصغير.
وإن من آثار ونتائج العولمة ثورة الإعلام وثورة المعلومات، وهي أمور تقتضي تحليلا خاصا، لبيان موقف العرب منها والدور الذي يمكنهم أن يقوموا به حتى يستطيعوا مواكبة تيار العولمة الكاسح وهو ما نفرد له الحديث القادم.