قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لواء أ.ح/ طه المجدوب
&
ليس ثمة شك في أن إحساس الدولة بقوتها المفرطة.. لابد أن يدفعها إلى التفكير فـي أسلوب الاستفادة من هذه القوة.. فـي تحقيق أهدافها القومية وحماية مصالحها الحيوية.. وبالتالي يمكن أن يولد فرط القوة الاتجاه إلى شن الحروب.. الأمر الذي يخلق إضطراباً وتوتراً دائماً فـي مناخ العلاقات الدولية. هذه المقولات تفسر لنا توجهات السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة عامة فـي عام 1989.. وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق فـي عام 1991. منذ ذلك التاريخ وبعد سقوط النظام العالمي الثنائي القطبية.. انفردت الولايات المتحدة بزعامة العالم.. وأصبحت أعظم قوة عرفها التاريخ. وقد تجسدت هذه القوة بشكل صارخ عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وهكذا ظهرت المعاناة العالمية من ذلك منذ أن بدأت الولايات المتحدة ما أطلق عليه "الحرب ضد الإرهاب".
هنا يمكننا القول أن السياسة الخارجية التي أعلنها بوش تحت شعار "الحرب ضد الإرهاب" ليست سياسة جديدة.. بل هي استمرار للإطار الاساسي الذي تكونت ضمنه السياسة الأمريكية منذ خروجها منتصرة فـي الحرب العالمية الثانية. فـي هذا المعنى فإن سياسة الإدارة الأمريكية الحالية تعتبر امتداداً لسياسة خارجية ان العنف فيها ليس مجرد وسيلة بل عنصرا جوهريا فـي تكوينها.. وفـي أساليب ممارستها. وتواجه هذه السياسة اليوم ارهاباً متطوراً تكنولوجياً.. يتمثل فـي القدرة على استخدام وسائل التدمير الشامل.. مما يجعل قتل البشر باسم الحرية وحقوق الإنسان عملية متكاملة.. يمكن تغطيتها بلغة القانون والأخلاق والشرعية الدولية.
وقد بلور "مبدأ بوش" كل هذه المعطيات.. مؤكداً الاعتماد على استخدام القوة ضد الدول والجماعات التي تعتبرها الولايات المتحدة ومصالحها. وقد ترجمت وثيقة الأمن القومي الأمريكي الصادرة فـي 20 سبتمبر الماضي.. هذا المبدأ إلى استراتيجية عالمية متكاملة.. تضع النقاط فوق الحروف وتحدد الأبعاد والأهداف الأساسية للولايات المتحدة وتوجهاتها السياسية المدعومة بقوتها العسكرية.
الصرع الإسرائيلي الفلسطيني فـي الوثيقة الأمريكية:
سوف نقصر حديثنا هنا عن وثيقة الأمن القومي الأمريكي.. حول ما يخص منطقة الشرق الأوسط عامة والصراع الإسرائيلي الفلسطيني بشكل خاص. وقد تضمنت الوثيقة فقرة مهمة بشأن هذا الصراع.. كان نصها كالآتي: "يعد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني صراعاً جوهرياً بسبب ثقل المعاناة الإنسانية.. وبسبب العلاقات الوطيدة التي تربط الولايات المتحدة بدولة إسرائيل وأهم الدول العربية.. وأيضاً بسبب دور هذه المنطقة المهم وانعكاسه على أولويات الولايات المتحدة على الصعيد الدولي. ولا يمكن أن يتحقق سلام بين الطرفين المتصارعين.. إذا لم تكن لكل منهما حريته. وتساند الولايات المتحدة قيام فلسطين حرة ديمقراطية تعيش إلى جنب إسرائيل فـي أمن وسلام.. ويحق للفلسطينيين - كجميع الشعوب الأخرى - أن تكون لهم حكومة ترعى مصالحهم وتنصت إليهم. وستواصل الولايات المتحدة تشجيعها للأطراف المعنية بهذا الصراع حتى تتحمل مسؤوليتها.. وتوالى مساعدتها على التوصل إلى حل شامل وعادل للصراع !.
وقد خصت الوثيقة الجانب الفلسطيني تحديداً بشروط تتعلق بأسلوب حل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني مع التركيز على الوضع الفلسطيني تحديداً.. حيث نجد أن الوثيقة قد وضعت ثلاث شروط مسبقة لابد أن ينفذها الفلسطينيون حتى يمكن الوصول إلى الحل السلمي الشامل والعادل المشار إليه. وفـي هذا الشأن كانت الشروط التي حددتها الوثيقة تتضمن الآتي: ''إذا ما أقر الفلسطينيون بضرورة إقامة نظام ديمقراطى فـي بلادهم.. وإذا ما حاربوا الفساد.. وإذا ما نبذوا العنف.. فحينئذ يمكنهم الاعتماد على الدعم الأمريكي من أجل '' ايجاد '' دولة فلسطينية ''.
وواضح من هذه الشروط.. التي يتحمل مسؤوليتها كاملة الجانب الفلسطيني.. كسبيل لابد عنه للوصول إلى الحل السلمى.. وأن يسبق تنفيذ هذه الشروط.. عودة الولايات المتحدة للاهتمام بالقضية الفلسطينية.
كما كررت الوثيقة التعبير.. الذي أصبح سائداً فـي لغة البيت الأبيض منذ تولي الرئيس جورج دبليو بوش السلطة فـي واشنطن.. ويخص التعبير الحديث عن قيام الكيان الفلسطيني الذي لا يذكر إلا فـي صيغة مجهلة. وهناك عدة ملاحظات حول تعبير '' خلق دولة فلسطينية '' تشير الأولى إلى أن استخدام كلمة '' خلق دولة '' يعنى أن مقومات هذه الدولة غير قائمة.. وأنه سوف يتم خلقها من عدم.. أما الملحوظة الثانية فهى استخدام كلمة '' دولة فلسطينية '' وليس '' الدولة الفلسطينية المستقلة '' كما وردت فـي صياغات الأمم المتحدة.. وكما اعتاد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون أن يتحدث عنها. وهذا يدفعنا إلى استنتاج أن تعبير دولة فلسطينية وليس الدولة الفلسطينية تعبير مقصود.. يهدف إبراز الكيان الهش والدولة المسخ المقرر خلقها.. والتي تفتقر إلى المقومات المتعارف عليها.. الأمر الذي يسمح للمفسرين بأن يفهموا أن فلسطين مجرد كيان أو موطن للفلسطينيين.. لا يمتلك المقومات الحقيقية لإقامة الدولة المستقلة.. يقوم على جزء محدود من أرضهم.. ويكون خاضعاً للسيطرة الإسرائيلية بشكل من الأشكال. وما يعزز هذا القول أن الوثيقة تفادت عن عمد الإشارة إلى المرجعيات الدولية الشرعية بشأن إقامة الدولة الفلسطينية.. أو إلى قرار مجلس الأمن 242 الذي ينص على انسحاب إسرائيلي إلى حدود ما قبل حرب يونية 1967. حيث تكتفي الوثيقة بالإشارة إلى انسحاب إسرائيل '' من المواقع التي احتلتها بعد 28 سبتمبر 2000 أي بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية. ومن الملاحظ أن الصيغة التي استخدمت فـي طرح الشروط المسبقة.. والتي وضعتها الوثيقة على كاهل الفلسطينيين حتى يمكن '' خلق دولة فلسطينية ''.. قد جاءت مطابقة تماماً للصيغة والشروط التي وضعتها إسرائيل منذ أن جاء شارون إلى السلطة فـي تل أبيب. فقد استخدمتها الوثيقة دون أي محاولة لتوفير قدر من المرونة فـي تنفيذ هذه الشروط حتى لا تتحول إلى عقبة دائمة أمام قيام الدولة الفلسطينية.. وبالتالي أمام تحقيق الأمن والسلام فـي المنطقة. وتعني هذه الصيغة بشكل أكثر وضوحاً : ضرورة التخلص من الرئيس عرفات وتقويض أركان السلطة الفلسطينية.. وإبعادها عن الحكم.. باعتبار أن الإصلاحات الثلاثة المطلوبة من الفلسطينيين لا يقوم بها فـي نظر البيت الأبيض وفـي نظر إسرائيل.. إلا حكام جدد تحددت مواصفاتهم بدقة.. بحيث تكون الحكومة الفلسطينية الجديدة مستسلمة للقدر المرسوم لها.. خاضعة للمشيئة الأمريكية الإسرائيلية.. أن تقبل فقط ما تتصدق به إسرائيل على الفلسطينيين سواء من فتات الأرض.. أو من مقومات عاجزة عن إقامة الكيان الفلسطيني المستقل. ومن الواضح فـي إطار مثل هذه الأوضاع أن فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة أصبحت مستبعدة الآن من الفكر السياسى الإسرائيلي السائد فـي المرحلة الراهنة إن الشروط التي فرضتها الوثيقة الأمريكية.. سوف تعوق تماماً قيام الدولة الفلسطينية.. وبالتالي يتحقق المطلب الإسرائيل بشكل مباشر.
الأهداف الإقليمية والتطابق الاستراتيجيى الأمريكي الإسرائيلي:
إن الوثيقة الأمريكية للأمن القومي.. هي الترجمة النظرية والتفسير العملي لما أُطلق عليه '' مبدأ بوش '' ومن الواضح أن تحول هذا المبدأ من صيغة عامة إلى واقع محدد.. قد اتخذ من الشرق الأوسط ميداناً لتطبيق كل جوانب هذا الفكر. وفـي هذا الإطار الإقليمى احتل العراق مركز الصدارة فـي النشاط الأمريكي الرئيسى.. على الأقل فـي المرحلة الراهنة من التحركات الأمريكية. وليس ثمة شك فـي أن موضوع العراق لا تستمد أهميته من الإصرار على ضربة وتدمير قدراته وبنيته الأساسية.. ولكن تمتد هذه الأهمية.. ربما بشكل أخطر.. إلى التداعيات المحتملة والأهداف المنتظر تحقيقها بعد ضرب العراق من هذا المنطلق هناك هدفان رئيسيان حددتهما الاستراتيجية الجديدة: الأول هو تشكيل الأوضاع بالشكل الذي يعطي لنفوذ الولايات المتحدة المركز الرئيسي فـي المنطقة وفـي مناطق العالم الأخرى.. ويمكنها من فرض قدراتها لمنع ظهور قوى دولية منافسة لها.. وهيمنتها على القرار السياسي لدول المنطقة. والثاني هو إعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط بمفهومه الموسع.. بطريقة تحمل الكيانات السياسية فـي المنطقة على قبول الصيغة الإسرائيلية لطبيعة العلاقات المستقبلية بين إسرائيل ودول الشرق الأوسط.. وبالشكل الذي يعطي لإسرائيل القدرة على التغلغل الاقتصادي وفرض هيمنتها على المنطقة. ويمكننا القول أن هذين الهدفين الرئيسيين بشأن الشرق الأوسط.. قد وضعتا بحيث تخدمان تصور إسرائيل لوضعها المستقبلي فـي المنطقة بعد تنفيذ الضربة العسكرية الأمريكية ضد العراق.. وما ستحدثه من تداعيات عميقة تهز الدول المجاورة له.. وترسي القواعد والأسس التي أرادت إسرائيل فرضها على الفلسطينيين من خلال الضربات المتالية التي يوجهها جيش الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وهذا يعنى أن الخطين لا يمثلان خطوطاً جديدة بل هما يمثلان تحركين متوازيين.. يكملان بعضهما البعض.. ليس فـي مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر 2001.. بل منذ بداية عهد الرئيس بوش فـي يناير 2001.
إن المراجعة الدقيقة للوثيقة الأمريكية.. والنظر فـي صلب بنودها الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط.. توضح لنا مدى تطابق أبعاد هذا الفكر مع الفكر الإسرائيلي عامة والليكودي بوجه خاص وخططه بشأن مستقبل الصراع. ويعود هذا التطابق إلى فكر المجموعة الحالية التي تقود السياسة الخارجية الأمريكية.. نظراً لمواقفها المنحازة لإسرائيل. فهناك ولا شك العديد من أوجه التطابق بين منهاج العمل الأمريكي ومنهاج العمل الإسرائيلي الذي وضعته حكومة الليكود. ومن أبرز هذه الأوجه ما يتعلق بتأييد بقاء إسرائيل فـي الأراضي المحتلة.. ورفض اعتبار هذه الأراضي.. أراضي محتلة.. فضلاً عن رفض مبدأ '' الأرص مقابل السلام '' بل وعملية السلام ذاتها.. من ناحية أخرى هناك تطابق واضح بين مبدأ الهيمنة الأمريكية الذي يكتسب صفة العالمية.. وتفكير الحكومة الاسرائيلية بشأن الهيمنة على المستوى الاقليمي من خلال احياء المشروع الصهيوني القديم الخاص باقامة '' الدولة العبرية الكبرى '' والسيطرة على منطقة الشرق الاوسط اما بالمشاركة مع الولايات المتحدة او بالوكالة عنها.
وليس هناك شك فـي الالتقاء الواضح الامريكي الاسرائيلي حول ''منطق القوة ''.. والاصرار على فرض ما يريده وما يراه كل طرف منهما باستخدامها.. عن اعتقاد بان القوة هي الوسيلة الاولى المناسبة لادارة السياسات الخارجية.. وان الحرب هي الاداة الفاعلة لفرض السياستين الامريكية والاسرائيلية.
لقد كانت السياسة الاسرائيلية فـي الماضي.. حتى فـي اشد حالات الانحياز الامريكى لاسرائيل.. تجدر ما يحجم من حركة هذه السياسة عند الضرورة.. ويقيد اندفاعها الأهوج من خلال موقف امريكي حازم.. يعكس فـي لحظة معينة حسابات المصلحة القومية الامريكية. اما الآن.. فقد تركت الادارة الامريكية الحكومة الاسرائيلية تتجاوز كل الخطوط الحمراء والمحاذير التي كانت تحددها الادارات الامريكية السابقة.. وقد ادى هذا الى الاخلال الحاد بعنصر التوازن الاقليمي الضرورى لحماية المصالح الحيوية للولايات المتحدة واشاعة الاستقرار والامن والسلام بين دول المنطقة. ومن الواضح ان السياسة الامريكية ذاتها فـي المنطقة اصبحت تفتقر الى عنصر التوازن.. وما يحدثه ذلك من خلل واضح فـي حسابات السياسة الخارجية الامريكية خاصة فـي منطقة الشرق الاوسط.. وبعد ان اعتمدت الولايات المتحدة مبدأ '' اطلاق يد اسرائيل واعادة ترتيب الاوضاع بما يتفق مع اطماعها الواسعة. والواقع ان ما يحدث الآن بشأن الصراع العربي الاسرائيلي عامة والصراع الاسرائيلي الفلسطيني خاصة قد تجاوز مفهوم الانحياز الى مجالات اكبر كثيرا.(عن "عُمان" العمانية)